الجزء الرابع من مذكرات سكرتير فاروق (2)..مشاغل الملك

الجزء الرابع من مذكرات سكرتير فاروق (2)..مشاغل الملك

ملخص الحلقة السابقة
كتب أمين فهيم في الحلقة الاولى من الجزء الرابع من مذكراته يقول انه يخالف كل الذين قالوا ان فاروق قد فسد على كبر، وانه كان في صباه او في شبابه انسانا يرجى من ورائه خير او صلاح.
قال ناظر قصر القبة عندما انطلق فاروق ذات مرة بسيارته الاوستن في سرعة رهيبة:

انه مجنون.. وقالت مربية فاروق الانجليزية: ان فؤاد نفسه والد فاروق كثيرا ما كان يقف وسط اولاده ويمسك برأس ابنته فائقة وهو يقول بعين دامعة: انا عارف ليه ربنا ما خلقكيش ولد وتورثي العرش بدل المجنون ده..؟
وصرح فؤاد مرة إن ابنه فاروق قد ورث الكثير عن جده اسماعيل..!
وكانت البيئة التي تربى فيها فاروق تتركز في ثلاثة اشخاص – رجلين وامرأة – ينفردون بالسلطة والنفوذ في القصر ادريس خادم الملك الخاص.. والخازندارة خادمته الخاصة..
ثم الرجل الغامض.. الذي كان موظفو القصر يسمونه راسبوتين..!
ملخص الحلقة السابقة
كتب أمين فهيم في الحلقة الاولى من الجزء الرابع من مذكراته يقول انه يخالف كل الذين قالوا ان فاروق قد فسد على كبر، وانه كان في صباه او في شبابه انسانا يرجى من ورائه خير او صلاح.
قال ناظر قصر القبة عندما انطلق فاروق ذات مرة بسيارته الاوستن في سرعة رهيبة: انه مجنون.. وقالت مربية فاروق الانجليزية: ان فؤاد نفسه والد فاروق كثيرا ما كان يقف وسط اولاده ويمسك برأس ابنته فائقة وهو يقول بعين دامعة: انا عارف ليه ربنا ما خلقكيش ولد وتورثي العرش بدل المجنون ده..؟
وصرح فؤاد مرة إن ابنه فاروق قد ورث الكثير عن جده اسماعيل..!
وكانت البيئة التي تربى فيها فاروق تتركز في ثلاثة اشخاص – رجلين وامرأة – ينفردون بالسلطة والنفوذ في القصر ادريس خادم الملك الخاص.. والخازندارة خادمته الخاصة..
ثم الرجل الغامض.. الذي كان موظفو القصر يسمونه راسبوتين..!

