وداد الاورفه لي

وداد الاورفه لي

رفعة الجادرجي

منع الإسلام الرسم ، و غالب الفنون . و لم يظهر في الحضارة الإسلامية الرسم إلا بصيغ إعلامية في الكتب العلمية ، أو لتشير إلى حالات اجتماعية معينة. و كما لو تكن هذه الممارسة إلا في حالات نادرة خارج هيمنة بداوة الجزيرة العربية. بينما رافقت المنحوتات و الرسم الإنسان منذ حضاراته الأولى و البدائية. و عبرت تلك الرسوم و المنحوتات تعبيرا بليغا عن عاطفة الإنسان و تصوره إلى الظواهر الطبيعية و موقع وجوده فيها، و التعامل في معيشه معها.

 لقد ظهر من بين العراقيين الذين كانوا منتمين إلى الجيش العثماني رسامين و نحاتين، ربما كان أهمهم عبد القادر الرسام و فتحي صفوة النحات. لقد رسم هؤلاء المناظر الطبيعية التي جاءت بصيغ و تكنولوجية بدائية. و لا تبتعد أعمال هؤلاء حينذاك كثيرا عن كونها أعمال هواية بدائية، اذا ما قارناها مع ما كانت قد وصلت إليه أوربا منذ عدة قرون، و التي في الواقع لم تتوقف في أوربا منذ العهد الإغريقي، كما لم تتوقف في حضارات الشرق الأقصى منذ أن ظهرت قبل عشرات القرون.
مع ذلك الفت تلك الممارسات قاعدة الرسم و النحت في العراق، التي انطلقت بعد الاحتلال البريطاني للعراق في العشرينيات و بعد رجوع الفنانين إلى عراقهم.
فألفت هذه الانطلاقات خطوة مهمة للخروج من عالم محتبس من غير رسم تعرض له المجتمع العراقي لقرون عديدة.
فحينما تشكلت الحكومة العراقية تحت الإدارة البريطانية، تضمن نظام التدريس الابتدائي تعليم الرسم، فظهرت الحاجة إلى معلمين يقومون بهذه الوظيفة.
فأقدمت الحكومة العراقية على إرسال بعثات بهدف تعليم الرسم، و كان فائق حسن من بين أولهم، و لحقه عطا صبري و جواد سليم و حافظ الدروبي وغيرهم، و ذلك ليصبحوا معلمين في المدارس الابتدائية و الثانوية.
و كان من باب الصدفة ان بعضهم تجاوز هدف البعثة إلى أوربا، و ذلك بعد اطلاعهم على الفنون، كما كانت تمارس في معاهدها، فرجعوا إلى بغداد لا بكونهم معلمين فحسب، بل فنانون و مهتمون في تفهم الفن و ممارسته، فاستحدثوا للفنان مقامه في المجتمع العراقي، قبل الحرب العالمية الثانية.
من باب الصدفة ان بريطانيا احتلت العراق مرة أخرى، في أوائل الأربعينيات، و جاء مع جيشها فنانون جيدون، حيث تعرفوا على الفانين العراقيين،أدى إلى نقاش و جدل حول الفن الاتجاهات الفنية الحديثة. كما كان لهم تأثيرا مباشرا على حركة الفن في العراق، في إنهم جلبوا معهم مفاهيم الفنون الحديثة، فأطلع الفنان العراقي على كيفية ممارسة الفن، بل ما هو الفن في اوربا، و لم يقتصر على تدريسه في المعاهد فقط. و ما ان حل عقد الخمسينيات، حتى وجدت بغداد بأنها تمتلك فنانين متميزين يمارسون مختلف الاتجاهات الأوربية، حيث تجمعوا و ألفوا جماعات، اهتمت كل منها باتجاه فني معين.
و هكذا ظهر فن الرسم و النحت خارج جدار مدارس و معاهد التدريس ليأخذ موقعاً مهماً في المجتمع العراقي المتنور. و من هنا ظهر الفنان العراقي و ظهر معه مفهوم مقام الفنان في ثقافة المجتمع العراقي.
و قد تمثلت هذه الحركة الفنية في تجمعات و جماعات متعددة، من بينها جماعة «الرواد» و التي ضمت فائق حسن و محمود صبري و قتيبة الشيخ نوري و عيسى حنا و إسماعيل الشيخلي و غيرهم. اما المجموعة الثانية فهي «جماعة بغداد»، التي ضمت جواد سليم و شاكر حسن و نزار سليم و غيرهم. كما كان حافظ الدروبي يمثل جماعة الانطباعيين.
