محطات في حياة  الصحفي المخضرم سجاد الغازي

محطات في حياة الصحفي المخضرم سجاد الغازي

 اعداد: عراقيون
المحطة الاولى: كانت ((لواء الاستقلال)) محطته الصحفية الاولى التي انغمر فيها وهويلج هذا العالم الجديد الغريب عليه والذي وجد فيه ان القلم وحده لن يحقق له النجاح والطموح مالم يتقن حرفية المهنة التي ساعده استاذه فيصل حسون في تلمس مجاهلها وكان فيصل يتوسم فيه النجاح منذ ان كان يطلع على رسائله المرفقة بالمقالات التي يرسلها وينشر قليلها ويهمل الكثير

 ولكنه كان يواصل الاصرار على النشر بمثابرة واعتزاز واعتداد لايعرف اليأس.. وعندما وقع اختيار قيادة حزب الاستقلال عليه من بين شباب الحزب ليكون اول ملاك حزبي في الجريدة تعهده فيصل سكرتير تحريرها بالرعاية والتدريب الجاد حد القساوة.. كانت الجريدة لسان حزب معارض كبير يضم ويمثل التيار القومي، وهي احدى اكبر صحيفتين في البلاد وكانت الاخرى هي ((الاهالي)) تمثل تيار اليسار وكان لابد في هذا الوضع ان تكون الجريدة وقورة ملتزمة، وانعكس هذا الالتزام على قلمه وهويرتقي سلم الكتابة في الجريدة بأناة وخشية ولكن بخطوات واثقة متدرجة ولم يكن النشر في الجريدة سهلا بل يكاد يكون محالا.. واكسبه نشر اسمه في جريدة بمثل هذه المكانة منزلة وطنية واجتماعية مرموقة لم يكن يحلم بها ولم يؤهله تحصيله وسنه لها انذاك.. ولكن هكذا كان، ولم يكن يجرؤ على الادعاء بالنشر فيها برغم وجود اسمه خشية من ان لايصدقه احد! وعند الغاء الجريدة كان يتولى سكرتارية تحريرها ليكون اصغر سكرتير تحرير سنا في الصحافة العراقية، واكثر من ذلك فانه مدين لحزب الاستقلال وجريدته بفتح ابواب الحياة له وهوفي مقتبل العمر.
    -المحطة الثانية: كانت ((الحرية)) محطته الثانية، فبعد ان الغى مرسوم نوري السعيد المشؤوم الاحزاب والصحف، اجيزت خمس صحف صباحية وصحيفتان مسائيتان، وكانت الحرية احدى هذه الصحف الخمس، فانتقل اليها بعد لواء الاستقلال ليعيش نفس الاجواء، فقد كان صاحبها ورئيس تحريرها قاسم حمودي هونفسه المدير المسؤول لجريدة لواء الاستقلال بهدوئه ووقاره ومدير تحريرها فيصل حسون هونفسه سكرتير تحرير لواء الاستقلال المبدع الذي لقنه الف باء المهنة ومرسه في مطبخها، والحرية على ذات الالتزام ولكنها اكثر انفتاحا على الاقلام بحكم تحررها من قيود الانضباط الحزبي، فضمت نخبة من رواد المهنة عبد القادر البراك وصبيح الغافقي وابراهيم اسماعيل ومحي السامرائي وهادي الانصاري وهادي الساعاتي وانطلقت الى افاق سياسية ارحب في المعارضة الهادئة.. وبدأت الصحافة العراقية مرحلة تطور جديدة بعد تقليل عدد الصحف وحصر الاعلانات بها، فتشكلت فيها الاقسام وتنوعت الابواب، وفتح فيصل حسون امامه ابواب ممارسات متقدمة بتكليفاته المنوعة فتارة يعاونه واخرى يكلفه بتعليق اوتحقيق وثالثة بجلب الاخبار ورابعة بالتصحيح، ولما تمكن من عجم عوده ارتقى به الى مرحلة الاشراف، فكان يعد صفحة فنية اسبوعية ويشرف على صفحة المرأة وصفحة الطلبة الاسبوعيتان وزجه ذلك في اوساط جديدة مكنته من ان تكون له مصادره وملاكاته الخاصة وبينها عناصر اصبح لها فيما بعد شأن سياسي واجتماعي.
