(بائع الورد) حضيري ابو عزيز

(بائع الورد) حضيري ابو عزيز

علي عبد الأمير
ابرز ملامح التجربة الفنية للرائد صاحب « الورد « ولصاحبة اجمل صوت نسائي صاغ مشاعر فتيات المدينة العراقية ، وبغداد تحديدا ايام تطلعها الى مستقبل مالبث ان انتهى مواسم حروب وموت مع احكام القسوة والعنف ، سيطرتها على الحياة في العراق .


 لطالما كانت اغنية « عمي يا بياع الورد « سفيرة الروح العراقية الى البلدان العربية ، وهي بشكلها « السهل الممتنع» في كلماتها ولحنها ، كانت قادرة على ان  تؤنس الارواح لما فيها من صدق وعفوية ، بل انها طغت على ماسواها من اغاني الورد مثل «الورد جميل»  و»يابدع الورد ياجمال الورد «، واغنية «انا ليلي ونهاري مشغولة بازهاري»، وصارت لاحقا رمزا لملمح  جميل: « الورد الجوري « العراقي.
وكانت صاحب الأغنية هو المطرب حضيري ابو عزيز المولود في العام 1909 و الذي تأثر في طفولته بمن سبقوه  من مطربي الريف مثل «ملا جادر» و»غريري «. وعرف «ابو عزيز» بحلاوة الصوت وجلائه ونقائه، وارتحل الى مدينة الناصرية ليعمل مع ابن خاله في محل للخياطة ، غيران الخياطة لم تحقق له مبتغاه ، فانتمى الى شرطة الخيالة  بصفة» شرطي سائس» ، وكان يردد الاغاني الشائعة في تلك المرحلة خلال نوبات عمله ، مما جلب انتباه زملائه من الشرطة وعلى رأسهم مدير المركز فأرسل بطلبه قائلا له : «ياحضيري ان وزارة التربية في بغداد والمسؤولة عن اذاعة بغداد تطلب اصواتا ريفية جميلة فلماذا لاتذهب الى بغداد وتغني هناك ؟» . وجد حضيري في تلك الدعوة  « فرصة لتحقيق امنية النفس العزيزة».
وعند افتتاح اذاعة بغداد سنة 1936 كان صوت  ابو عزيز (حضيري  حسن إرهيف) من الاصوات الاولى التي انطلقت من تلك الاذاعة، فيما تكونت لجنة القبول من عدد من اعلام الغناء في العراق بينهم : رشيد القندرجي وسيد جميل البغدادي وافراد الجالغي البغدادي . وتكاد تجمع الصحف الصادرة في بغداد تلك الحقبة ، على ان انطلاقة ابو عزيز ،تؤرخ كبداية لظهور الغناء الريفي في العاصمة .
المطرب الريفي ناصر حكيم كان قد سبق حضيري في الوصول الى اوساط الموسيقى والغناء في بغداد ، و دعا حضيري الى مقهاه في منطقة «علاوي الحلة «التي كانت مركزا لتجمع مطربي الريف وقتذاك - حيث كان يتردد على هذا المقهى الكثير من المطربين مثل عبد الامير الطويرجاوى وجخير سلطان والسيد محمد وعبادي العماري وحسن داود .وهناك توالت طلبات شركات التسجيل على مطربي الريف مثل شركة «كولومبيا» و «راديون» و»بيضافون» وسجلت لهم الكثير من الاسطوانات التي ساعدت على رواج غنائهم وانتشاره في العراق و البلدان العربية ، الامر الذي دعا الاذاعة العراقية لتخصيص حفلة اسبوعية لمدة نصف ساعة لبث اغانيهم عبر المذياع على الهواء مباشرة يوم لم تكن لاذاعة بغداد اجهزة تسجيل وكان ان ضاع الكثير من ابداع هؤلاء الرواد في  الغناء الريفي ، وكان حضور ابو عزيز الى الاذاعة ، سببا لتجمهر المعجبين قرب باب الاذاعة لتحيته وابداء آيات الاعجاب بالفنان القدير الذي استحوذ على اعجابهم ، ونال منهم الثناء والتقدير.
ومن اغاني ابو عزيز التي ظلت ترددها الأسماع حتى الان :» حمام يلي»، « ياعنيد يايابا «، «هلي يظلام» ،»عاين يادكتور» وعشرات الاغاني الشجية التي تجد فيها النفوس  راحة أثيرة ، ومن بينها نفوس افراد الجيش العراقي في فلسطين العام  1948 حين اشترك مع عدد من المطربين والممثلين العراقيين  في الحفلات التي كانت تقام للترفيه عن الجنود، وكان بصحبته المطرب الكردي علي سرحان وناصر حكيم وناظم الغزالي وعزيز علي وفاضل رشيد وحسين علي و «فرقة الزبانية» المؤلفة من الفنانين الراحلين الحاج ناجي الراوي وحامد الاطرقجي وحميد المحل وجميل الخاصكي وسواهم.  
وفي خمسينات  القرن الماضي سافر صاحب « الورد « الى بيروت ، للتعرف الذائقة اللبنانية الى نمط غنائي جديد ، الى غناء الريف العراقي الذي استطاع، رغم محليته الثقافية والإجتماعية، من ان يكتسح مسارح الغناء في بيروت ، وسارعت نجمات الغناء اللبناني الى ثنائيات تجمعهن بأبي عزيز الذي حصد النجاح ذاته في القاهرة . وكان لـ» فصاحة» الحان جميل بشير وخضير الشبلي تأثيرها في مغالبة نمط من الصعوبة تصاحب عادة التلقي العربي للغناء العراقي ، والريفي منه على وجه التحديد .
  وضع ابو عزيز اغلب الحان اغيلته على الرغم من كونه «مطربا فطريا» لم يدخل معاهد الفن ومدارسه، اجاد معظم الاطوار الغنائية الريفية المستقاة من نهر «المقام العراقي»  مثل «الشطراوي والمحمداوي والمثكل والصنداكي والحياوي والغافلي والحسيني والصبّي والمجراوي والملائي «، اضافة الى «الفراكيات والابوذيات» وله اجادة متميزة في لون «غناءالمربّع» المعروف بأسم المربع البغدادي بايقاعاته واشطره الشعرية .
وفي نهاية ستينات القرن الماضي ، تمكنت الشيخوخة  من مطرب الورد ، فيما اخذت تظهر ملامح جيل جديد في غناء الريف العراقي ، وظهر مغنون  جدد : عبد محمد  وعبد الجبار الدراجي وجواد وادي وعبد الواحد جمعة وعبد الصاحب شراد وشهيد كريم وعبد الامير محمد ومجيد الفراتي وسلمان المنكوب وغيرهم . ولعل المطرب الراحل ستار جبار  كان خير مقلدي حضيري ابو عزيز على كثرتهم ولكن جبار  كان اكثرهم قربا من صوته وروحية ادائه .
 واذا كان  الرائد الغنائي ابو عزيز قد رحل الى دار البقاء والخلود اوائل سبعينات القرن الماضي  ، فانه خلّف ثروة غنائية ستظل مصدر متعة للاجيال القادمة ،ثروة معطرة «بالورد الجوري»  العراقي .