الملك الحائر بين اميرة الثلج وبائعة الجنبري!

الملك الحائر بين اميرة الثلج وبائعة الجنبري!

ذلك الملك الحائر ليوبولد الثالث هو حديث الدنيا كلها اليوم.
ما من ملك غيره أثار كل هذه المشاكل وواجهته كل هذه العقد، وعاش في هذا الجو من الارتباك والقلق. ومنذ أكثر من عشر سنين و"ليوبولد" بطل الصفحة الاولى في صحف العالم.. وكل ما حول ليوبولد اسئلة ليس لها جواب.


هل خان ليوبولد بلاده او لم يخنها؟
وهل خان قضية الحلفاء او لم يخنها؟
وهل كان محقا في زواجه من الاميرة ريني او كان مخطئا؟
وهل يعود ليوبولد الى عرشه او لا يعود؟

مأساة بلجيكا
وكان كثيرون يتوقعون ان يكون الاستفتاء الشعبي العام في بلجيكا ختاما لحيرة ليوبولد.. ولكن نتيجة هذا الاستفتاء لم تفعل أكثر من انها زادت في تعقيد المشكلة، واضفت عليها حيرة بعد حيرة!!
لقد ذهب ليوبولد في صباح يوم الاستفتاء الى الكنيسة ومعه زوجته الاميرة ريني، وقضى الملك وزوجته فترة طويلة في الصلاة وعاد الملك الى قصره عند الظهر وكانت حاشيته على اتصال مباشر طول الوقت بالتليفون مع بروكسل.. واتصلت الاميرة شارلوت ابنة ليوبولد بوالدها من بلجيكا تروي له آخر النتائج.. ثم جاءت الاخبار النهائية.. فاز الملك بغالبية قدرها 58% وصحيح انها غالبية ولكنها ليست نصرا لملك دستوري!
لقد وجد ليوبولد ان هذه الغالبية تجعل منه زعيما حزبيا ولكنها لا تكفي باي حال لترفعه ملكا فوق جيمع الاحزاب لكل البلجيكيين؟
غرام عنيف!
ان ليوبولد الثالث هو فعلا المأساة العظمى في تاريخ بلجيكا ويبدو ان أم الملكة اليصابات ولدته على فراش من القلق وكبر ليوبولد وأصبح ملكا.. ولكن القلق ظل فراشه الدائم حتى اليوم..
والفصل الأول من مأساة ليوبولد بدأ في استوكهولم سنة 1926 حين تعرف ليوبولد الى فتاة شقراء جميلة عمرها عشرون سنة فيها هدوء ونضارة.. وكان اسمها استريد.
وكانت استريد هي ابنة الامير شارل اوسكار دوق فسترجوني والاميرة انجبرج الدانماركية وكانت "استريد" لها ثلاثة اعمام من الملوك هم ملك السويد وملك النرويج وملك الدانمارك. وفي أحد ايام شهر اكتوبر سنة 1926 دعا الملك البرت والملكة اليصابات – والد ليوبولد وأمه – جمعا من الصحفيين الى القصر الملكي وأعلن الملك إلبرت خطبة ليوبولد الى اميرة بلاد الثلج.. وعقبت الملكة اليصابات قائلة للصحفيين:
- ارجوكم ان تذكروا انه زواج غرامي وليست له اي صلة بالسياسة. واقيمت حفلة الزواج في استوكهولم. وحضرها حفنة من الملوك! وعاد ليوبولد وحده الى بلجيكا لتلحق به بعد قليل اميرة بلاد الثلج على ظهر مدرعة بيضاء.
قبلات كلارك جيبل
وفي يوم 8 نوفمبر 1926 وصلت مدرعة اميرة الثلج الى ميناء انفرس وكان ليوبولد على رصيف الميناء ومعه وفد رسمي لاستقبال الاميرة.. وما كادت المدرعة تلقى مراسيها حتى فوجئ الناس بليوبولد يترك الوفد الرسمي ويقفز على سلم المدرعة ثم جرى وجرت استريد نحوه ثم يتلاقيان على السلم ويتعانقان طويلا ثم يتبادلان القبل علنا وبنفس العنف الذي يستعمله كلارك جيبل هذه الايام!
وبدت بلجيكا تسمع قصة الحب العنيف الذي ما لبث ان أسفر عن ثلاثة اطفال اولهم شارلوت – جوزيفين والثاني بودوان ولي العهد ثم الامير إلبرت ولم تطل أيام السعادة.. وما لبث فراش القلق والحيرة الذي ولد عليه ليوبولد ان بدأ يهتز بعنف!
