بغداد مدينة الحياة الدافقة

بغداد مدينة الحياة الدافقة

بقلم سهير القلماوي
قرأت كثيراً عن بغداد أثناء إعداد بحث عن »صورتها في الادب الشعبي"بمناسبة مرور الف ومائتي عام على انشائها فراعني مدى انطباق الحقيقة القائلة، بان لكل مدينة طابعها الذي يصنعه لها موقعها وتفاعل الزمان والناس على ارضها، على المدن العريقة الموغلة في القدم مثل بغداد. ان طابع بغداد طابع اوجده عنف الحياة على رقعتها وهو ما زال ملازماً لها منذ انشائها الى يومنا هذا

 فبغداد مدينة السحر والبذخ والترف.. بل الاسراف في الترف، هي مدينة الحركة والثورات، والعنت، وهي مدينة التقاء الاضداد والاجناس والمدنيات وهي مدينة الاسواق والحمامات والانهار والثورات والعجائب.
ولقد الفت عن بغداد كتب كثيرة جداً.. الفت كتب في علمائها وزوارها وانهارها وقصورها وتاريخها وجغرافيتها حتى لا يكاد يوجد موضوع عنها لم يدرس واهتم المستشرقون ثم العرب بطبوغرافية بغداد المدينة المدورة لان تقلب الزمان لم يخط آثاره على مدينة باقية باعنف مما خطها عليها فما اكثر الحرائق والفيضانات في هذه المدينة الخالدة. انها على ملتقى الشرق الاقصى بالشرق الاوسط فكانت لذلك عرضة لغزو جيوش زاحفة مخربة عابثة من الشرق الاقصى، جيوش المغول والتتار، جيوش هولاكو وتيمورلنك.. حتى ان »المقريزي"في منتصف القرن الخامس عشر يقول: »انها وصلت من الخراب الى الحد الذي يتعذر بسببه ان يقال عنها انها مدينة«.
وظلت طوال القرن السادس عشر مجرد محطة التقاء بين التجار الوافدين من اقصى الشرق الى الشرق الاوسط، وفي ظل الاتراك حكمها اكثر من اربعة وعشرين »باشا« لم ينقذوها من وهدتها حتى عمت الفوضى وضعف شأن السلطان المركزي وتفردت القبائل المبعثرة بفرض قانونها البدائي العتيد. ومنذ فجر القرن الثامن عشر دبت فيها حياة الاصلاح وفي القرن العشرين يبنى لاول مرة السد الذي يمنع فيضان النهر وغرق العباد والبلاد، ولم يكن النهر وحده الذي يفيض ويخرب، وانما الاوبئة التي كانت تأتي مع الفيضان، وفي سنة 1831 تحالف الفيضان والوباء حتى اهلك ستين في المائة من سكان بغداد.
وبغداد من داخلها تغلي ابداً، فلا الجيوش الغازية ولا الفيضانات وما يستتبعهما من دماء هي وحدها التي تمثل عنف الحياة وقسوة الفناء على ارضها، وانما الثورات ثورة الامين والمأمون وقد خرب الضفة الغربية فلم تعد قط كما كانت يوم بنيت لاول مرة وحصار المستعين بالله وقد خرب الضفة الشرقية فلم تعد الى ما كانت عليه ابداً. نزاع الاخوة على الحكم والى جانبه تلاقى الاضداد.. التقى الساميون والآريون والمجوس والمسلمون، والترك والديلم، والسنة والشيعة، والثراء الفاحش والفقر المدقع، والعلم في اسمى درجاته والجهل في أحط مراتبه.
ولكن هذا الالتقاء لم يكن الا التقاء الحياة، يعني التقاء سلم وحرب التقاء علم ومعرفة وخير والى جانبه التقاء ثوار وفوضويين ومصلحين ومفسدين كالعيارين والفتوة.
منهم من يصلح باسم الدين ومنهم من يفسد باسم الدين والعدل والحرية والاصلاح، والى جانب القصور العظيمة والاسوار الفخمة والمدارس الفريدة كالنظامية والمستنصرية وبيت الحكمة ومدارس الفقه بشتى مذاهبه والبيمارستانات الضخمة كانت الحمامات العديدة والمساجدالفخمة التي تؤمها جموع غفيرة طوال النهار وطرفا من ليل. وكانت الاسواق المتنوعة، لكل بضاعة او فاكهة سوق خاصة، سوق للكتب واخرى للرقيق، ولكل بلد سوق كسوق الصين ولكل بلد مجاور باب في السوق كباب الشام.