و ظهر في نهاية الخمسينيات و بداية الستينيات فنانون متميزون من بينهم: إسماعيل فتاح و هاشم سمرجي و كاظم حيدر و لورنا سليم و ضياء العزاوي و سعاد العطار و خالد الرحال و محمد غني، و غيرهم.
و الشيء المدهش في أعمال هؤلاء الفنانين أنهم لم يمارسوا أو يتأثروا بكثير من الاتجاهات الأوربية، كالانطباعية و التجريدية و الواقعية الاشتراكية فحسب، و إنما أقدم الكثير منهم و منح هذه التجارب طابعاً محلياً عراقياً، متأثرين بالفنون العراقية القديمة و حتى تلك البدائية الشعبية منها، مما جعلهم قادة في تكوين فكر الحداثة في مجال الفنون التشكيلية في العراق، و منحت هذه الحداثة خصوصية إلى الجماعة التي كانت تمارسها، و ذلك أسوة بما كان يحصل في الشعر و العمارة و غيرها من المجالات الفنية.
كانت لقاءات هؤلاء الفنانون لقاءات صاخبة أحياناً، يؤدي الجدل العنيف إلى خصومات بينهم. و كان الهدف من ذلك النقاش الذي لا ينتهي هو تحقيق تعبير محلي يقومون به خلال تجارب، أما لبعض الآخر فكان الهدف في الجدل و النقاش هو الاختلاف و الخصام، فيهيمن جو من الغضب تارة أو الفرح تارة أخرى، فتفتّر الشفاه عن الابتسام و الضحك ، أو التجهم و البكاء أحيانا أخرى.
في زاوية من هذه ملحمة التجارب و الابتكار التي كان يحققها هؤلاء، و هم في جدلهم و خصامهم، أحيانا بأصوات هادئة عقلانية، و أحيانا أخرى، او عند الآخر، هياج و أصوات صاخبة، لا تفهم منها شيء.
كانت وداد الاورفه لي تجلس و تلاحظ و تتأمل و ترسم، في زاوية بعيدة عن كل هذا بمفردها خارج الاتجاهات التي ظهرت في العراق. متفردة في خطوطها. لم ترسم المناظر و تمنحها سمات تجريدية او انطباعية و غيرها من الاتجاهات الأوربية، بل تفردت و ابتكرت مناظرها، مناظر لا يقبلها العقل، و لكن تستمتع بها حسياته. فهي بساتين مليئة بقبب فوقها نخل او نخل يحمل قبب، و بحريات تمتد و تصل إلى زرقة السماء لا يدعمها سوى عيطة/ نخلة شاهقة. لقد حقق العراق في فنون الرسم و النحت شجرة مليئة بالثمار، و لكن تدلى من تلك الشجرة غصنين، احدهما مثقل بثمار سعاد العطار، و الآخر يرفل بسرياليات وداد الاورفلي.
لكن أشجارها وداد الاورفه لي و بيوتها و قببها المطلة فوق النخيل، او نخيلا و أعشابا و إزهاراً مثقلة بحملها تحت قبب و دور، لا وجود لها في واقع الوجود، و إنما فقط في مخيلتها، التي حالما تنتقل إلى مخيلتنا حينما نشاهدها، و تظهر هذه القبب و النخيل بعلاقات و قياسات لا تتحدى الواقع فحسب، بل تتحدى سويا مخيلتنا و مخيلتها، إذا ما لم نقف أمامها و نتجاوز معها الواقع، و نستمتع بواقع لا وجود له. فجذع النخلة يخترق زرقة السماء أحيانا، و أخرى لا تعلو أكثر من الأعشاب الصغيرة التي تحتها.
فيمتزج النخيل عندها ليؤلف نخلة كبيرة تتفرد أحيانا و تستقل في عالم خاص بها.
فالنخل عندها يمتزج ليؤلف نخلة كبيرة، و أحيانا كل منها تستقل في عالم خاص بها و تتفرد به. و تتراقص الجوامع تحت مجموعة من النخيل، و تتراكم فوق بعضها البعض، مؤلفة ولاية صغيرة من مئات الجوامع و القبب، محاطة بمئات النخيل الكبير و الصغير منها، حتى تتلاشى في منمنمات لا يمكن تميزها في مخليتنا، أن كانت دور او جوامع او نخيل، منعكسة في واحات متشابكة داخلة بعضها البعض.
لقد حقق الفنانون العراقيون منذ الخمسينيات الكثير، و لكن تبقى وداد قابعة في جزيرة هادئة تتأمل و تحدثنا عن اللوحة اللاحقة في مخيلتها، و عندما نصغي إليها بإمعان، إنما نصغي و نرى لوحتين في آن واحد.

عن الفولدر الخاص باعمال الفنانة الأورفه لي