كيف تصدر اكبر جريدة في الشرق الاوسط

كيف تصدر اكبر جريدة في الشرق الاوسط

هل تعرف ليلة الامتحان شعور التلميذ بالقلق. محاولته ان يقرأ كل كتبه في يوم واحد. اضطرابه خشية الرسوب. هذا هو شعور كل من يعمل في "أخبار اليوم" كل يوم جمعة من 14 سنة الى اليوم.
فيوم الجمعة هو يوم أخبار اليوم لا حديث بين المحررين الا عنها. ان اخبار اليوم تصدر في 12 صفحة، ولكن المحررين يعدون لها 24 صفحة او ثلاثين صفحة تم تبدأ عملية الاختيار.

فالجريدة الكبرى لا تقبل الا الموضوعات التي تنفرد بها وتسبق بها، فاذا جاء خبر عرفت اخبار اليوم انه وصل الى الصحف الكبرى نشرته في زاوية صغيرة، فهي تريد ان تكون مختلفة عن كل جريدة، في كل صفحة فيها سبق، وفي كل عمود ضربة صحفية، وفي كل زاوية شيء جديد.. ويوم اخبار اليوم يبدأ في الساعة التاسعة صباحاً، المحررون يدخلون ويخرجون من مكتب مصطفى امين، ومكتب علي امين.. ومكتب حسين فريد سكرتير عام تحرير الدار، علي امين يعطي افكار الصور الكاريكاتورية الاخيرة لصاروخان، لطفي حسونة يحمل القصة الانسانية لمصطفى امين.
الحملات الكبرى..
واشهر حملة لاخبار اليوم هي حملة 4 فبراير، وفيها فضحت لاول مرة قصة حصار الدبابات البريطانية لقصر عابدين.. ومن حملاتها الهامة عيد الأم ، ولكنه استمر في المطالبة باقامة عيد للأم واصبح هذا العيد عيداً قوميا في الجمهورية العربية المتعدة واصبحت المحلات التجارية تعتبره موسما اقتصاديا كعيد الفطر وعيد الميلاد.
ومن حملاتها المشهورة عندما حرضت الزوجات على الاضراب عن تناول اللحم بسبب استغلال الجزارين، ونجحت الحملة نجاحا عظيما، واشاد وزير التموين بهذا الانتصار الذي حققته هذه الجريدة.
وعندما قطعت الفرقة المصرية معاش النجمة زينب صدقي قامت اخبار اليوم بحملة وجمعت مبلغاً كبيرا من المال، واصبحت زينب صدقي تتقاضى نفس المعاش الذي كانت تتقاضاه من الفرقة القومية.
وقصة ليلى الطالبة التي قرر الاطباء انها ستموت في شهر مارس الماضي، وتولى علي امين امرها، واشرك القراء معه، واستطاع عطف القراء واهتمامهم ان يجعلها تقاوم السرطان وتعيش حتى الان واقامت لها اخبار اليوم فرحا هائلاً اشتركت فيه كل مطربات مصر ورقصت فيه اكبر راقصاتها.

أول عدد من الأخبار
تعتبر أخبار اليوم هي الجريدة الأم لكل صحف اخبار اليوم ومع ان اخبار اليوم ربحت من العدد الاول، الا ان الصحف الاخرى التي اصدرتها احتاجت لعدة سنوات قبل ان تنفق على نفسها، ان اخبار اليوم هي التي انفقت على الاخبار وآخر ساعة والجيل والمختار حتى وقفت على قدميها.
وعندما ارادت اخبار اليوم ان تصدر جريدة يومية بدأت التجربة باصدار آخر لحظة مرة في الاسبوع. ثم مرتين، ثم ثلاث مرات، وبقيت عدة شهور تصدر "الاخبار" كل يوم وتطبع منها خمسة اعداد، ولا يقرأها الا عدد من المحررين، وعندما تمت التجربة بالنجاح اعلنت الاخبار عن موعد صدورها، وصدر اول عدد منها في يوم 14 يونيو سنة 1952 وبعد خمسة اسابيع قامت الثورة.. واصبحت الاخبار الجريدة اليومية الاولى في مصر.

ومما يذكر ان البعض اقترح تسمية الجريدة اليومية "اخبار اليوم" ولكن علي ومصطفى خشيا ان تنجح الجريدة اليومية وتؤثر على مكانة اخبار اليوم، وهذا هو السر في تسمية الجريدة اليومية "الاخبار" وكان اسمها في اول الامر "الاخبار الجديدة". ثم حذفت الجريدة اسم الجديدة واصبحت كما هي الان "الأخبار" فقط.

المندوبون والمخبرون يبحثون بالانباء والاخبار والتحقيقات الصحفية، وحسين فريد يشكو كثرة الاعلانات، وأحمد زين رئيس قسم الاخبار يوزع الموضوعات على المحررين، وبرقيات المراسلين بدأت تصل على آلة مثل الآلة الكاتبة ورق في كل لحظة بانباء من لندن وموسكو وواشنطن وجنيف وبرلين وروما، ثم ينعقد اجتماع ضخم في الساعة الحادية عشرة صباحا، هو اجتماع لا مثيل له في اية صحيفة، يحضره ما بين الخمسين والسبعين محررا ومحررة، وهو اشبه بمحاضرة في جامعة منه باجتماع صحفي، ان المتكلم هو مصطفى امين والموضوع دائما هو الفن الصحفي: كيف تكتب الخبر. كيف تلتقط الخبر، كيف تعد الضربة الصحفية؟ وهو يتناول كل شيء في الجريدة بالنقد حتى انباء الوفيات، ثم يصل فجأة خبر هام. وهنا يوزع رئيس التحرير على الخمسين او السبعين محررا تحري هذا الخبر الواحد! وهذا هو ما تسميه اخبار اليوم التحقيق الصحفي الكبير، وينطلق في لحظة واحدة سبعون محرراً ومحررة يعصرون مصادر الاخبار.. بعضهم يتنكر في ثوب خادم او خادمة او عامل او كناس او سائح اجنبي، وانت تراهم اشبه بخلية النحل ضربت فجأة بعصا فاذا بالنحل ينطلق فجأة ويملأ المكان، وهو يبحث دائما عن زهور يمتص رحيقها، والزهور في العرف الصحفي هي الاخبار والمعلومات، وتدق أجراس التليفون، انها لا تكف ابداً عن الرنين، كل تليفون يحمل خبراً جديدا، صالة التحرير تمتلئ وتنفض، محررون داخلون وخارجون قاعدون وواقفون الانس لا تمشي وانما تعدو، دوامة هائلة من الاخبار تصل الى رئيس قسم الاخبار ومساعديه، المصورون يحملون الصور التي التقطوها، الرسامون يتقدمون بالصور التي رسموها . سكرتير التحرير يرسمون الصفحات، ويعدلون ويبدأون ويزيدون ويحذفون، الخبر الذي مكانه في الصباح في الصفحة الاولى ينتهي في الليل وهو خبر صغير ينشر في زاوية بغير عنوان الجريدة تتغير بين لحظة واخرى كل دقيقة تليفون يغير كل الجريدة، كل برقية تجيئ تبدل شكل الصفحة، آلات اللونتيب تلتهم المقالات ثم تخرج اعمدة من الرصاص، ثم تلتهمها آلات الصهر فتتحول الى اسطوانة كبيرة وتنتقل الاسطوانة بسرعة الى آلة الطباعة الضخمة، ويدق جرس ثم تدور الآلة بسرعة هائلة، وبذلك يبدأ طبع اخبار اليوم.

آخر ساعة/
 تشرين الثاني- 1958