سجل ذهبي للتراث العراقي في القرون الأخيرة.. الكرملي جمع الأغاني العراقية من أفواه المغنين

سجل ذهبي للتراث العراقي في القرون الأخيرة.. الكرملي جمع الأغاني العراقية من أفواه المغنين

د. جليل العطية
  يستفاد من «متعة الاسماع في علم السماع»لأحمد بن يوسف التيفاشي المتوفى سنة 656هـ ـ وهو اثر نفيس لا يزال مخطوطا بقلم مؤلفه ـ ان بحور التلحين والاصوات في الغناء العربي القديم كانت قد انقرضت في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي علما وعملا. ولم يبق منها الا شيء يسير عند اهل المغرب، غير قائم على اصول علمية مدروسة وانما هي اشعار ملقنة بتلحين ملقن.


اما المشارقة فانهم بعد ان نسوا الطرق العربية القديمة، استعاضوا عنها بطرق محدثة اخذوها عن الفرس وهي اثنا عشر بحرا تسمى (البرداوات) بالفارسية منها: راست ـ العراق، اسبهان، حسيني، رهوي.
ثم استخرجت من (البرداوات) اصوات تسمى (الاوازات) وهي ستة منها: نوروز وحجازي وحصاري.
وينعي (التيفاشي) على المغنين في عصره جهلهم الشديد واختيارهم للغناء شعرا لا قيمة له في المعنى او اللفظ.
ومما يؤكد رأي صاحب «متعة الاسماع»ان احدا في عصرنا لم يوفق في حل رموز كتاب «الاغاني» لابي الفرج الاصبهاني. فماذا قال ابو الفرج؟
عن شيخه (يحيى بن علي المنجم)، عن ابيه قال:
حدثني (اسحاق بن ابراهيم الموصلي) ان اباه اخبره ان (الرشيد) امر المغنين، وهم يومئذ متوافرون، ان يختاروا له ثلاثة اصوات من جميع الغناء، (ففعلوا ذلك) ثم نقل عن (احمد بن جعفر «جحظة») فزعم:
ان الرشيد امر هؤلاء المغنين ان يختاروا له مائة صوت فاختاروها، ثم امرهم باختيار عشرة منها فاختاروها، ثم امرهم ان يختاروا منها ثلاثة ففعلوا.. الخ.
لقد ظلت الاصوات المائة ـ او اقل ـ التي ذكرها الاصبهاني مدونة في بطن كتابه «الاغاني» وغيره بدون ان يستطيع احد فك طلاسمها! على ان التأليف في الموسيقى والاغاني تواصل فوصلت الينا عدة رسائل وضعها: صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف الارموي البغدادي المتوفى عام 693هـ ـ 1294م ومحمد بن عبد الحميد اللاذقي (كان حيا عام 888هـ ـ 1483م) والذي كان تلميذا لعبد القادر المراغي 838هـ ـ 1434م وغيرهم.
من هنا يأتي ترحيبنا الشديد بصدور كتاب: «مجموعة في الاغاني العامية العراقية»تأليف انستاس ماري الكرملي. تحقيق وشرح (عامر رشيد السامرائي) الصادر في جزءين ضمن سلسلة خزانة التراث ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ وزارة الثقافة والاعلام ـ بغداد.
والكتاب الاخير هو لمحقق (مجموعة في الاغاني) وله كتب اخرى بينها: 1ـ مباحث في الادب الشعبي (بغداد 1964م).
2 ـ موالات بغدادية ـ جمع وشرح وتحقيق ـ بغداد ـ 1974م.
ترك الكرملي 14 كتابا مخطوطا بينها (مجموعة في الاغاني العامية العراقية). الكتاب ومحتواه:
تحدث الكرملي في الصفحة الاولى من كتابه عن بحثه في نشوء الاغاني منذ اول العهد بها من عهد الآشوريين والاكديين الى عهد العباسيين ثم الى عهدنا الحاضر. غير انه يذكر بان الناسخ اضاع القسم المتعلق بالآشوريين والاكديين. يبدأ (الكرملي) بحثه في الحديث عن الفنون التي عرفت في العهد العباسي كالزجل والمواليا، والكان وكان والقوما والحماق والدوبيت والموشح والبليق والمزبلح والمكفر ثم ينتقل بعد ذلك الى الحديث عن الاغاني المعاصرة مثل:
1 ـ الابوذية.
2 ـ العتابة.
3 ـ الزهيري. 4 ـ السويحلي.
5 ـ النايل.
لكنه لم يشر الى ما اذا كانت الاخيرة متطورة عن سابقتها ام انها منبتة عنها كليا، وفي الحالتين لم يشر الى مراحل التطور إن وجد، ولا الى مراحل الانبتات عن الماضي وكيفية نشوء الاغاني المعاصرة او زمنها. الكرملي لم يبحث في هذه النقطة ولم يلتفت اليها اصلا، الا حين بحث في الموال والصلة بينه وبين المواليا ثم قوله:
الا ان الذي سبق عهد الاسلام لم يبلغنا. واما الذي وصل الينا فهو من عهد العباسيين فقط وهو يدل على انه ليس بحديث، بل ان العوام واظبوا على ما وصل اليهم من هذا القبيل فوضعوا نوعا من تلك المنظومات الخاصة بلغتهم ولم يراعوا فيها الاعراب ولا الاوزان المتداولة عند الفصحاء، بل خالفوها حرصا على المعاني.

