كيف اختير الامير فيصل ملكا على العراق؟

كيف اختير الامير فيصل ملكا على العراق؟

نجدة فتحي صفوة
باحث راحل

ان فكرة نصب احد ابناء الملك حسين على عرش العراق لم تكن جديدة، فمنذ ان كان فيصل في باريس، مندوباً عن الحجاز في مؤتمر الصلح سنة 1919 ارسل اليه بعض العراقيين عدداً من المضابط لكي يعرضها على المؤتمر طالبوا فيها"باستقلال العراق تحت ملوكية احد انجال الحسين".

 غير ان وزارة الهند التي كانت تتولى ادارة العراق لم تكن راغبة في التخلي عن حكم العراق المباشر، ولذلك قاومت تلك الفكرة في بداية ظهورها اشد المقاومة، وبقيت على موقفها هذا حتى قيام الثورة العراقية التي اجبرت الحكومة البريطانية على اعادة النظر في سياستها العراقية. ولما عقد المؤتمر السوري اجتماعه في آذار سنة 1920 للمناداة بفيصل ملكاً على سورية، عقد العراقيون ـ الذين كان في دمشق عدد غير يسير منهم ـ"مؤتمراً عراقياً قرروا فيه اعلان استقلال العراق وملكية الامير عبدالله بن الحسين عليه، على ان يكون متحداً سياسياً واقتصادياً مع سورية، متطابقاً في ذلك مع ما قرره"المؤتمر السوري"بالنسبة للعراق، وقد أذيع هذا القرار في اليوم نفسه5، كما اعلن فيصل تأييده له.