    -المحطة الثالثة: وكانت ((الاخبار)) محطته الثالثة التي ولج فيها باب الاحتراف وكانت اخطر المحطات.. وبعد ان اخذت الانظار تتجه اليه في اوساط الاحتراف المهني وتقدم له عروض العمل في صحف من نمط جديد بعيدة عن اجواء الالتزام العقائدي..  وكانت ((الاخبار)) من هذه الصحف، جريدة اخبارية ((مستقلة)) يملكها انسان حصيف غني بتجاربه طويل الباع في ((الاستثمار)) المنتج المتطور وقد سبق له بشراكته مع الاديب السياسي رفائيل بطي ان اعلى صروح جريدة ((البلاد)).. وكان خبيرا بدواخل الناس يسبر غورهم بالنظرة الاولى، انه جبران ملكون الارمني المهاجر الذي انتقل من التعليم في حلب الى عالم الاستثمار في العراق وبعد ان اقام صرح ((البلاد)) ومن بعدها ((الاخبار)) لتكونا معلمين بارزين في مسيرة وتاريخ الصحافة العراقية، حرص على تنشئة اولاده بأرقى المستويات العلمية وكان ابنه البكر ملكون اول عراقي يتخصص بدراسة الصحافة في الخارج ليساعده في ادارة الجريدة بالطرق الحديثة وتخرج ابنه الثاني جوزيف في كلية الحقوق ليتسلم ادارة التحرير على نهج والده في الابقاء على الجريدة اخبارية مستقلة مفتوحة على افاق التطور. وفي مرحلة التطور الجديدة التي دخلتها الصحافة العراقية في منتصف الخمسينيات كانت ((الاخبار)) اول جريدة شيدت بناية فخمة مصممة لتكون مؤسسة صحفية واعدت تصاميمها في لندن وضمت الدار مطبعة حديثة ومعملا للزنكغراف وستديو للطبع والتحميض الفوتغرافي اضافة الى المخازن ومكاتب التحرير والادارة والحسابات. وكانت اول دار صحفية نصبت اجهزة ((التكرز)) لاستقبال الاخبار والصور على مدى 24 ساعة، كما تعاقدت مع اكبر شبكة اخبارية امريكية ((الاسوشيتيد بريس)) واصدرت جريدة اسبوعية بالانكليزية.. وضمت من العناصر المتمرسة جوزيف ملكون وفريد اوفي وفؤاد طرزي وزهير القيسي وحسين مردان ويوسف العاني وعبد القادر محمد وزكي السعدون وحسين علي الراشد وظل صاحب السيرة مترددا في ولوج هذا الوسط ((الاحترافي)) الجديد عليه وشجعه اخوته واساتذته الاقدام على هذه التجربة الجديدة لتطوير قدراته وبددوا مخاوفه طالما كان يتمتع ((بحصانة عقائدية ذاتية)) وانعكست هذه الحصانة على احترافه لتبقى روح الهواية لديه هي الغالبة على عمله طوال حياته فكانت مصدر الابداع والعطاء النقي.. وزاد هذا السلوك المهني الملتزم من اعتزاز عميد الدار به وثقة ابنائه، وكانت فترة غنية بالتحقيقات والصفحات الخاصة والعمل الصحفي المتطور الا ان هذا التقدم توقف بقيام ثورة 14 تموز 1958 وما رافقها من صراعات وتصفيات وما اعقبها من انقلابات وانتكاسات اختفت معها المؤسسات والدور الصحفية التي امتلكت امكانيات ارساء قواعد بناء صحافة متطورة قادرة على الاستمرار والنموكما حصل في مصر ولبنان عبر عشرات العقود من السنين وبرغم عودة (الاخبار) الى الصدور بعد تعطيلها إلا انها صودرت مرة اخرى لتختفي نهائياَ عام 1963 وموت مؤسسها وليهاجر اصحابها الى لبنان وبقية البلدان ويخسر العراق صرحاً صحفياً متقدماً.
