(أصول الثقافة) جذور العنف وإيديولوجيا  الخطيئة الأصلية

(أصول الثقافة) جذور العنف وإيديولوجيا الخطيئة الأصلية

أحمد تمُّوز
أفكار رينيه جيرار هي مدار الكتاب الحواري الشائق الذي نحن في صدده. انصب اهتمامُ الرجل في البداية على الأدب، الذي لم يرَ فيه انعكاسًا للعالم الشخصي للكاتب، بل مادة أولية تقدم مؤشرات موثوقة حول مجتمعه. فمنذ كتابه الكذب الرومانسي والحقيقة الروائية، باشر جيرار، عبر فك رموز كلاسيكيات الأدب العالمي،

مقاربةَ المفهوم الذي صار فيما بعد ثيمته الأثيرة:"رغبة المحاكاة"désir mimétique. وهذه الثيمة سرعان ما نقلتْه من الأدب إلى الأنثروپولوجيا (التي تعلَّمها على نفسه)، حيث عكف يُغنيها ويطور أدواتِه التحليلية الكفيلة بتدعيمها من خلال مؤلفات متوالية، كان آخرها كتاب أصول الثقافة.
الكائن الإنساني، بحسب جيرار، يختص بالقدرة على التقليد أو"المحاكاة"mimesis، التي تحمل كلاً منا على التشبه بمثال أكبر، أوفر موهبة، أغنى، أكثر نفوذًا، إلخ. وهذا التشبه لا يقوم به المرء عبر حيازة ما يملكه"الآخر"(الموضوع objet)، بل بمحاكاة رغبات الآخر نفسها حتى يتسنى له أن يحلَّ محلَّه بوصفه ذاتًا sujet. وهذه المحاكاة للرغبات تقود البشر إلى التنافس بوصفهم  "أبدالاً" أو"أقرانًا" d oubles متكاثرين يدورون حول الهدف نفسه، فتؤجج فيهم العنف، الذي يتفاقم بدوره حتى حصول"أزمة"ينازعُ فيها الفردُ جميع أبداله. لم تجد المجتمعات القديمة حلاً لتلافي التفجر من الداخل والتشظي سوى إيجاد"كبش فداء"bouc émissaire تتهمه بالتسبب في الضائقة العامة؛ وإذ تتكالب عليه وتضحي به، تجد في ارتكاب هذه الجريمة تنفيسًا عن احتقانها وتجدِّد تماسكَ لحمتها. وكبش الفداء، الذي يتم اختياره بحسب علامات صغرى (كالاختلاف في لون البشرة، أو عاهة طفيفة، إلخ)، يصير، بعد تقديمه قربانًا، نوعًا من الإله المكرس، تقوم الجماعة بتكرار إعدامه – شعائريّا هذه المرة – كلما ظهر عنفُ المحاكاة من جديد.
عند رينيه جيرار أنه في الأصل من كلِّ ثقافة توجد جريمة القتل المؤسِّسة التي تحصر عنف المحاكاة في اتجاه معين، بحيث إن جميع الأساطير تصير صدى لها. فهي، بهذه المثابة، حدث واقعي وليست البتة نسيجًا محبوكًا من الحكايات الخرافية. والجريمة الأصلية، إذ تتم"في اللاوعي"inconscience بضمير الغائب، يتم حجبُها في عناية، ولا يفكر أحد في اتهام نفسه حصرًا بارتكابها بما أنها تخص الجميع ومن شأنها أن تولد نتائج طيبة. إذ إن محاكاة الحسد ليست لها عواقب خطيرة وحسب: فهي التي تسمح كذلك، عبر"تصعيد"sublimation يضاهي مفهوم فرويد، بتطوير التربية وإزهار الثقافة والتحسين المستمر للفنون وشروط المعيشة.
كثيرًا ما يقول رينيه جيرار إنه اعتنق المسيحية فقط بفضل نشاطه الأنثروپولوجي الذي سمح له باكتشاف حقيقتها وجِدَّتها. فالمسيحية، على حد ما يذهب إليه، على كونها استمرارًا طبيعيًّا ومنطقيًّا للديانات الأضحوية القديمة، تطرح نقدًا لها وتحويلاً جذريًّا: فللمرة الأولى في التاريخ، بفضل من التضحية بالمسيح، تلاحمت الجماعةُ حول قربان ضحية تم الإقرار ببراءتها. فمنها فصاعدًا ينتهي غياب التبصر بردِّ الاعتبار إلى الضحايا جميعًا وبتولِّي كل فرد واعيًا مسؤوليةَ التحول إلى نفسه ليكتشف فيها جذور العنف ويكف عن الغلو في إسقاطه إلى الخارج.
نظرية أم إيديولوجيا؟