وعاشت بغداد بكل هذه الحياة الصاخبة حياة الثورات والحرائق والفيضانات والمجاعات في خيال الشعراء وخيال القصاص درة ميزها الله بالجمال والرواء والبهاء، انها بغداد الرشيد. بغداد التي ظل عصرها الذهبي من المهدي الى المأمون تتألق ذروته ايام الرشيد.
وتقفز عجائب بغداد الحقيقية بالوانها الزاهية في قصص القصاص، هذه العتبة الخضراء التي نسفت في منتصف القرن العاشر بصاعقة على ما يرجح الرواة كانت تعلو فوق القصر نحواً من خمسين متراً، وعلى قمتها فارس يمتطي صهوة جواده، والفارس الذهبي وفي يده رمح يرى من اطراف بغداد، وكان اذا استقبل بعض الجهات ومد الرمح نحوها تظهر الخوارج من تلك المنطقة. وهكذا تسخر بعض العجائب في عملية الثورات الدائمة فتقوم ولو بدور الدليل.
وهناك حديقة الحيوان التي كان في بيت الاسود فيها مائة اسد او يزيد وقد تفنن في زخرفتها المقتدر بالله ولم تكن القصور وحدائقها بأقل عجباً من فارس القبة او حدائق الحيوان فحول قصر الخليفة كان ثلاثة وعشرون قصراً. ومن عجائب بعضها دار الشجرة وكانت شجرة من ذهب في بحيرة واسعة ولها ثمانية عشر فرعاً وعليها اوراق كثيرة وعليها عصافير منوعة من الفضة وكانت تصفر احياناً لمرور الريح بها وعلى حافتي البحيرة خمسة عشر تمثالاً لفوارس ممتطية الجياد وكأنها كلها تجري تسابق بعضها بعضاً في اتجاه واحد.
والبحيرة من الزئبق وعليها أربعة مراكب مذهبة وحولها حديقة قد تفنن في تنسيقها وجمع الزهور الفريدة فيها المهندسون وبطرف من هذه العجائب وطرف ن غليان الثورات والخراب والصراع وطرف من هالات التقديس فوق مقابر الاولياء وطرف من حركات القصور داخل السراديب الممتدة تحت الارض.. نسج هناك القصاص حشداً من القصص البغدادي العنيف الحركة القوي التمثيل لهذا الواقع الصاخب..
واقع الحياة الدافقة والمتفجرة على ارض المدينة الخالدة بغداد، وهو قصص يحتاج الى دراسة بل دراسات.
ان بغداد لم تكن حاضرة للحضارة الاسلامية بكل جلالها وازدهارها فحسب وانما بغداد كانت ايضاً بوتقة فعلية صهرت الكثير من الوان الحياة الانسانية كما صهرت الكثير من الثقافة الاسلامية بكل ما زخرت به من نتاج قرائح عصور طويلة بأسرها»لقد احتضنت بغداد ثقافات الهند والفرس والروم ومن قبلهم ثقافات بابل وآشور والساميين والآريين واستكن كل هذا في رحم بغداد المخصب المفعم بالحياة فولدت حضارة اسلامية جديدة ونشرتها على المشرق والمغرب بأسرع ما يمكن ان تنتشر وتثمر الثقافات. وجاء العربي والفارسي والهندي والاسباني والمسلم والنصراني واليهودي واسهموا جميعاً في اخراج ثقافة ذات طابع متميز ممتاز وكلها مفعمة بالحيوية حيوية المدينة التي ظلت عصوراً من أزهى عصور الاسلام مع حيوية العرب الذين حملوا لواء الحضارة الى كل مكان.
ان بغداد لها طابعها وهي ككل مدينة تفرض هذا الطابع على حياة سكانها ولقد فرضت بغداد على مر العصور من طابعها سمات وصفات على انتاج مفكريها وشعرائها وعلمائها.
وفي عصرها الحديث تستعيد بغداد مكانتها وتصبح معقلاً من معاقل الشعب العربي في نضاله الجبار في سبيل الحرية والعدالة والقومية العربية وتشهد بغداد تجارب عنيفة من تجارب النضال العربي. وتقدم للعرب اينما كانوا خلاصة التجارب ودرس الايام.
ولكن تجاربها ودروسها ما زالت تتسم بسمة الحياة في بغداد: تدفق قوي عنيف وتلاقي الاضداد في سلام حينا ليخرج اروع الثمرات وفي خصام عنيف حيناً آخر ليظهر اقدس العناصر، ومن كل هذا يخرج الى العالم العربي، بل الى العالم الانساني كله نصيب بغداد في بناء حضارة الانسان نصيب يتسم بكل السمات التي رافقته وميزته منذ القدم