ليس رثاء لمن رحل غريباً:  العلاّمة العراقي إبراهيم السامرائي

ليس رثاء لمن رحل غريباً: العلاّمة العراقي إبراهيم السامرائي

سمير غريب *
رميت الصحيفة من يدي فور قراءتي عنوان الخبر الكئيب الرهيب»وفاة الدكتور إبراهيم السامرائي».
ارتج عليّ الأمر، إذ مضى بالكاد اسبوعان على رسالته الأخيرة الحانية»فتحيتي إليك، وكم أسفت أني لم أرك غير مرة فكانت كتحية العجلان، وخفقة الوسنان كما قيل»، وأهداني قصيدة للمرة الثانية منذ عرفته، قال فيها:

«وأراني، وبي من الخطب ما بي
أتملى ما نال مني نذير
قد دعاني من العراق كئيبا
ضيم فيه ذو حكمة وخبير
وأنا من أنا أعاني اغترابا
لم أجد صاحبي وطال ضرير
أين صحب وأخوة وقريب
وبعيد والحال أمر عسير
غاب عني وما استقام المجير
وكأني أنا الثقيل الأجير»
حزنت عليه. لكني قررت للمرة الأولى في حياتي أن أكتب عنه، لا لأرثيه، إطلاقاً، وإنما لأذكّر الناس به، هذا الذي نسيه الأهل والجيران وطلابه الكثيرون في العراق. والذي عانى من عقوق الآخرين طويلاً. عانى من عقوقهم في وطنه، بل وفي جامعته، فهاجر بحثاً عن هواء الحرية ونسيم التقدير، فغادر من سجن مفتوح إلى سجن آخر مفتوح، وترك عقوقاً ليلتقي بعقوق. وهو يشعر بالظلم منذ أن تخطوه في البعثة إلى أوروبا بعد تفوقه في الدراسة في دار المعلمين العليا، على رغم ما حصل له من مكاسب، وما وصل إليه من مستوى أدبي رفيع.
ذات مرة كان يجلس في مكتبي في دار الكتب والوثائق المصرية، فسألته: لماذا تركت العراق وكنت استاذاً مرموقاً وكاتباً كبيراً وشاعراً؟ فأخبرني أنه قرر الهجرة بعد أن طلب إحالته على التقاعد لأن عميد كلية الآداب عيّن فرّاشاً عمل مع السامرائي»ضابط ارتباط»لحزب البعث في الكلية، وكان من واجباته الرقابة على ملفات الأساتذة، فطلب السامرائي منه ذات يوم أن يصور له رسالة وكان جهاز التصوير بجواره، فرفض»الفراش الضابط»قائلاً له: هذا الجهاز لخدمة الموظفين لا المتقاعدين»، عندئذ قررتُ الهجرة من العراق»، أخبرني السامرائي.
عرفته في بيروت، كنت مدعواً في آذار مارس 1998 لحضور ندوة حول مشروع اليونيسكو»كتاب في جريدة»، وللمصادفة التي لم أكتشفها إلا الآن كانت الدعوة من الصديق الشاعر العراقي المهاجر أيضاً شوقي عبدالأمير، ويبدو أن حكام العراق متخصصون في تهجير مبدعي هذا البلد الخصيب، وربما أكتب يوماً عن اصدقائي من المبدعين المهاجرين العراقيين، وهم من أغنى المبدعين موهبة وأغزرهم مشاعر. في هذه الندوة عرفت ابراهيم السامرائي الذي كان مدعواً ايضاً وجاء من عمان في الاردن حيث يقيم.
في إحدى جلسات الندوة شرع شيخ أشيب الشعر صغير الجسم في الحديث بصوت ضعيف وفي تواضع جم، عن التراث واللغة العربية، وانتقد إقحام تعبيرات أجنبية عليها في كتابات بعض الكتّاب العرب، وأشار الى ظهور لغة عربية جديدة طالب لها بمعجم جديد، واعجبتني ملاحظته بأن بعض الشعراء يكتبون الشعر بلغة الصحافة وأخذني ما ظهر منه من علم وطلاوة في اسلوب الحديث وسهولة في الشرح وذكر الأمثلة. وفي نهاية حديثه سألته: لماذا لا ينشر مثل ما قاله على الناس ليستفيدوا منه، خصوصاً اننا نعاني محنة في استخدامنا للغة العربية؟ ففاجأني بقوله إن لديه كتاباً كاملاً لا يجد من ينشره. فتعجبت! مثل هذا العلاّمة العربي لا يجد ناشراً لكتابه! وأعربت على الفور عن استعدادي لطباعته في»صندوق التنمية الثقافية»، فلقد كنت مديراً لهذا الصندوق، في ذلك الوقت. فرحب الحضور بذلك، وطلبت نسخة منه، وبالفعل سلمني نسخة من كتابه»أشتات في الأدب واللغة»عدتُ بها إلى القاهرة.
وكدت أن أشارك بنفسي في»مسيرة العقوق»التي تعرّض لها العزيز الغالي، فلقد سلمتُ النسخة الى أحد معاونيّ وكلفته طباعتها، وأنستني مشاغل الحياة متابعته، حتى تركت الصندوق الى دار الكتب المصرية.