-المحطة الرابعة: كانت ((كل شيء)) محطته الرابعة التي خاض فيها تجربة جديدة بأن يكون صاحب مطبوع يصدره كما يحب ويهوى ويرضى، يعبر به عن ذاته الطموحة وتطلعاته العقيدية وطموحاته المهنية، وكانت مجلة سياسية جامعة متنوعة كما ارادها في عنوانها، تحمل الجديد في كل شيء، شكلا ومحتوى واسلوبا، تعكس خلاصة تجاربه التي مر بها، فأصدرها على شكل جريدة بحجم (التابلويد) المفضل في العالم المتقدم ويتصدر غلافها رسم تخطيطي (كرافيك) او كاريكاتير،تنمي وتعمق وعيا قوميا متطورا بدراسات علمية رفيعة تعبر عن الخط القومي الاصيل الذي ينأى به عن الصراعات العابرة ويسموبالعمل الوطني على الخلافات التي تبدد الجهد الثوري الذي انجز ثورة 14 تموز الشعبية، فقد صدرت في ذروة الصراعات العقائدية والتصفيات الدموية التي بدأت بعد شهرين من قيام الثورة وبلغت ذروتها على مشارف الذكرى الاولى للثورة بالقتل والسحل وحرق وتدمير المؤسسات والصحف في غياب سلطة الدولة، وكان لابد من وقف الاحباط النفسي الذي عصف بالوحدة الوطنية والامال المعقودة عليها، فأصدر مجلته وكان العدد الاول منها فنيا بحتا لجس رد الفعل على الساحة الصحفية. ومع عشية الذكرى الاولى للثورة واذاعة خطاب الزعيم عبد الكريم قاسم في كنيسة المار يوسف بادانة الممارسات والاعمال الفوضوية , اصدر العدد الثاني معبرا عن هويته ومضمونه بقوة تحت شعار (سلام لا استسلام) وهويتوج الغلاف برسم تخطيطي لمارد عربي ينطلق حاملا بساعد غصن الزيتون وبالساعد الاخر الكلاشينكوف.. وعندما اصبح الصباح وتوزع العدد، ذهل وهوفي طريقه الى مكتبه، عندما وجد رسم الغلاف يغطي جدران الشوارع وفي اماكن اخرى الصقت اعداد من الغلاف نفسه.. وكانت لذة مابعدها لذة ونشوة مابعدها نشوة ان يجد هذا الصدى الجماهيري الواسع وهذا التجاوب الشعبي مع المجلة الوليدة.. وعندما كانت الاحتفالات بالذكرى الاولى للثورة تقام في الاحياء الشعبية في الاعظمية وغيرها، هنا وهناك، كان غلاف المجلة يتصدر الزينات المرفوعة.. وتوالت اعداد المجلة الخمسون وهي تضم المقالات الرفيعة للاستاذ الجليل محمد مهدي كبه وصحبه الابرار والمعالجات الموضوعية الهادئة الهادفة لرأب الصدع في الصف الوطني ومحاولة تخليصه من ثقافة العنف وممارساته، وبعد عام ونصف العام اصدر الحاكم العسكري العام قراره بألغاء المجلة بعد صدور العدد الاخير منها وهويحمل مقالات بأقلام كتاب جريدة الحرية التي كانت ملغاة بأمر الزعيم مما اثار حفيظته وغضبه. وهكذا انتهت هذه التجربة الصحفية المتطورة التي لم تأخذ حظها الكافي من النمووالانصاف لتضاف الى مجموعة صحف معدودة في تأريخ الصحافة العراقية لمعت كالشهاب الخاطف الذي سرعان ما اختفى بعد ان ترك مشهدا وتأثيرا جميلا في النفوس.

حبه للفن
وكان حبه للفن قد تغلغل في اعماقه منذ الصغر ولم تسعفه ظروفه العائلية والاجتماعية على دراسته كما اتيحت لصديقه كاميران محمد حسني , ولكن العمل الصحفي عوضه عن ممارسة الفن عندما عايش الفنانين في تمارينهم وراء كواليس المسرح وفي تصويرهم اشرطتهم السينمائية وفي مشاغلهم النحتية ومعارض رسومهم وتدريباتهم الغنائية. وتوطدت صداقته بهم  على اوسع نطاق وخاصة عندما كلف باعداد وتقديم برنامج (صوت الفن) الاسبوعي الذي كان اطول برنامج اذاعي استمر اكثر من عقد ونصف من السنين.
وهكذا مارس هوايته للفن من خلال كتاباته الفنية منذ 1946 واعداد الصفحات الفنية الأسبوعية الى جانب عمله اليومي المعتاد في الصحف السياسية. ووجه له المرحوم اسماعيل العارف وزير المعارف ووزير الثقافة والارشاد الشكر والتقدير مرتين لانتقاداته الفنية لانشطة الوزارتين 1961 و1962. وكان أول من دعا لتأسيس اتحاد الفنانين العرب في برنامجه (صوت الفن) وفي عام 1965 تبنت مجلة(الكواكب) المصرية الدعوة من خلال حقل (رجل الشارع يقول) الذي كان يكتبه المرحوم صبري ابوالمجد , كما تبنى الدعوة المرحوم الفنان إبراهيم جلال وسعى لتشكيل لجنة تحضيرية لإقامة مؤتمر للفنانين العرب ولكن العقبات المالية حالت دون تحقيق هذه المساعي في الستينيات لتتحقق في السبعينيات.
يعتبره الفنان الناقد والمؤرخ التشكيلي شاكر حسن آل سعيد في كتابه المرجعي عن (تاريخ الحركة التشكيلية في العراق) ممن واكب (جماعة الرواد S.P) منذ اول ظهورها عام 1950. كما اشاد الفنان الكبير الدكتور بدري حسون فريد في كتابه (قصتي مع المسرح) بدور سجاد الغازي في دعم الحركة الفنية.