كان راسبوتين القصر.. هو المهندس الايطالي "فيروتشي". وكما حدث وملأ "ادريس" الخادم الخاص قصر الملك باتباعه وبلدياته، وملآته (الخازنداره" الشركسيات الجميلات، فقد ملأه فيروتشي بالايطاليين من ابناء جنسه.
مهندسون، ورسامون ، وموسيقيون، وحلاقون ونجارون، وسائقون، وعربجية!
فان فيروتشي كان يحرص هو الآخر على ان يكون معظم الذين في خدمة الملك من اتباعه، ليصبحوا عونا له على اعدائه ومنافسيه وعينا على الملك والقصر.
سر راسبوتين
ولقد كان من عادة فؤاد ان يستقبل كل مساء كبار موظفي القصر ورؤساء الادارات.
اما فيروتشي فقد كان يجتمع بالملك مرتين كل يوم: مرة بعد الغداء والاخرى في المساء عندما ينتهي الملك من مقابلاته..
وكان ثمة سؤال حائر على ألسنتنا في تلك الايام:
هل كانت اعمال الهندسة والرسم من الكثرة بحي تستدعي ان يتحدث فيها فيروتشي مع الملك مرتين كل يوم..؟
والحقيقة ان احداً لم يعرف لهذا السؤال جواباً.
فقد كان فيروتشي غامضاً.. وكان عمله غامضا كذلك، وظل الحجاب الكثيف يغطي حقيقة الرجل وطبيعة نشاطه ومراميه في خدمة فؤاد وغير فؤاد حتى قامت الحرب العالمية الاخيرة، فألقت ضوءاً شديداً على بعض هذا الغموض..
ولكن هذه قصة أخرى سيأتي الكلام عنها فيما بعد.
تهديد بالفضيحة
وبعد ادريس والخازندارة وفيروتشي. كانت هناك شخصية رابعة. كانت هناك مسزنيلور المربية الانجليزية التي تربي ولي العهد وتشرف على كل ما يتصل بتنشئته ودراسته.
ويهمني هنا ان اقرر ان ترتيب مسز نيلور بعد هؤلاء الثلاثة لا ينطبق على النفوذ، ولكنه ترتيب التحاقها بخدمة القصر.
فقد كان لمسز نيلور بحكم وظيفتها سلطة ونفوذ تقلص امامهما سلطة نازلي.. الام والملكة!
كان المفروض ان تأتمر نازلي بأمر مسز نيلور في كل ما يتعلق بتربية الامير ولي العهد.
وكان فؤاد يقر هذا الوضع ويرضاه. بل كان احيانا يتعمد اعطاء كل السلطات – مهما كانت – للمربية الانجليزية تماديا منه في النكاية بزوجته نازلي وفق التحقير من شأنها.. ولقد كانت مسز نيلور شديدة القسوة على فاروق – قسوة لها ما يبررها – وكان هو يخشاها ويحسب لها حسابا ويبغضها.. ثم يبغض بالتالي أمه التي لا تنقذه من هذه القسوة .. واباه الذي يقف ضد أمه الى جانب المربية..!
لذلك كان اول قرار افتتح به فاروق عهده كملك، هو طرد مسز نيلور، مبررا هذا الطرد بانها كانت جاسوسة على القصر لحساب السفارة البريطانية!!
ولكني عندما ذهبت اليها في فندق شبرد لاسلمها شهادة خدمتها قالت لي بالحرف الواحد:
-ان فاروق ونازلي يتهماني ظلما، بانني كنت جاسوسة للسفارة البريطانية. ولكن هناك سبباً آخر.. انني لو اردت ان ادافع عن نفسي بهذا السلاح الذي استخدمه فاروق لما اعوزتني الوسيلة.. ولو تكلمت وسردت وقائع وحقائق اعرفها جيدا فقد يكون من نتيجة ذلك ان يشك المصريون في مليكهم الجديد.. ولكني لا اريد ان احطمه في أول ايامه.
بيئة فاروق
هكذا كانت طبيعة فاروق، وهكذا كانت البيئة التي نشأ فيها طفلا وكبر حتى أصبح صبياً ثم شاباً. كان فاروق قد ورث الجنون وادعاء المعرفة.. وكانت البيئة التي تربى فيها قائمة على الدس والملق والنفاق والكيد. بيئة الخدم الذين يتحكمون، بل ويحكمون..!
وبيئة الاجانب.. الذين ينفردون دون المصريين بالثقة، ويستحوذون على السلطة والسلطان والنفوذ..!
عاش فيها فاروق اميراً.. وتشبع بكل ماكان فيها من عناصر وعوامل.. وكانت هي بيئته بعد ذلك عندما تولى الملك بعد ابيه، وبلغ من تاثره بها ماديا وروحيا أن قاوم كل نصح ورفض كل توجيه، يجيئه من خارجها وأستمر على ذلك حتى لقي مصيره المعروف من جرائها.