مصادر الكتاب:
تضمن الكتاب عددا كبيرا من النصوص الشعرية باللهجة العامية، فكيف تسنى للمؤلف جمع تلك النصوص؟ وما المصادر التي رجع اليها لانتقاء تلك النصوص، وكم استغرق ذلك من وقته؟
ليس في الكتاب ما يجيب عن الاسئلة التي اثرناها غير ان المؤلف يقول في صفحته الاخيرة: «الى هنا آخر ما جمعته من هذه الاغاني، وكان الابتداء بها في شهر مايو (ايار) 1934 وانتهيت منها في اخر نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة المذكورة، والموضوع واسع الاطراف لا يكاد يعرف له حد، وقد جمعته من مختلف انحاء العراق بعد ان نقرت في دواوين الادباء في ما جاء منه من هذا القبيل فظفرت بما قدم منه بهذا الوشل الذي لا يكاد يذكر».
ويبدو ان الكرملي استفاد من بعض رواد مجلسه الاسبوعي لجمع النصوص والمعلومات. ويقول (الشيخ جلال الحنفي) في هذا الصدد:
كان معظم جلساء (الكرملي) ممن دوّن وبحث في الفولكلور امثال الاستاذ عباس العزاوي وعبد اللطيف ثنيان ورزوق عيسى وغيرهم. وكان الكرملي ـ على ما اتذكر ـ يهش للشعر البدوي وممن كان يروي له بعض اشعار البدو المحامي علي غالب العزاوي وهو اخو عباس العزاوي.
وقال (محمد القبانجي) المغني المعروف وأحد الذين عول عليهم المؤلف في جمع مواد كتابه:
«نعم كنت احضر مجلس الاب الكرملي صحبة المرحوم الشاعر الشعبي (الملا عبود الكرخي)، وكان المرحوم الكرملي يستأنس بحضورنا ويتمتع باحاديثنا الادبية والفنية وكان حديثه يدل على اطلاع في الحياة الادبية الشعبية، وكان ينشدنا من الشعر الشعبي القديم ويطلب منا ان ننشده ليزيد من محفوظاته. وكان يطلب مني بعضا غناء وبعضا شرحا لما جاء في ما انشده انا من الشعر الشعبي، وكان كثير الاهتمام بالموالات المسماة (النعماني) وهو المركب من سبعة اشطر بخلاف الموال المسمى بالاعرج المكون من خمسة اشطر الذي تكون فيه القافية على الحرف لا على الكلمة، كما يلتزمها الشاعر في الموال النعماني. اما الموال الرباعي فقديم جدا ويسميه الادباء (دوبيت) بمعنى بيتين وهو كذلك من بحر البسيط، وكان يسمع منا ويدون وكان اجتماعنا به حوالي عام 1930 ـ 1934م».
ان اهتمام (الكرملي) ـ وهو العالم اللغوي المدافع عن العربية الفصحى ـ بالعامة وادابهم يدل بوضوح على ان الآداب العامية لأي امة من الامم تمثل التعبير عن اصالة الامة وحضارتها. وان دراسة تلك الاداب وانعام النظر فيها يعين على تفهم المسارب الفكرية والحضارية وتطورها.
وللكرملي فضل آخر في هذا الكتاب يتجلى فيه حفظه وتثبيته لهذا العدد الكبير من النصوص الادبية الشعبية التي كان من المحتمل ان تبعثرها يد الزمان.

