لقائي بعميد الغناء الريفي العراقي المرحوم حضيري أبو عزيز

لقائي بعميد الغناء الريفي العراقي المرحوم حضيري أبو عزيز

د . عدنان جواد الطعمة
إحتضن العراق منذ آلاف السنين و في هذا العصر آلاف الأدباء و الشعراء والفنانين و المطربين و المطربات . وكان من ضمن نجوم الغناء و الطرب اللامعة المرحوم حضيري أبو عزيزالذي سطع نجمه و ذاع صيته ليس في العراق الحبيب فحسب ، بل وفي سائر الدول العربية الشقيقة لأدائه الأغاني بصوت شجي صداح توغل إلى قلوب المستمعين صغارا وكبارا .

كان صوته العذب يرن في الأرياف و البوادي فيملأها سحرا و إيقاعا .
لقد عشت تجربة حية مع حضيري أبي عزيز و بقية المطربين و المطربات في ليلة قمراء صيف عام 1959 و كان عمري آنذاك 18 سنة . سكنت مع شقيقي الأكبر الدكتور صالح جواد الطعمة حفظه الله ، الذي استأجر بيتا في منطقة أو محلة الوزيرية من أبي رعد صاحب موبيليات أبو رعد في محلة الحيدرخانة و الميدان في شارع الرشيد ببغداد .
كان أبو رعد يمتلك بيتين أحدهما بجانب الآخر . وذات يوم جاء أبو رعد إلى شقيقي الأكبر و رجاه بأن يوافق على هدم الجدار أو الحائط الذي يفصل بين الحديقتين الكبيرتين لأنه أراد أن يقيم حفلة غنائية بمناسبة ختان إبنه رعد ، ثم وعد أخي بأنه سيعيد بناء الجدار في أقل من أسبوع ودعانا لحضور الحفلة ، فوافق أخي على ذلك .
ذهبت بصحبة شقيقي إلى الحفلة في الموعد المحدد التي ابتدأت من الساعة الثامنة مساءا وانتهت بعد منتصف الليل ، حيث تناولنا وجبة العشاء مع الضيوف و المطربين و المطربات .
بدأ المطربون و المطربات بالغناء ، وكنا جالسين بالقرب من منصة أو مسرح الغناء على بعد مترين أو ثلاثة . و بعد التقديم الرائع صعد حضيري أبو عزيز إلى المنصة و بدأ بغناء أبيات الأبوذية قبل كل أغنية و شاهدت دموع حضيري أبي عزيز تسيل على خديه عندما غنى الأغاني :
عاين يا دكتور إلحالي يا دكتور والروح ما تحمل بعد لا سكم و لا جور،
و أغنية :
ظنيت ما أحبك ؟ لا والنبي لا لا كلبي أحن من كلبك ؟ لا والنبي لا لا ،
وأغنية :
أرد اشتكي لاهل الهوى حالتي واحچيلهم بما جرت قصتي ،
و أغنية :
مني الولف راح و شلون أرتاح سد باب كلبي ويلي او ضيع المفتاح ،
و أغنية :
تكـرب واسمع الدكة أو أنطي للـكـلب حكـه ،
و أغنية :
ضاع التعب ضاع وياهم إبساع .
و أغنية :
عمي يا بياع الورد كلی الورد بيش كلي ،
و أغنية :
جاني إلي مكتوب جاني جاني إمن المحبوب جاني ،
و أغنية :
سلم علي بطرف عينه او حاجبه أدى التحية او زين يعرف واجبه وغيرها.
والجدير بالذكر أن حضيري أبو عزيز كان يعالج القضايا الإجتماعية و التوعية و الإرشاد في أغانيه فمثلا أغنية : " عمي يابو التموين مشي العريضه " كانت تشير إلى الأزمة الإقتصادية التي مر بها العراق لنقص المواد الغذائية الرئيسية كالسكر و الشاي و الرز و الطحين و الزيت الأمر الذي أدى إلى قيام الحكومة العراقية بتوزيع بطاقات تأمين الغذاء لكل عائلة.
أن أغنية " فوق فوق عالرصيف إصعد فوك عالرصيف " كانت موجهة إلى الأطفال و الصبيان بعدم السير في وسط الشارع بل على الرصيف تجنبا لوقوع حوادث المرور
و الدهس .
كانت تلك الأمسية من أجمل الأمسيات الخالدة التي عشتها حية قريبة من المطربين و المطربات في حياتي .
و بالجدير بالذكر ومن الصدف الجميلة سافرت إلى بون في شهر شباط / فبراير عام 1997 للحصول على تأشيرة الدخول
( الفيزا ) قبيل سفري إلى أبها البهية حيث زرت معالي السفير الأسبق للمملكة العربية السعودية في ألمانيا الذي رحب بي ترحيبا حارا و أهديت لسعادته بعض مؤلفاتي و من ضمنها كان كتابي : نبض الوجدان – أغاني عراقية لأشهر المطربين و المطربات .
تصفح السيد السفير هذا الكتاب و بعد أن قرأ إسم المطرب حضيري أبو عزيز إبتسم و قال لي :
" كان البدو عندما يذهبون إلى المدن السعودية لبيع و شراء البضائع يشترون أجهزة الراديو مع البطارية . وكنت جالسا في أحد المحلات التجارية جاء رجل و طلب شراء راديو ، وقال للبائع :
أريد جهاز راديو يذيع فقط أغاني حضيري أبو عزيز ، وإلا لا أشتريه".
يتضح لنا كيف كان جمهور البلاد العربية طيب القلب بسيطا على سجيته يتابع أغاني حضيري أبو عزيز في الصحارى و الوديان و الأرياف و المدن .

عن موقع الحوار المتمدن