يضاف الى ذلك ما ذكره الفنانون طالب القرغولي وفؤاد سالم ومهند الانصاري وعبد الوهاب بلال وعلي الانصاري وخليل الرفاعي وياس خضر ووحيد الشاهري وحسين السلمان في لقاءات صحفية واذاعية وتلفزيونية عن دوره في دعم الحركة الفنية ومساعدته لبعضهم في الظهور , اضافة الى ما ذكره الناقد عادل كامل في كتابه والفنان الراحل نوري الراوي في محتويات ارشيفه.
كلف عام 1963 من قبل لجنة من الخبراء الاذاعيين العرب عندما تولى الدكتور زكي الجابر منصب مدير البرامج، كلف بأعداد وتقديم أطول برنامج إذاعي (صوت الفن) الذي استمر اكثر من 14 سنة متواصلة والذي وصفه الفنان صادق علي شاهين مسؤول المنوعات في إذاعة بغداد سابقاً ومدير المسارح لاحقاً (البرنامج الذي يسلط الضوء على الفنان العراقي وكذلك الحركة الفنية في الوطن العربي). وفي عام 1970 اجرت مجلة (فنون)الصادرة عن مؤسسة الاذاعة والتلفزيون استفتاء لمعرفة رأي المستمعين في افضل برنامجين اذاعيين وتلفزيونيين ففاز برنامجه (صوت الفن) بأختياره افضل برنامج اذاعي مع برنامج الرفوف العالية للراحل عبد الحميد الدروبي كما فاز برنامج (الرياضة في اسبوع) للزميل مؤيد البدري مع برنامج العلم للجميع للراحل كامل الدباغ. وكان معدل رسائل المستمعين يفوق الخمسين رسالة اسبوعيا من داخل البلد وخارجه وبينها رسائل صوتية ومسامع فنية مسجلة. ومن الجدير بالذكر ان حلقات البرنامج قدمت العديد من المقابلات والصور الصوتية لمشاهير الفنانين العرب والاجانب كآرثر ميلر وجان كوكتووعبد الحميد السحار وجينا لولوبريجيدا وطه حسين ويحيى شاهين وفهد بلان ونجيب السراج وزكريا احمد ومنى واصف وتحية كاريوكا وفايز حلاوة ويحيى شاهين ومحمود اسماعيل وماجدة ومديحة كامل وعلاء كامل وصديقة الملاية وعبد الوهاب بلال واسعد عبد الرزاق وناجي الراوي وشاكر حسن آل سعيدوجعفر علي وسلمان شكر وغيرهم اضافة الى اكتشافه المواهب الفنية في المحافظات كياس خضر من الحلة وفؤاد سالم وسيتا هاكوبيان من البصرة وغيرهم.
وبلغ عدد الحلقات المقدمة من برنامج (صوت الفن) خلال سنوات تقديمه اكثر من 600 حلقة. كما كتب بعض التمثيليات الإذاعية وسيناريو بعض الأفلام التوثيقية إضافة الى البرامج الإذاعية والتلفزيونية.
كرم من قبل معهد الفنون الجميلة في الملتقى السينمائي الثامن 2009 بمنحه لقب (الفنان) في الشهادة التقديرية الممنوحة له.

تشريعات صحفية أعدها
 1- قانون تقاعد الصحفيين / قدمه عام 1961 وشرع عام 1965 نافذ حتى اليوم لكنه مجمد!
2- قانون نقابة الصحفيين / قدمه بداية عام 1968 وشرع نهاية عام 1969 نافذ حتى اليوم.
3- لائحة قانون ممارسة العمل الصحفي / قدمه عام 1976 ونوقش في ديوان التدوين القانوني ومجلس شورى الدولة واحيل الى مجلس الوزراء عام 1981 ثم احيل الى مكتب الشؤون القانونية في مجلس قيادة الثورة لتضمنه امتيازات مالية تتعارض مع حالة التقشف بسبب الحرب ولم يتابع.
4- نظام نادي الصحفيين / قدمه عام 1967 وشرع عام1967.
5- النظام الاساسي لاتحاد الصحفيين العرب المعدل / قدمه عام 1978 وعدل عام 2000 نافذ حتى اليوم.
6- النظام المالي لاتحاد الصحفيين العرب / قدمه عام 1980.
7- نظام المركز العربي للدراسات الاعلامية / قدمه عام 1978 عند تأسيس المركز في دمشق الذي اغلق عام1990.
8 - القانون العربي الموحد للصحافة / قدم مقترحاته على مشروع الدكتور محمد نور فرحات عام 1998 واقر القانون عام 2000 في مؤتمر اتحاد الصحفيين العرب بعمان.
9- قانون سلطة الصحافة / اعده عام 2003 بعد حل وزارة الاعلام وتجميد قانون المطبوعات.
10- كان يضمن التشريعات الصحفية التي يعدها قرارات المؤتمرات الصحفية العربية والعالمية وتحويلها الى نصوص تشريعية.

   مستل من كتاب الاستاذ زين احمد
عن الصحفي الكبير سجاد الغازي