نظرية كارل بوبر والقضايا العلمية

نظرية كارل بوبر والقضايا العلمية

يحيى محمد
لقد ظهرت هذه النظرية كرد فعل على تيار الوضعية المنطقية برفض التعويل على الدليل الاستقرائي في بناء القضايا العلمية. اذ وضع بوبر منهجاً عدّه ليس من الدليل الاستقرائي بشيء، واطلق عليه المذهب الاستنباطي، وذلك ليتخلص من الشبهة الهيومية في الدور والارتداد اللا نهائي كما تقتضيه العملية الاستقرائية بوصفها عادة نفسية تقوم على التشابه؛

 الذي بدوره يقوم على الاستقراء، وهكذا، معتبراً ان ما سلكته الوضعية المنطقية من جعل الارتباط قائماً بين الاستقراء والاحتمال لا يغير من النتيجة شيئاً حيث الوقوع في الارتداد اللا نهائي. الأمر الذي جعله يغير هذا المنحى بمنهج جديد لا يمت الى العملية الاستقرائية بصلة، وذلك انه يبتدئ بوضع فرض معين ذهنياً، وهو فرض مؤقت لا تقتضيه تلك العملية، لكنه يقبل الاختبار، وهو في حالة الاختبار لا يلجأ الى مبدأ التأييد بالشواهد كما تقتضيها العملية الاستقرائية، اذ أي عدد يمكن استقراءه فانه لا يكفي للبرهنة على صحة القضية الكلية، فمثلاً مهما رأينا من الحالات التي تظهر ان البجع ابيض فان ذلك لا يخولنا ان نعتبر كل بجع ابيض، ولقد ظل الاوروبيون قروناً عديدة لا يرون غير البجع الابيض، مما جعلهم يتصورون ان كل بجع ابيض، حتى اكتشفوا - في يوم ما - البجع الأسود في استراليا، وبالتالي فقد أدى الاستدلال الاستقرائي الى نتيجة زائفة.
على هذا فقد لجأ بوبر الى مبدأ التكذيب والبحث عن الحالة التي تظهر الجانب السلبي من الافتراض المطروح، فحيث ان الفرض لا يجد ما يدفع الى تكذيبه فانه يصمد بقاءً، والعكس بالعكس. فالفارق بين مذهبه ومذهب الوضعية المنطقية، كما يؤكد، هو ان الصورة المنطقية للقضايا الكلية في مذهبه ليست مستمدة من القضايا الشخصية في الواقع الموضوعي، مع هذا فانه يمكن مناقضة القضايا الاولى بالاخيرة (الشخصية)، اي ان من الممكن البرهنة من صدق القضايا الشخصية على كذب القضايا الكلية، وذلك بفعل عملية الاختبار من التكذيب. في حين ان مذهب الوضعية يعتمد على تكوين القضايا الكلية من القضايا الشخصية، وان التحقيق لديه عبارة عن التبرير والأخذ بمسلك التأييد. وعليه اعتبر بوبر ان النظريات العلمية لا تقبل التبرير او التحقيق، وانما تقبل الاختبار، فحيث انها تصمد أمام الاختبارات الشاقة والتفصيلية فانه تثبت جدارتها بالتعزيز عن طريق الخبرة، وهو ما يفسر النمو العلمي وقلب النظريات. فمثلاً ان نظرية ديكارت للجاذبية استبدلت بنظرية نيوتن عند معرفة ان الكواكب تتحرك اهليجياً وليس دائرياً. كما ان نظرية نيوتن استبدلت بنظرية اينشتاين وذلك للشذوذ الملاحظ في مدار كوكب عطارد.
وبوبر لا يعد مسلكه - في ذلك - يرتد الى المنهج الاستقرائي. مع هذا فقد يقال انه يمارس عملاً استقرائياً، سواء في البدء او في المنتهى. ففي البدء انه من العبث ان يضع الباحث فرضاً ذهنياً وهو معزول مطلقاً عن النظر الى الواقع والقرائن المتعلقة به، بشهادة السيرة التي عليها الناس من جانب، وكذلك سيرة علماء الطبيعة من جانب آخر. فليس هناك فرض يمكن عزله عن السوابق من الملاحظات الخاصة بالقرائن التي تؤيد الفرض، سواء بوعي او بغير وعي.