تحديد زمن النصوص:
تضمن الكتاب عددا من النصوص تتباين ازمانها، فهناك نصوص قديمة جدا واخرى حديثة: تدلنا على ذلك اسماء قائليها او الفاظها وطرق نسجها وتركيبها. وعلى ذلك يمكن القول إن النصوص التي تضمنها الكتاب تنقسم الى ثلاث مجموعات.
المجموعة الاولى: نصوص لشعراء قدماء فهناك نصوص من (الزهيري) منسوبة الى الشاعر (الملا جادر الزهيري) الذي يقال انه مبتكر الزهيري او من المبدعين في نظمه وكان قد نزح الى بغداد ايام الوالي مدحت باشا 1286هـ، كما تضمن الكتاب نصوصا من (الزهيري) للشاعر (ابن الخلفة) والمعروف ان لهذا الشاعر (روضة) مشهورة نظمها وقدمها الى الوالي (داود باشا) الذي حكم العراق 1232 ـ 1242هـ.
المجموعة الثانية: هناك مجموعة من نصوص الابوذية من المخطوط لم تذكر اسماء ناظميها ثم تبين للمحقق ان قسما منها مذكور في ديوان الحاج زاير وديوان حسين الكربلائي الذي نشره الاستاذ (سلمان هادي الطعمة) وورد بعضها في كتاب الاغاني الشعبية للاستاذ عبد الرزاق الحسني (بغداد 1929م).
المجموعة الثالثة: هناك نصوص كثيرة لشعراء عاصروا الكرملي مثل عبد الرحمن البناء، محمود خطاب (حيدر خانه)، مرهون الصفار (ت 1961م) حمودي قوزي وعبود الكرخي (ت 1946م) سلمان الشكرجي (ت 1976م) كاظم النجار (ت 1989م) وغيرهم.
ويمكن القول ان عمر النصوص التي يتضمنها الكتاب يتراوح ما بين 100 ـ 300 سنة. ولاحظ المحقق ان كتاب (الكرملي) عنى بشكل واضح بشعر البغادة او الذين سكنوا بغداد اي اننا نجد اغفالا واضحا لشعر الفرات الاوسط او بعبارة ادق للشعر في محافظات ميسان، القادسية، ذي قار، النجف، البصرة، علما بان تلك المناطق هي منبع الشعر الشعبي، عدا نماذج معدودة.
ان النسبة العالية من نماذج الشعر الشعبي العراقي تعالج المشاعر الذاتية البحتة، لذا نجد نصوص الحب وما يتبع هذه اللفظة من تغزل ووصف وشكوى وانين وبكاء وتوجع.. الخ. هي الغالبة على النصوص الاخرى، يصدق هذا القول على نصوص الزهيري والابوذية والعتابة والنايل.. الخ. الواردة في كتاب الكرملي هذا، الا ان الذي يلفت النظر هو خلو الكتاب من الشعر الديني، علما ان هذا النوع من الشعر مما ينشد في الاذكار والمناقب النبوية ونماذجه كثيرة.

تحقيق الكتاب:
اعتمد (عامر رشيد السامرائي) نسخة مخطوطة فريدة، لم يذكر الناسخ اسمه، لكنها مكتوبة بخط النسخ الجيد محفوظة في (المركز الوطني للمخطوطات) وتقع في 330 صفحة. اما النماذج الشعرية التي اوردها المؤلف فهي:
1 ـ 379 بيتا من الابوذية.
2 ـ 63 قصيدة عامية.
3 ـ 140 بيتا من النايل.
4 ـ 106 ابيات من العتابة.
5 ـ 97 زهيريا او (موالا).
6 ـ 25 قصيدة ومقطوعة من الكعيد.
اما طريقة التحقيق التي اتبعها (السامرائي) فيمكن تلخيصها بما يلي:
1 ـ كتب مقدمة واسعة تقع في ثلاثين صفحة تناولت المؤلف والمخطوطة واهميتها.
2 ـ بسبب كون مخطوطة الكتاب وحيدة، لهذا استعان المحقق بما هو مطبوع من دواوين او دراسات من اجل تصويب النصوص الواردة في المخطوط لفظا وتركيبا ووزنا.
3 ـ استعان ببعض الشعراء والرواة وحفاظ الشعر الشعبي لتقويم النصوص.
والإنصاف يقضي الاشادة بجهد المحقق في تحقيق وشرح وضبط الفاظ هذا الكتاب المهم، خاصة ان هذا الجهد استغرق منه نحو ثلاث وثلاثين سنة.
ولا ينقص هذا الكتاب الا الفهارس الفنية التي كانت ضرورية لمثله ككتاب تراثي.

 انستاس الكرملي في سطور
 انستاس ماري الكرملي (1866 ـ 1947م) من مشاهير علماء اللغة العربية في العصر الحديث، درس علوم الدين والفلسفة في بلجيكا وفرنسا وعاد الى بغداد ليتولى ادارة مدرسة الاباء الكرمليين بالاضافة الى تدريس اللغتين العربية والفرنسية فيها، بعد ذلك تفرغ للبحث والتأليف كما اصدر مجلته الشهيرة «لغة العرب» 1911 ـ 1931م. وتقديرا لمكانته العلمية انتخب عضوا في مجمع المشرقيات الالماني وعضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق وعضوا في مجمع اللغة العربية في القاهرة.
وفي عام 1928م اقيم له في بغداد احتفال تكريمي بمناسبة مرور 50 عاما على بدء اشتغاله باللغة العربية. وقد رأس الشاعر (جميل صدقي الزهاوي) اللجنة التي نظمت هذا الاحتفال.

ولقد صدرت عنه خمسة كتب هي:
1 ـ الكرملي الخالد لجورج جبوري ـ بغداد 1947م.
2 ـ انستاس ماري الكرملي ـ حياته ومؤلفاته لكوركيس عواد ـ بغداد 1966م.
3 ـ انستاس ماري الكرملي واراؤه اللغوية للدكتور ابراهيم السامرائي ـ القاهرة 1969م.
4 ـ في ذكرى الكرملي الراهب العلامة ـ لسالم الالوسي ـ بغداد 1970.
5 ـ انستاس ماري الكرملي لعامر رشيد السامرائي ـ بغداد 1970م.