ومن الغريب ان يكون اول من اقترح ترشيح فيصل ملكاً للعراق هو السر آرنولد ويلسن، الحاكم المدني العام في العراق بالوكالة، والذي كان في السابق من دعاة الحكم البريطاني المباشر، وأدت اساليبه الاستعمارية في العراق الى قيام الثورة العراقية. وقد روى ويلسن في كتابه"العراق 1917 - 1921، تصادم في الولاء"ـ الذي يتضمن ذكرياته ـ ما يأتي:
"حالما وصلت أنباء خلع الملك فيصل الى بغداد، أبرقت مقترحاً ان تعرض عليه حكومة جلالته رئاسة دولة العراق. فان شجاعته الشخصية، ومحتده الرفيع، ومهارته الديبلوماسية، كانت اموراً معروفة جيداً، وقد أحلته مكانة فريدة في الاوساط العربية. وكان كل شيء سمعته يشير الى ان من المحتمل ان يصبح رئيساً فعالاً لدولة العراق بصورة تفضل بكثير اياً من اخوانه. وكنت مدركاً ان من المحتمل ان يقابل الاقتراح بالاعتراض من جانب الحكومة الفرنسية ـ كما حدث فعلاً ـ ولكنني كنت اشعر ان الفكرة جديرة بأن يجازف من اجلها، والتجربة جديرة بالمحاولة. وكانت برقيتي كالآتي:
"برقيتكم المؤرخة في 30 تبدي ان الامير فيصل غادر بأمر صادر عن الفرنسيين الى درعا الواقعة في المنطقة البريطانية. وهذا، كما يبدو من العراق قد يدل على احد امرين: انه قد يكون الآن في طريقه الى الحجاز، أو انه ينوي البقاء في ذلك القسم من سورية الذي هو تحت النفوذ البريطاني. فإذا بقي في درعا، واستمر على الادعاء بملكية سورية، فإنه سيجمع حوله عدداً كبيراً من ضباطه القدماء، وسيكون مصدر اضطرابات مستمرة للفرنسيين، ولكنه اذا تنازل عن ادعائه بسورية وطالب بالسيادة على فلسطين، فإن وجوده سيجعل الأمور صعبة جداً للفرنسيين، وسيضعنا في موقف حرج جداً…
"فهل لحكومة جلالته ان تنظر في امكان عرض إمارة العراق عليه. ان اعتراضاتنا على تأسيس امارة كانت حتى الآن، وبالدرجة الأولى قائمة على عدم وجود شخص مناسب. لقد كنا على الدوام نعتبر فيصلاً محجوزاً لسورية. وليس بين ما سمعته خلال الأشهر القلائل الماضية ما جعلني أغير رأيي بعدم صلاح عبدالله، وان تجربتنا خلال الاسابيع القلائل الماضية في بغداد توضح بدرجة لا بأس بها انه ليس هنالك مرشح محلي يمكن ان ينجح في احراز تأييد كاف يمكنه من القيام بعمل مفيد. ان فيصلاً من بين جميع الأمراء العرب هو الوحيد، الذي لديه فكرة عن الصعوبات العملية في ادارة حكومة متمدنة على الخطوط العربية، ولا يفوته ان يقدر ضرورة المعونة الخارجية لاستمرار بقاء دولة عربية، كما انه يدرك خطر الاعتماد على جيش عربي. وإذا منحناه امارة العراق فإننا لن نعيد فقط مكانتنا في أعين العالم العربي، بل اننا ايضاً نقطع شوطاً بعيداً في إزالة التهمة التي ستوجه الينا بخلاف ذلك، تهمة سوء النية تجاه كل من فيصل، وشعب هذا البلد. واذا اتخذت حكومة جلالته قرارها الحاسم في حصر التزاماتها بهذا البلد، فستكون هنالك امكانات للنهوض بها مع وجود فيصل هنا، أفضل من أي ترتيب ممكن آخر"6.
وقد تقبل وزير شؤون الهند، مونتاغيو، هذا الاقتراح تقبلاً حسناً، ولكن لم يكن بالامكان اتخاذ أي اجراء عملي في شأنه لأن وزير الخارجية، اللورد كرزن، كان معارضاً للفكرة، وانه على رغم شجبه بشدة قرار المؤتمرين العراقيين في دمشق الخاص بانتخاب الأمير عبدالله ملكاً على العراق، كان لا يزال يعدّ عبدالله أميراً منتظراً للعراق. ولذلك تلكأ في قبول مقترحات ويلسن التي ضمنها برقيته هذه. ولكن كرزن اخذ في الشهور التالية يتحول عن موقفه القديم تدريجياً، ويميل الى تفضيل فيصل.
وكانت العقبة الكأداء دون هذا الاختيار تتمثل في الموقف الذي ينتظر ان تتخذه فرنسا، لأنها كانت تعد فيصلاً عدواً لدوداً لها. ولما فاتح كرزن في 8 آب اغسطس 1920 الحكومة الفرنسية في موضوع نصب فيصل ملكاً على العراق جساً لنبضها كان ردّها"انها تعترض على ذلك كل الاعتراض... وان استخدام الأمير فيصل في العراق بعد اخراجه من سورية مباشرة، هو في نظر الفرنسيين عمل غير ودي..."7.
ثم قدمت الحكومة الفرنسية الى كرزن في 17 آب مذكرة توضح فيها أسباب اعتراضها. وكان من جملة هذه الأسباب ان فيصلاً إذا نصب ملكاً للعراق فإنه"سيصبح مصدر خطر على مركزها في سورية"8. ولذلك حث الفرنسيون الحكومة البريطانية على عدم تشجيع فيصل، وعدم السماح له بالذهاب الى انكلترا. وفي محاولة للايقاع بين فيصل وبريطانية أبدى القائم بالأعمال الفرنسي في لندن، أثناء مقابلة له مع اللورد هاردنغ في وزارة الخارجية ان فيصلاً"خلال الفترة التي قضاها على رأس الحكم في دمشق، طلب من الحكومة الفرنسية سراً ان تتعاون معه في العمل ضد الاحتلال الانكليزي في العراق"9.
وما لبثت الحكومة البريطانية ان كررت المحاولة، ففاتحت فرنسا في شأن فيصل مرة اخرى، مبدية انها ترى مجيئه إلى انكلترا افضل من بقائه في ايطاليا حيث يخشى ان يجري اتصالات مع الأتراك أو الطليان تعود بالضرر على المصالح البريطانية والفرنسية10. ولم تكن هذه الحجة قائمة على غير اساس، لأن فيصل كان على أثر وصوله الى ايطاليا قد أوفد ساطع الحصري الى تركيا للاتصال بممثلي الكماليين، والبحث معهم بصورة سرية في مدى استعدادهم لمعاونة العرب مقابل المساعدات الفعالة التي قدمها العرب لهم في مقاتلتهم الفرنسيين، إذ لم يسمح فيصل للفرنسيين باستعمال السكك الحديد السورية لنقل الجنود والذخائر الى كيليكيا! وكان الفرنسيون اتخذوا من موقف فيصل هذا حجة عليه، بل كان هذا الموقف أحد أسباب فقدانه عرشه في سورية. ولكن اتصالات الحصري لم تسفر عن نتيجة ايجابية في ذلك الوقت11.
ومع ذلك، فقد كررت فرنسا اعتراضها على زيارة فيصل الى انكلترا بحجة انها ستخلق سوء تفاهم عميق بين البلدين 12. ولكن الحكومة البريطانية قررت أخيراً المضي في دعوة فيصل الى انكلترا على رغم كل اعتراضات الفرنسيين، فتسلم فيصل الدعوة في 11 تشرين الثاني، بعد انتظار في ايطاليا دام اكثر من ثلاثة اشهر. وقد أبلغ اللورد كرزن السفير الفرنسي في لندن بأمر الدعوة على أثر توجيهها قائلاً انه أخّرها أطول مدة ممكنة مجاملة لفرنسا، وان الملك حسين كان طوال هذه المدة يصر على ان يقوم ابنه بزيارة الملك جورج13. وكان الملك حسين بعث بحصانين عربيين أصيلين هدية للملك جورج، فقابله هذا ببعض الهدايا، وكان هدف هذه الزيارة الظاهري مقابلة الملك جورج وابلاغه شكر والده على هداياه. ولكن اللورد كرزن صرح، مع ذلك، ان الحكومة البريطانية قد تنتهز فرصة وجود فيصل في لندن لتجري معه محادثات حول جوانب معينة من القضية العربية"على ان لا تشمل تلك المحادثات موضوع سورية"14.

مستل من بحث طويل بعنوان:
 وثائق تاريخية تنشر للمرة الاولى