لم تكنِ نظرية جيرار، منذ طرحها في أوائل السبعينيات، تستثير النقد والمساجلات. صحيح أن نظريته مثيرة للاهتمام، ولا يسع المرء إلا أن يؤيده في رغبته في إعادة الاعتبار إلى الضحايا، لكن اتهامه بالوقوع في براثن الإيديولوجيا لا يخلو، في رأينا، من الصحة. أجل، إننا نجد بقايا للقرابين البشرية (ثم الحيوانية) في العديد من العبادات القديمة والأديان (بما فيها ما يسمَّى بالأديان"السماوية")؛ أجل، إن التنافس والصراع يهددان الجماعات البشرية كلها – لكن المقدس أو"الحَرام"le Sacré، في نظرنا، لا يجوز أن يُختزَل إلى مجرد دواء عنيف ناجع للعنف، ولا شيء غير ذلك.
الحَرام يولد من الشعور العميق الأصلي بأن"الأنا والأنت"(مارتن بوبر) ليسا بالانفصال الذي يبدوان عليه، على الرغم من افتراقهما الظاهر. إذ يوجد في الأساس من الدين شعورٌ بالوصال اللاموصوف، شعور بالدهشة البكر، بـ"المروِّع"(رودولف أوتو)، الذي هو أسُّ اختبار الحرَام. وفي مقابل مفهوم"البدل"أو"القرين"الجيراردي الذي ينفي ضمنًا أية إمكانية للتعالي transcendance، معطلاً بذلك وظيفة الدين الأساسية، يمكن لنا أن نطرح بديلاً المفهوم البوبري المثنى للعلاقة. يعرِّف مارتن بوبر بموقفين إنسانيين أو بنوعين من العلاقة الإنسانية: أنا–أنت وأنا–ذاك. النوع الأول – وهو ماهية العلاقة مع الحَرام – كلاَّني في صميمه ويعبَّر عنه من خلال التفاعل والاعتراف المتبادل (وليس المحاكاة)؛ أما علاقة أنا–ذاك فتصف البعد الموضوعي والوظيفي لسلوك الإنسان بوصفه حيوانًا اجتماعيًّا. الـ"ذاك"يُسمَّى ويعرَّف به، بينما الـ"أنت"يخاطَب (ولا يحاكى فحسب). وعند الفيلسوف الحصيدي المرموق أن إله الأديان هو الأنت المتفاعَل معه في الحياة اليومية وفي أعماق النفس:"كل أنت مخصوص هو لمحة من الأنت الأزلي.
من منظار آخر، فإن الأديان، على الرغم من جميع عيوبها، لم تعمل في سبيل تحويل"الشر اللاواعي"شعائريًّا وحسب، بل حاولت كذلك تفعيل الشعور بذلك"الخير"الأصلي الذي هو الصلة الخفية بين الأنا والأنت. فثيمات الموسيقى والرقص والعشق و"الفناء في المشاهدة"(ابن عربي) تبدو لنا مدونةً في سائر أساطير العالم التي لا تقتصر قطعًا على ثيمة"الجريمة الأصلية". والكائنات البشرية، حتى"البدائي"منها، لا تتواصل عبر الاشتراك في الجريمة وحسب، بل تحتفي أيضًا بشعائر"إيجابية"كبرى (الأكل والشرب والرقص والحب مثلاً)؛ وهي شعائر تشي بصراعات البشر (علاقة أنا–ذاك) بالمقدار نفسه، وربما بصورة أفضل، كما تشي بالوحدة الجوهرية التي تجمع بينهم فيما يتعدى التنافس والصراع (علاقة أنا–أنت). الاعتقاد الجيراردي بأن العنف هو أساس الإنسانية هو، فيما نرى، نوع من العدوى غير الواعية بإيديولوجيا"الخطيئة الأصلية"!
عن الحوار المتمدن