أما في المنتهى فمن غير المعقول ان يقال بأن التأييد ليس له تأثير على قوة الفرض، ذلك انه من منطق الحساب الاحتمالي ان اعتبار القرينة التأييدية لابد ان تقوي من قيمة احتمال الفرض. وبوبر لا ينكر هذا الأمر، لكنه اعتبر ذلك ليس بقوة ما تفعله القرينة التكذيبية، بل حسِب ان القرار المؤيد انما يؤيد النظرية فقط من الناحية الزمنية، وذلك باعتبار ان اي قرار سلبي لاحق يمكنه ان يؤدي الى طرح النظرية، وانه لا يوجد برهان حاسم لأي نظرية علمية (لأنه من الممكن دائماً ان نقول ان النتائج التجريبية لا يوثق بها)، وبالتالي فهي قابلة للتكذيب. وقد يقال أليس هذا الحكم حكماً تعميمياً لا يجد تبريراً له من غير ملاحظة ما سبق أن تعرضت له النظريات، فكيف جاز هذا التعميم القائم بدوره على الاستقراء، وما هو مدى صدقه على أرض الواقع؟
مع هذا قد يقال ان حكم بوبر السابق يرتد الى موقف ميتافيزيقي ليس بذي أثر على ما نحى اليه من تأسيس للمنهج العلمي، وذلك مثل موقفه من مبدأ السببية العامة واطراد قوانين الطبيعة. اذ كان حريصاً كل الحرص ان يبعد هذه القضايا عن مجال العلم ويعتبرها ميتافيزيقية طالما انها لا تقبل التكذيب. وبالتالي فان القضية العلمية لديه هي تلك التي تقبل التكذيب فحسب. لكنه مع هذا يجعل تفكيك القضايا عائداً الى اختياراتنا ومواضعاتنا الذاتية، بالرغم من أنها قضايا معرفية ترتد الى الواقع الموضوعي. فاذا كان الأمر مجرد ترتيب اجرائي فله أن يفعل ما يشاء، لكنه حين ينطلق من منطلقات فلسفية ويُشْكل على الدليل الاستقرائي ومن ثم يتمسك بالشبهة الهيومية، ولم يقتنع بالحل الوضعي في معالجة الاستقراء؛ كل ذلك يجعلنا ندرك ان عمله التفكيكي ليس قائماً على مجرد الحمل الاجرائي، ويظل الاشكال وارداً: بأي حق نعتبر مثل تلك القضايا التعميمية قضايا ميتافيزيقية؟ وكيف يمكن التثبت من كونها لا تخطأ ولا تقبل التكذيب؟ واذا كان من الواضح انها لم تتأسس الا بفعل الدليل الاستقرائي، فكيف يلجأ اليه بوبر وهو قد رفضه جملة؟!
أما بصدد مناقشة بوبر على صعيد المنهج العلمي فيلاحظ ان عملية التكذيب وإن كانت تعبر عن كونها قضية مضادة للتأييد، الا انها ايضاً مثلها مثل التأييد تستند في تضادها مع الفرض انطلاقاً من العملية الاحتمالية وتقوم بدورها على مسند استقرائي يثبت كونها تكذيبية بالفعل. وابرز مثال على ذلك ما يتعلق باكتشاف كوكب نبتون طبقاً لنظرية الجاذبية. ففي البداية عُد الانحراف في مدار كوكب (يورانوس) شاهداً سلبياً بالنسبة الى الجاذبية، لكن ذلك لم يطرح النظرية كلياً، وانما أضعف من مصداقيتها، طالما كان من الممكن توجيه الشاهد بشكل لا يخرج فيه عن فحوى النظرية، وهو ما حصل فعلاً من قبل بعض أتباعها، حيث وجهوا الشاهد بالشكل الذي لا يكون فيه مناقضاً لمبدأ الجاذبية، فافترضوا وجود كوكب اخر مجهول هو الذي يسبب حالة الانحراف في ذلك المدار. وبالفعل ان احد علماء الفلك استطاع ان يكتشف هذا الكوكب ويحدد مكانه، وهو ما اطلق عليه كوكب نبتون، الامر الذي قوّى من مصداقية النظرية أكثر.