"السيدة" تموت!
فجأة سقط الملك إلبرت والد ليوبولد من فوق قمة جبل كان يتسلقه وهو  يمارس رياضته المحببة الى نفسه – وهي تتسلق الجبال.. واصبح ليوبولد ملكا واستريد ملكة..
وقالت استريد في تلك الايام:
- لو لم أكن ملكة لوددت ان اكون بائعة زهور!
وبعد ذلك بقليل ذهب ليوبولد واستريد في عطلة الى سويسرا وخرجا معا في سيارتهما للنزهة وكان الملك هو الذي يقود السيارة..
واختلت عجلة القيادة وارتطمت السيارة في شجرة .. وكان من نتيجة الصدمة ان ارتمى ليوبولد واستريد خارج السيارة وتحامل الملك على نفسه وعلى جراحه ليرى الملكة.. وكان احد جنود البوليس السويسري قد اسرع الى مكان الحادثة.. وقال رجل البوليس لليوبولد وهو لا يعرف شخصيته:
-سيدي ... ان السيدة ماتت!
ورأت بروكسل وهي تنتحب منظراً لا ينسى..
ليوبولد يسير في جنازة استريد وقد التفت الضمادات حول وجهه.. وعلق إحدى ذراعيه الى كنفه في قالب من الجبس وكان رأسه مطأطئا والدموع تجول في ما فيه.. كان ليوبولد صورة حية لرجل يفترسه الحزن..
وكانت الكارثة ان ليوبولد بدأ يشعر انه هو الذي تسبب في قتل استريد!!
الملك يخون واجبه!
ثم جاءت الحرب العالمية وليوبولد كما هو الرجل الحزين الذي يعيش على الذكرى والأسى والشجن! وجاءت حلقة اخرى من حلقات مأساة ليوبولد وهي أمره الى جيشه بأن يستسلم للالمان وقراره بان يبقى في بلجيكا ثم ثورة البلجيكيين في الخارج عليه وقرار البرلمان البلجيكي بان "الملك اصبح في حالة لا تمكنه من ان يكون ملكا على بلجيكا".
وفرض ليوبولد على نفسه عزلة قاسية وظهر انه يعيش اسيراً للالمان لا صديقا لهم وسحب 124 نائبا في البرلمان قرارهم ضده ثم فجأة بدأت حلقة أخرى من المأساة.. في صباح احد الايام قرأ القساوسة في كل كنائس بلجيكا رسالة وردت اليهم من الكاردينال "فان روي" يعلن فيها ان الملك ليوبولد قد تزوج من الآنسة "ماري لبلبان بايلز" ومع إعلان الزواج جاء إنها تنازلت عن أي حقوق على الشعب وإنها قد نزلت عن حمل لقب ملكة مع جميع الحقوق المتعلقة بهذا المركز وانها ستحمل فقط لقب الاميرة "دي ريني" وكان هذا الخبر صاعقة على نفوس البلجيكيين.
بائعة الجنبري!
وأطلق الناس على الفتاة التي تزوجها الملك اسم بائعة الجنبري الصغيرة لان احدى جداتها كانت بائعة جنبري في اوستند وكان والدها من أكبر اغنياء بلجيكا.. وكانت ليليان جميلة.. وتقدم كثيرون خطبتها واولهم "الكونت ابو نيي" الذي وقع في غرامها وذهب والدها يعرض عليها خطبة الكونت فقالت له:
- ماذا .. هل علي ان اتزوج كل الشبان الذين اراقصهم.. لو فعلت هذا لما كان لذلك الأمر نهاية!
وكان الكونت "رادزنبيل" يرسل لها من فينّا اشعارا مؤثرة وقابلها الملك لاول مرة في يوليو سنة 1938 وكان يزيح الستار عن تمثال لوالده في نيوشاتل وكان والد ليليان هو حاكم المقاطعة.. والتفت الملك الى والد ليليان وسأله: من هي هذه الفتاة السمراء الجميلة الواقفة هناك. وهمس الرجل: انها ابنتي يامولاي".
وقال ليوبولد : يسرني ان أتعرف اليها .. وتزوجها ليوبولد بعد ذلك بثلاث سنوات ليكتب مأساة جديدة في قصة حياة الملك الحائر الذي ولد على فراش من القلق لايزال يعيش عليه حتى الآن؟!

آخر ساعة/  نيســـان- 1950