اخر ساعة مع شكري القوتلي في داره بجنيف

اخر ساعة مع شكري القوتلي في داره بجنيف

بقلم الدكتور محمود عزمي
على مقربة من"قصر الامم"– مقر عصبة الامم الغابرة ودار المركز الاوروبي"للامم المتحدة" - وعن طريق متحف"اريانا"والهيئة الدولية للصليب الاحمر، بضاحية "جران سوكونيه والملاصقة لضاحية "برني" التي يقيم فيها ملك البلجيكيين ليويولد الثالث وهما من ضواحي جنيف الواقعة على الشاطئ الغربي من شواطئ بحيرة"ليمان"ينزل السيد شكري القوتلي في دار مستقلة فسيحة الارجاء وسط حديقة مترامية الاطراف باسقة الاشجار.

هرولت الى زيارته بمجرد ان عرفت مقامه – وكنت قد بحثت عنه من قبل فلم اوفق – فسرني السرور كله ان لقيته – وكان لقائي الاخير له بمستشفى"المزة"بجوار دمشق معتقلا – موفور الصحة طلق المحيا هانئا بالتفاف السيدة  زوجه الفضلى وكريماته المهذبات ونجليه النجيبين حوله وبالتحدث الى عظيم من عظماء بيوتات الشام واثنين من الشباب الدمشقي.
سرني تمتعه بالعافية ودلني على تمامها تناوله الطعام معنا من جميع الالوان التي تفضل بتقديمها الينا ساعة الغداء، لقمة الملكة، على حد معرفتي"بوشي الارين"، وسمك البحيرة، والدجاج والخضار، والسلاطة، والفطير، والفاكهة، بعد ان كنت قد سمعت منه في معتقله انه لا يتناول غير البطاطس المسلوقة، كما طمأنني ما علمت من ان اطباء جنيف قد وجدوا ان ليس في معدته قرحة على حد ما كان يحسب وهو في دمشق، بل قرروا ان مرد اعتلاله انما هو الاجهاد العصبي وحده. فما ان نزل في سويسرا حتى انتظم نومه واقبل على الطعام دون قيد ودون احساس بتعب.
وجرى بيننا الحديث، فكان استئنافا – لكن في حرية مطلقة هذه المرة – لذلك الحديث المقتضب الذي تبادلنا عباراته المعمقة في حجرة المستشفى العسكري بحضور"محسن البرازي"واثنين من ضباط الجيش السوري، افضيت اليه بقلقي من طريقة اجابته هناك على سؤالي الخاص باستقالته، وادليت بما كان محسن البرازي قد أسرّ إلي من قبل ان تركب سيارة"الزعيم"من مقر القيادة العامة الى مستشفى المزة، اذ قال:"انا لا اعرف الظرف الذي وقع فيه شكري بك استقالته، لكني احسب انه كان هناك تهديد"!
واضفت ان المسألة لا تزال غامضة عندي حتى اليوم، وسألت:"هل وقع حقيقة تهديد عليك"؟ فاجاب شكري بك:"نعم، وان اقل عدد للمرات التي كان يسألها (يعني الزعيم) تليفونيا عن توقيعي الاستقالة انما هي عشر مرات في اليوم الواحد!".
وجاءت سيرة الانقلاب السوري الثاني، فاعربت عن دهشتي اذ قرأت بين انبائه ان الزعيم سامي الحناوي وان العقيد بهيج الكلاس وان السيد اكرم الحوراني هم من ابطاله بينما كانوا ايام زرت دمشق لمناسبة الانقلاب الاول ابرز انصار حسني الزعيم بل اقوى سواعده. فقال شكري بك:"انه كان قد اقصاهم! ومن يعرفه يعرف ان خطته كانت هي خطة عصر الليمونة وإلقاء قشرها.
وسألت عن قصة"إنقاص المرتبات في الجيش والاقلال من عدد الضباط"التي قيل انها كانت الدافع للانقلاب الاول... فقال شكري بك ان حقيقتها ان الزعيم افضى الي بخوفه من ان يتم ذلك عن طريق تخفيض الميزانية – فاعربت له عن معارضتي لمثل هذا الاجراء، واستدعيت وزير المالية وحدثته بهذا الخصوص بحضور حسني الزعيم نفسه، فابدى وزير المالية ما يراه من اعتبارات تستدعي في نظره تعديل الميزانية، فعارضت في ان يكون هذا التعديل عن طريق المساس بالجيش وعدده ومرتبات ضباطه والتمس حسني الزعيم نفسه ان يحتفظ بميزانية الجيش"ولو لثلاثة اشهر فقط"، فعارضت في هذا الالتماس واصررت على ان تظل الاعتمادات على ما هي عليها دون مساس بانقاص لا"لثلاثة اشهر فقط"،، بل طالما ظلت حالة الحرب في فلسطين مهما يبلغ المدى. ونزل وزير المالية عند اصراري، وتقدم حسني الزعيم لي بجزيل الشكر وعظيم العرفان..
على ان شكري بك يعقب على ذلك بقوله ان تلك صفحة قد طويت وان الاشخاص كلهم زائلون، والامم وحدها هي الباقية، وكل ما ارجوه هو ان يكتب التوفيق لسوريا وللامم العربية جميعها، واذا كنا نحن الشيوخ قد اتممنا دورنا في الجهاد من اجل بلادنا فان الآمال كلها معقودة على الشاب الذي اطمئن الاطمئنان كله الى انه سيؤدي رسالته للنهوض بالبلاد خير الاداء ولقد تسلم الحكم الوطني في سوريا الجامعة السورية وبها ثلاث مئة وتسعون طالبا، فبلغ عدد طلبتها اليوم ألفين وثلاث مئة وتسعين.
وهو الى هذا يذكر الذين يتولون الوزارة الجديدة في سوريا بالخير ويرجو لهم كل توفيق.


آخر ساعة/  آب- 1949