عبدالوهاب وحسين السيد وفايزه احمد

عبدالوهاب وحسين السيد وفايزه احمد

بفكر في اللي ناسيني – ست الحبايب – حمال الأسية – بطل الثورة – يا الهي!  - خي – فين طريقك فين؟ - الظالم والمظلوم – يا حبيبي يا خوويا!
اغنيات ملأت كل سمع وقلب .. فاض بها وجدان شاعر غنائي، اعتاد ان يطالعنا في اول واخر كل موسم بخواطر أخاذة، جعلت الكثير من أغانيه تعيش مع كل موسم..

هذه الاغنيات وغيرها من اغاني الامس القريب هي قائمة الشهود.. فكيف يصنع هذا الشاعر تلك الروائع؟
تعال بنا نزره في خلية الوحي ومهبط الخيال، انه مهبط حقا!  لاننا سنزوره في مكتبه الذي يقع تحت الطابق الذي تحت الارض.
هذا هو فراش مكتبه النبي، انه رجل تبدو عليه ملامح المجد والصرامة، فلنغامر بالسؤال عنه:
* الاستاذ موجود من فضلك؟
- لا.. مش موجود.
* ممكن ننتظره؟
- لا، مش ممكن
وفجأة يتذكر شيئاً، فيستوقفنا قائلاً:
- آه، هو حضرتكم بتوع البصل؟
- ايوه؟
فانفرجت أسارير وجهه وقال:
- اتفضلوا، الاستاذ سايب خبر علشانكم.
وتفضلنا، ولكننا ما كدنا نجلس حتى دق جرس التليفون، فتناول الفراش السماعة، وقال وهو ينظر الينا:
- أيوه يا افندم حضروا دلوقت، وموجودين هنا.
ثم التفت الينا قائلاً:
- الاستاذ بيسأل: انتم شحنتم كم (عربية) من الاسكندرية؟
فضحك صاحبي وقال على الفور في خبث طبعا؟
- 15 (عربية) ونص..!
وبعد قليل، وصل الشاعر الغنائي حسين السيد، ووراءه طابور من موردي الفاكهة والبيض والطيور وغيرها، أخذ يتناقش معهم بصوت عال، في اصناف وارقام لم نفهم منها شيئاً.
ولكنه ما ان رآنا حتى رحب بنا وابتسم قائلاً، وقد فهم ما حدث:
- الله، هو انتم بتوع ال...
فضحكنا .. ونزلنا معه للمرة الثانية الى مهبط آخر، وجلس معنا في صومعته التي يأوى اليها – كما يقول – كلما أراد ان يهرب من شياطين الأنس ليخلو بنفسه مع بنات الفكر وعرائس الشعر!! وقبل ان يتركنا ليعود الى عملائه ومورديه، بدأ حديثنا معه في الفن والادب، فقلنا له:
* نلاحظ ان انتاجك في هذا الموسم كان وفيراً، متعدد الالوان طرقت فيه زوايا لم تطرقها من قبل في اغانيك، فنظمت الى جانب اغاني الغزل التي اشتهرت بها، اغنيات رائعات في الوطنية والحب العائلي.. والتصوف، فما السر في ذلك؟
- الحقيقة.. انه مفيش سر ولاحاجة، ولكن المؤلف او الفنان بصفة عامة، أقرب الناس احساسا بالمجتمع الذي يعيش فيه، واسرعهم الى الانفعال به والتعبير عنه، بما أوتي من مواهب وملكات، وانا احسست فانفعلت فعبرت بطريقتي وهي: "الأغنية".
* يظهر اذن انه كان لأراء النقاد أثر في اتجاهاتك الجديدة؟
- على وجه التحديد، لا.. ذلك لان الفن في اعتقادي سواء كان مقطوعة من الشعر او تمثالا من الحجر، او لوحة رسم او غير ذلك من الوان الفنون، يجب ان يشعرك وانت تستعرضه بان اداة الابتكار فيه طليقة محررة، بعيدة عن مؤثرات النقد.. والا فيمكنك ان تسميه اي شيء غير انه فن!
ثم راح يوضح فكرته قائلاً:
- والاتجاه الجديد الذي تتحدث عنه، لم اسع اليه أنا، وانما هو الذي سعى الي عن طريق التطور الفكري الذي تفرضه علينا الظروف التاريخية التي نكتبها ونعيشها في هذه المرحلة من حياتنا.