على ان الذي يستفاد من هذا المثال هو ان شاهد انحراف (يورانوس) لا يمكن ان يعدّ - في بادئ الامر - شاهداً تكذيبياً، بدلالة انه كان من الممكن توجيهه توجيهاً يتفق فيه مع نظرية الجاذبية، ويظل البحث فيما لو كان التوجيه سيجد تأييداً في الاكتشافات المقبلة او انه سيلقى التكذيب، وهو الأمر الذي يجعل من التأييد والتكذيب كلاهما يعتمدان على ما تفضي اليه العملية الاستقرائية من كشف ميداني. ففي مثالنا السابق تحدد الكشف بما يخص البحث عن ذلك الكوكب الذي يحتمل ان يكون هو السبب في انحراف مدار (يورانوس). فلو ثبت وجود هذا الكوكب لكان تأييداً للنظرية، أما لو ثبت عدم وجوده تماماً لكان تكذيباً للنظرية، وفي كلا الحالين ان المرجع في ذلك هو البحث الاستقرائي ودلالته الاحتمالية. كما انه بكلا الحالين لا يمكن اعتبار التأييد والتكذيب تامين ومطلقين، اذ يظل احتمال وجود عناصر اخرى لم يُلتفت لها هي التي تؤثر على ظاهرة الانحراف في مدار (يورانوس)، فعدم وجود كوكب قريب مؤثر مثل نبتون لا يعني بالضرورة انه لا يوجد هناك شيء آخر مؤثر يمكن ان يتسق مع جاذبية نيوتن، كذلك فان اكتشاف نبتون لا يعني بالضرورة انه يؤكد صحة النظرية صحة تامة ومطلقة.
وعليه لا يكفي أن يقال بأن التكذيب انما يحصل بما يمكن ان تطرحه النظرية من تنبؤات واستنتاجات لا يدل الكشف عنها. ذلك لأنه قد تكون المشكلة ليست بالنظرية ذاتها وانما بما يستنتج عنها ويعد تقريراً تنبؤياً. ففي مثالنا السابق ان من الطبيعي بادئ الامر ان يكون التنبؤ الذي ينبغي ان تتخذه نظرية الجاذبية هو ان المدارات التي تسير فيها الكواكب هي مدارات لا يلوحها انحراف، وذلك عند لحاظ عدد منها، فقد لا يلوح في البال ان يكون هناك انحراف في بعض المدارات، لكن حين كُشف عن الانحراف في أحدها، فان ذلك لا يعد شاهداً مكذباً للنظرية طالما أمكن توجيهه الوجهة المناسبة.
كذلك في حالات كثيرة يلاحظ ان النظريات العلمية تتنافس فيما بينها بحسب ما تستند اليه من مرجعيات متضادة رغم ان الشواهد تقبل ان تُفسر بأي من هذه المرجعيات بلا تأييد ولا تكذيب، ولعل أقرب صورة لهذا الشكل ما أكد عليه فلاسفة العلم الاصطلاحيون من أمثال بوانكاريه من انه يستحيل معرفة شكل الهندسة الكونية إن كانت اقليدية او غير اقليدية، فمن الممكن تفسير الظواهر الكونية طبقاً للفرضين باعتبارات مختلفة، وبالتالي فليس بامكاننا ان نجعل من الشواهد مكذبة لأحد الفرضين، الامر الذي لا يتسق مع المنهجة التي عليها نظرية بوبر، اذ سوف لا تكون هذه القضية من القضايا العلمية طالما انها لا تخضع للتكذيب، أي ليس من القضايا العلمية أن يقال بأن الهندسة الكونية اقليدية او غير اقليدية، مادام انه لا توجد قابلية على التكذيب لأيّ من الفرضين، فمثلما يمكن تفسير انحناء الأشعة الضوئية طبقاً لانحناء الكون، وبالتالي فان الهندسة ليست اقليدية، كذلك فانه يمكن تفسيرها باعتبار آخر قائم على اساس الجذب، وذلك استناداً الى الهندسة الاقليدية وان الفضاء ليس بمنحن، وبالتالي فان الاشعة التي تسير فيه تكون مستقيمة لولا ظاهرة الجذب التي تسببها الكتل المادية في الفضاء فتجعلها منحنية.
من جانب آخر قد يقال ان دلالة التكذيب تفوق دلالة التأييد، اذ ان التأييد لا يحتم صحة النظرية، حيث كل ما يمكن ان يقال هو انها تتسق مع الشاهد التأييدي أكثر فأكثر، ولا يعني انها صحيحة فعلاً، بدلالة انه من الممكن ان تكون هناك نظرية منافسة غيرها باستطاعتها ان تتفق مع جميع الشواهد التي اتفقت مع النظرية الاولى، الامر الذي لا يحتم صدق هذه النظرية بالتأييد. في حين ان الشاهد المكذب يمكنه ان يبطل النظرية تماماً ويسقطها من الحساب.