مواعيد المكتب
ولشد ما ظهر الاختلاف بين فاروق وفؤاد في طريقة العمل بمجرد ان تولى فاروق العرش وأصبح ملكا، عليه ما عليه من واجبات.. كان فؤاد مثلا يحرص على ان يكون مكتبه في ساعة مبكرة من كل صباح حيث يدعو كبار حاشيته ليتولوا بأنفسهم عرض ما هو مفروض ان يعرض عليه من اعمال الدولة او اعمال القصر وكان فاروق على عكس ذلك لم يكن فاروق يذهب الى مكتبه.. الا اذا اضطرته الظروف اضطراراً..!
ولم يكن من طريقة عمله ان يستقبل كبار الحاشية ليتولوا بأنفسهم عرض الامور عليه، ولكنه كان ينفر منهم ويبتعد عنهم.
كانت طريقة فؤاد لا تدع مجالا لكائن من كان، ان يطلب باسمه شيئاً.. ولكن فاروق يبعده عن الحاشية وعدم الالتقاء بهم إلا في فترات بعيدة جدا.. ترك الباب مفتوحا على مصراعيه لكل من يريد ان يستغل اسمه.. كانت معلومات فؤاد وتعليماته تتم وجها لوجه.. اما فاروق.. فقد كان – في اعتقادي – اول ملك يبتدع طريقة "المذكرات"..!
حقيبة الشغل!
ولقد أتيح لي ان أقف على هذه الطريقة الغريبة في عرض شؤون الدولة على الملك عندما نقلت في عام 1939 سكرتيرا لوكيل الديوان الملكي.
كانت هناك حقيبة كبيرة مملوءة بمظاريف ضخمة تحوي التقارير والمذكرات التي أعدها الديوان لترفع الى "المقام السامي الكريم".
وكانت الحقيبة في العادة تضم نوعين من العمل..
الاول: العمل الدوري اليومي ويشتمل على:
1- تقرير يومي من ادارة الأمن العام عن حوادث القاهرة ونواحي النشاط السياسي للاحزاب، وغير ذلك مما يدخل في اختصاص البوليس السياسي.
2- تقرير باسماء وجنسيات المسافرين من مصر والقادمين اليها بطريق الجو والبحر.
3- تقرير عن الحالة الجوية والطقس واتجاهات الريح واحتمالات المطر.
اما العمل الثاني فقد كان يشمل ما يعده الديوان من مذكرات تلخص كل ما يرد من هيئات التمثيل السياسي في الخارج من تقارير سياسية او برقيات بالشفرة، وكان يشمل أيضا ما ترى الوزارات عرضه على الملك.. وكان ذلك في حد ذاته خليطا من الموضوعات القانونية والعلمية والدينية والدستورية.. لو كان الملك يقرأها فعلا ويبدي رأيه فيها لكان اعلم العلماء..! ولقد كان بعض الوزراء الى جانب ذلك يبعثون الى الملك بموضوعات.. لا اتصور ان وزيرا – مهما كان تافها – يسمح لنفسه بان يطلب فيها رأي الملك فقد حدث مرة ان بعث أحد الوزراء يستأذن الملك في قطع شجرة في أحد الشوارع!
وكان الديوان الملكي الى جانب ذلك كله يضع في الحقيبة مشاريع المراسيم قبل اعدادها، وجدول اعمال جلسات مجلس الوزراء والمذكرات التفسيرية للقوانين..
(ملحوظة: كان فاروق يحرص على ان تطلع الخاصة الملكية على كافة مشاريع مراسيم المرافق العامة خشية ان يكون من بينها ما يمس اراضيه او املاكه، او للنظر فيما اذا كان من الممكن للخاصة الملكية ان تستفيد منه بوجه عام).
المظلوم..!
والحقيقة انني وزملائي كنا نقول في بادئ الامر: ان الملك مظلوم انه يحتاج الى عشر ساعات كل يوم على الاقل للنظر في كل هذه الشؤون والمسائل.. ان معنى هذا أن يعمل الملك اكثر من جميع وزرائه مجتمعين، وهذا ارهاق ما بعده ارهاق..!
ومضت فترة من الزمن.. ثم فوجئنا ذات صباح بمنظر عجيب.. دخل علينا الديوان طابور من الخدم وهم يحملون صناديق ضخمة من الخشب.. وماكدنا نفتح الصناديق.. حتى فاجأتنا حقيقة الارهاق الذي يعانيه فاروق في العمل..!

آخــر ســاعة/ 
كانون الاول - 1958