* اذن. لماذا لم تنظم شيئاً اثناء معركة العدوان الثلاثي، التي انفعل بها كل زملائك من شعراء الاغاني.
- سؤال خطير، ولكنه وجيه جداً، صحيح انا لم انفعل اثناء المعركة انفعالا معنوياً، ذلك لانني كنت وقتئذ شبه مجند، ان لم اكن مجنداً بالفعل في صفوف جيشنا المحارب بحكم عقودي المبرمة مع سلاح التموين والنقل، لامد الوحدات.. بمختلف الجهات، بما كانت تحتاج اليه القوات من تموين، وكنت في هذه الفترة بالذات اعتبره نشاطا وطنيا، قبل ان يكون تجاريا، فشغلت بهذا الواجب الوطني، عن القلم والورق والتأليف. بل وجندت من ورائي مئات العمال والموردين من الباطن لمواجهة احتياجات القوات المحاربة، في مختلف الميادين.
وهكذا ترى انني انفعلت بالمعركة عمليا، لا معنويا فقط ، وساهمت فيها بجهود متواضعة، حتى كتب الله لنا النصر.
ثم مضى يقول: وحينما استقرت بنا الامور، انتهزت اول فرصة وسجلت انفعالي بنشيد "يا الهي" ثم "بطل الثورة" ونشيد آخر، اصبح على وشك الانتهاء، بدأت في نظمه منذ وقت غير قصير لينشده عبد الوهاب عن "السد العالي".
* وعلى ذكر عبد الوهاب، لماذا تخصه دون سواه بمعظم انتاجك ان لم يكن بأكمله؟
- لقد سألت نفسي هذا السؤال في البرنامج الاذاعي "مع مؤلفي الاغاني" وأسهبت في ذكر الاسباب، ولكن لامانع عندي من أن الخصها لك في كلمات:
أولا وقبل كل شيء، أنت تعرف أنني، انا وعبد الوهاب تربطنا صداقة بعيدة، تمتد جذورها الى عمق سنوات وسنوات .. ولكن من يعرف عبد الوهاب جيداً، يعلم تماما انه رغم صداقته لاي انسان، لا يحابي ابداً او يجامل ابداً على حساب فنه، وهذا مما زادني تملقا وتمسكاً بهذه الصداقة، لانه جعلني اشعر مع مرور الزمن، وبطريق عملي مباشر، بأنني صديقه، وصديق فنه.. وهذه فيما اعتقد أخلد الصداقات!
* وفايزة احمد؟ لماذا نراك تؤثرها هي الاخرى في هذه الايام دون باقي المطربات بالكثير من انتاجك؟
- ان فايزة احمد، بجانب صوتها الذكي، تتمتع بذكاء فطري، فقد فهمت بالرغم من قرب تعارفنا الكثير من مشاغلي ومسؤوليات حياتي العملية، فعرفت كيف تطاردني بلباقة واصرار عندما اكون بصدد اعداد اغنية جديدة لها، أضف الى هذا انني احس بانها تعزني وتقدرني.. فيعز علي ان اكون عند حسن ظنها بي.
ولكنني بالرغم من اني كاتب مقل، سأحاول في القريب ان شاء الله ان اكون كذلك عند حسن ظن بعض مطرباتنا ذوات الاصوات الحبيبة الى الجمهور.. والى نفسي!
* هل صحيح انك مشغول هذه الايام بنظم حلقة جديدة لفايزة أحمد في الحب العائلي؟
- هذا صحيح فبعد ان تجاوب الجمهور الواعي مع هذا اللون الانساني من الاغاني انفقت انا والاستاذ عبد الوهاب على جبر خاطر "الزوج" الذي هو في الواقع رب الأسرة الاول، وابو "الأخ" وشريك "ست الحبايب".
* وهل لديك مشروعات اغان جديدة لعبد الوهاب؟
- في الحقيقة، انا شايف عبد الوهاب في اليومين دول نازل نشاط بشكل عجيب لم اعهده منذ سنوات – ومن فضلك تمسك الخشب – فبعد ان كنت اسبقه دائما في التأليف، اصبح هو الآن ولاول مرة يسبقني في التلحين لدرجة اني تخيلت منذ ايام انه انتهى من تلحين احدى اغنياتي قبل ان انتهي انا من تأليفها.