والجواب على ذلك هو ان الامر يتوقف على الفروض المطروحة إن كانت تسمح بالتصديق بالنظرية عند الشاهد المؤيد، او ابطالها عند الشاهد المكذب. فليس بالضرورة ان يكون الشاهد المكذب مبطلاً للنظرية الا بالقدر الذي يثبت عدم قدرتها على ايجاد مخرج من التوجيه. مثلما ليس بالضرورة ان يثبت التصديق بصحة النظرية الا بالقدر الذي تثبت جدارتها بعدم افساح المجال لقيام نظريات اخرى منافسة في قبالها. ويظل ان لطبيعة الشواهد من التأييد والتكذيب دخلاً كبيراً في تحديد القيم الموجهة للنظرية، ذلك ان اختلاف الشواهد في طبيعتها يجعلها تختلف فيما تحمله من قيم احتمالية بالنسبة للنظرية، فبعض الشواهد يحمل من القيمة ما يفوق البعض الآخر، وينطبق هذا الامر سواء على الشواهد التأييدية او التكذيبية. ومثلما قد يكون الشاهد المكذب أقوى دلالة من الشاهد المؤيد؛ فان العكس يحصل كذلك، اذ لو فرضنا ان هناك عدداً قوياً من الشواهد المؤيدة للنظرية في قبال شاهد يبدو عليه التكذيب؛ فانه ليس من السهل التضحية بالشواهد المؤيدة لحساب ذلك المكذب، بل قد يقتضي الأمر تأويل الشاهد وتوجيهه بالشكل الذي لا يناقض النظرية؛ ما لم تكن هناك نظرية اخرى باستطاعتها ان تستوعب جميع تلك الشواهد وتفسرها.
وعلى العموم يمكن القول ان النظرية العلمية تقوم على قابلية كل من التأييد والتكذيب، وان العلم لا يلتزم بواحد من هذين الطرفين، فضلاً عن وجود عناصر اخرى يستند اليها في قبول النظرية العلمية. ورغم ان بوبر كان يحصر دفاعه عن مبدأ التكذيب عند ظهور كتابه (منطق الكشف العلمي) سنة 4 3 9 1، لكنه بعد ثلاثين سنة تقريباً، اي بعد اعادة طباعة الكتاب (سنة 3 6 9 1)، اعاد النظر في دفاعه عن ذلك الاساس التجريبي المحض، واخذ يطعّم مذهبه بعناصر اخرى مثل مبدأ البساطة وجدة النظرية وقوة الربط بين الاشياء وتوحيدها، وكذا ما تحمله من مفاهيم جديدة. وقد اعترف بوبر بانه لا يمكن ارجاع مبدأ البساطة الى منطق التكذيب، كما كان يفعل من قبل.
يبقى أخيراً انه بحسب منهج بوبر ان القابلية على الاختبار للقضايا العلمية لا تنتهي بحد معين. فانساق النظريات تختبر عن طريق استنباط قضايا اخرى ذات مستوى أقل عمومية. وهذه يجب ان تكون قابلة للاختبار بنفس الاسلوب، وهكذا من غير حد ولا نهاية. مع هذا فان بوبر لا يرى هذه العملية تفضي الى الوقوع في دائرة الارتداد اللا نهائي الذي سبق ان نقد فيه المنهج الاستقرائي. صحيح انه يعتبر القضية العلمية يجب ان تكون قابلة للاختبار دون توقف، لكنه لا يطلب ان تكون كل قضية علمية قد اختبرت في الواقع قبل قبولها، فالاختبارات لا يمكن تنفيذها الى ما لا نهاية، حيث لابد ان نتوقف آجلاً او عاجلاً، انما الذي يطالب به هو ان تكون القضية قابلة للاختبار لا غير. وبالتالي فهو يرفض وجهة النظر القائلة بوجود قضايا في العلم يجب علينا ان نقبلها ونوافق على انها صادقة بحجة استحالة اختبارها لاسباب منطقية.
مع هذا فان نظرية بوبر في تأسيس القضايا العلمية لا تتخلص من شبهة الوقوع في الارتداد الصفري، طالما انه لا يعتقد بامكانية الحصول على اليقين في الاطار العلمي، او ان القضايا العلمية عنده هي قضايا احتمالية. وبالتالي اذا كان بعضها يتوقف على البعض الاخر فلا فرق عندئذ سواء تعرض جميعها للاختبار - وهو أمر مستحيل للارتداد اللا نهائي -، او تعرض بعضها لذلك، فانه في كلا الحالين ان أي قضية يراد تقدير قيمتها الاحتمالية فسوف تؤدي الى الاقتراب من المستوى الصفري.

عن كتاب كارل بوبر والمنهج العلمي