أرسل لي الدكتور السامرائي رسالة - في الواقع أكثر من رسالة - يذكّرني بالكتاب، وفي أحدى رسائله بتاريخ 29 تموز يوليو 1999، كتب:»وأعود اليوم أسأل: هل أنجز الطبع؟ هل في طريقه إلى ذلك؟ هل عُدل عن الطبع؟ أرجو إخباري أنا أخوك المتعب القابع في الاردن وليس لي أي عمل. ولولا بعض شيء ادخرته لحل بي الأمر الخطير»، سألت عن الكتاب إدارة الصندوق غير مرة، وأخيراً عرفت أنهم ضيّعوه، خجلتُ من نفسي أمام الدكتور السامرائي. ولولا أنني صورت نسخة من الكتاب كعادتي، فربما انتهت عند هذا الحد علاقتي به. لكنني اقترحت عليه أن أطبعه من هذه النسخة في مطبعة دار الكتب المصرية، ووعدته أن أكون مسؤولاً شخصياً عنه، فوافق مشكوراً.
كان الدكتور ابراهيم السامرائي يأتي إلى القاهرة في نيسان ابريل من كل عام في مؤتمر مجمع اللغة العربية، فلقد كان عضواً به، مثلما كان عضواً في مجمعي اللغة العربية في دمشق وعمان، والمجمع العلمي الهندي والجمعية اللغوية الفرنسية. وكان يصطحب دائماً السيدة حرمه، فلقد كانت معينته على الحياة في عمره، وكان يتوكأ عليها. وفي هذه المناسبة كنت حريصاً على أن التقيه. أي أنني كنت أراه لبضعة أيام كل سنة. ومع ذلك كنت فرحاً به، مستفيداً من علمه، معجباً ومقدراً تواضعه وعفة خلقه. ونشأت بيننا صداقة حميمة أعتز بها على رغم فارق السن الكبير، مات عن الواحد والثمانين عاماً. كان يؤمن بالمثل السائر»المرء قوي بأخيه»، وكثيراً ما كرره في كتبه، ورسائله. وفي رسالة له قال لي:»فإن كان لأخي في اسمه أنه السمير الغريب فإني لأراه أخي، وإخائي له يقوى على ما ندعوه في لغة الصحف الشقيق كذباً...».
يبدو أن الدكتور السامرائي استبشر خيراً بطباعة كتابه في دار الكتب المصرية، فأرسل لي رسالة في 23 نيسان 2000 يخبرني فيها»وإني لأخص دار الكتب بكتابي الذي وجدناه ثانـية. وإن كنتُ أخص هذه المؤسسة العريقة بكتابي الآخر»من الخزانة اليمنية»، فإنــي أعلــم أن مصر حرسها الله في طليعة العرب التي يهمها أمر الثقافة».
وعلى رغم حبه لمصر، إلا أنه كان يعاني فيها كلما دخلها، لأنه يحمل جوازَ سفر عراقياً. فالعراقي مستراب فيه في كل مطارات العالم وليس في مصر فقط، والجميع يعلم مَن صاحب الفضل في هذا. ومن أسف أن كثيراً من ضباط الجوازات في كــل مطارات العالم لا يتعاطون الأدب، ولا يقرأون الشعر، ولا يعرفون ابراهيم السامرائي أو شيئاً من عطائه الكبير في الادب واللغة العربية، ولم يطالعوا عنواناً واحداً من عناوين كتبه التي بلغت 42 كتاباً ومؤلفاً و30 كتاباً محققاً و4 كتب مترجمة، فلقد كان الراحل العزيز من أغزر الكتاب، غير حوالى 12 كتاباً لم تطبع قبل أن توافيه المنية، وأرجو أن تجد طريقها الى الطبع، استكمالاً للاستفادة منه وتكريماً له.
قبل أن يبعث برسالته السابقة بأيام كان معي في القاهرة، فحدثني عن هذا العنت الدوري في مطار القاهرة، وفاجأني بأنه ألهمه قصيدة سلمها لي، بل طلب نشرها! ونشرتها له في جريدة»الاهرام»القاهرية بفضل تفهم وتقدير أخي العزيز الدكتور عبدالعزيز شرف المشرف على صفحة الأدب.
عانى الدكتور ابراهيم السامرائي رحمه الله كثيراً في سنواته الاخيرة، في أحدى رسائله لي قال:»فكيف أعمل أنا في عمان، والإقامة السنوية لا أحصل عليها إلا بشق الأنفس، وأنا لا أعمل ولا أتقاضى راتباً من الاردن، وأنفق على نفسي مما ادخرته وما يأتي إليَّ من الكتابة وهو يسير في بلد غال لا ينظر إلا إلى الدينار».
ظل السامرائي يعاني، حتى تعجل»نهاية الرحيل». في رسالته لي المؤرخة في 8 حزيران يونيو 2000 قبل حوالى عشرة أشهر فقط، فجعني بكتابته:»أتدري أخي أنني في كل عام أحصل على الإقامة السنوية بشق الأنفس، فمتى تستقر الحال وأذهب إلى بغداد؟ ما أراني أرى ذلك، لأني أنظر إلى نهاية الرحيل، غريباً منبوذاً».
هذه نبوءة شفافة صادقة تحققت.
... وانتهت رحلة العلامة ابراهيم السامرائي غريباً، ولم يذهب إلى بغداد حياً، ولا أعلم ما إذا كان استطاع الوصول إليها ميتاً!! رحمه الله رحمة واسعة.
*  كاتب مصري
- نشر في الاهرام