* اذن لديه اغنيات جديدة لك؟
- نعم، لديه ثلاث اغنيات جديدة انتهى من تلحينها تقريبا، واعتقد انها اغنيات تقوم على افكار جديدة لم تطرق من قبل، كما استطيع ان اقول على قدر فهمي المتواضع للموسيقى ان الحانها ستكون مفاجأة، لما تمتاز به من بساطة وجرأة وقوة!
كما بدأنا في نفس الوقت في الاستعداد لوضع اغاني فيلم عبد الحليم حافظ الذي سينتجه عبد الوهاب في مارس القادم، وأرجو ان نوفق بعون الله نحن الثلاثة – عبد الوهاب وعبد الحليم وانا – نفس التوفيق الذي صادفنا في فيلم "بنات اليوم".
* المعروف عنك. انك تميل الى عدم الظهور في الندوات والمجتمعات والسهرات، فما سر هذه العزلة؟
- مفيش سر ولا حاجة، اولا: انا مش فاضي زي ما انت شايف، وثانيا: مادام بتسمع ما يذاع لي من انتاج وبتقول انه انتاج وفير متعدد الالوان ، عايز تشوفني ليه؟
وهنا بدأ بعض العملاء الذين كانوا يجلسون في انتظاره في الغرفة التي تقع فوق المهبط باربع سلمات يتململون، وسمعنا احدهم وهو الحاج (...) يقول لزميله المعلم (...) بصوت مسموع:
- احنا ناخذها من قصيرها ونمشي، ونبقى نيجي الجمعة الجاية، على بال ما يخلصوا الجماعة اللي تحت.
فاخذناها نحن – من قصيرها – ووجهنا لشاعرنا الغنائي رجل الاعمال هذا السؤال الاخير:
* بوصفك عضواً في اللجنة العليا لجمعية المؤلفين والملحنين، هل تريد ان تقول شيئاً عن نشاط تلك الجمعية؟
- ليس لدي ما اقوله عن جمعيتنا بعد ان قضينا وما زلنا بصدد القضاء على عنصري الفساد الذين وصفهما قائد الثورة بالادارة المستعمرة من الخارج، والادارة المستقلة من الداخل.
اما بلسان الجمعية فاني اريد ان اقول لبعض اصحاب دور السينما والمسارح والملاهي وغيرها من المنشآت التي تعيش من امتصاص دماء المؤلف والملحن، اقول لهم: "احترموا قانون الملكية الادبية والفنية، وكفاكم تجاهلا لحق المؤلف، فهو بشر مثلكم، يعيش ليحرق دمه وتفكيره واعصابه لإسعادكم وإسعاد الناس بانتاجه الذي يعتمد على الخلق والابتكار".
احترموا وعي هذا الانسان الخالق المهضوم الحق، الذي ردت له الثورة اعتباره، فاصدرت من اجله قانونا يحميه، وبدأ اليوم يطالب ببعض هذه الحقوق، واعملوا على تدعيم روحه المعنوية ومستوى معيشته حتى لا يتهمكم بانكم اداة "هدم" وتدمير لحياته، في الوقت الذي تكتلت فيه كل الجهود "للبناء".
أما الاذاعة، فاريد ان اقول لها: اننا نقدر ما تبذله للفنان من روح تعاونية مشكورة، ونذكر لها بالخير تقديرها المحدود لحق المؤلف، ولكننا نطمع في المزيد من هذا التقدير على ضوء ما هو متبع في مختلف الدول التي سبقتنا في هذا الميدان والتي يجب في هذه المرحلة من تاريخنا.. ألا نتخلف عنها... بحال من الاحوال.
- وما رأيك في الافلام الذي ظهرت، والتي في سبيلها الى الظهور وتحمل اسماء بعض اغانيك المعروفة؟
- هناك حتى الآن حوالي 20 فيلما اخذت اسماؤها من مطالع بعض اغاني منها : (عاشق الروح) و(الحبيب المجهول) و(بفكر في اللي ناسيني) و(اشهدوا ياناس) و(حبايبي كثير) و(اهواك) وقد جعلتني هذه المسألة افكر في الاستفسار من احد المحامين عما اذا كان في الامكان اتخاذ اجراء استطيع به استغلال هذا الموقف الذي جعل السادة منتجي الافلام يستبيحون لانفسهم اختيار اسماء افلامهم من مطالع الاغاني التي وضعتها والتي نالت شهرة كبيرة بين الجماهير.

آخــر ســاعة/أيلول - 1958