من القصور الى خشبة المسرح

من القصور الى خشبة المسرح

في عام 1944 رأيته على مسرح دار الاوبرا.. يمثل مع فرقة من الهواة ولفت نظري اليه انه كان ادق افراد الفريق استذكارا لدوره، واحرصهم على الحضور في مواعيد التدريبات التي تسبق تمثيل المسرحية.. ولفت نظري مرة اخرى، حين سمعت من الاستاذ سليمان بك نجيب انه، هذا الشاب اليافع، يريد ان يتم دراسته في الاداب لكي يدرس المسرح..

 انه يريد ان يكون ممثلا محترفا.
وفي العام الماضي جاءت الى مصر فرقة الكوميدي الفرنسية، وكان بين افرادها الممثلة الكبيرة مارسيل جينيا، التي وفدت مع الفرقة لتمثل دوراً واحدا في رواية واحدة.
وجمعتني الظروف بالممثلة الكبيرة في مأدبة غداء ووقفت استمع مع الموجودين للممثلة وهي تتحدث بحماسة عن الشاب المصري، الذي نجح نجاحا باهرا، واتم دراسته في كونسرفتوار المسرح، ومثل بنجاح ادوارا رئيسية، كان امامه فيها فريق من ابطال وبطلات المسرح الفرنسي.. كانت تتحدث عنه بحماسة واعجاب، وتعلق عليه آمالا كبارا للمسرح.
ثم سافرت الى فرنسا هذا العام.. وفي ركن من اركان مقهى صغير، التقيت بالشاب الذي مثل منذ سبعة اعوام مع فرقة هواة على مسرح الاوبرا.. التقيت به فاخذ يحدثني عما فعل.
لقد ترك مصر في عام 1946، وسافر الى باريس حيث التحق بمعهد التمثيل Las Vicax Colombiars فقضى فيه مدة الدراسة ثلاثة اعوام، وفي العام الثاني من دراسته، استطاع ان يشترك في تمثيل ادوار رئيسية في عدد من المسرحيات، وتحدث عن اكثر من ناقد، مشيرين الى مواهبه.. ثم كان الامتحان النهائي للمعهد، فنجح ونال جائزة اولى.. وبعد ذلك خرج الى الحياة العملية.. فاشترك في التمثيل على المسرح وعلى الشاشة.. وفي العام الماضي رآه الممثل المعروف جان مارشا في احدى المسرحيات فاعجب به وقابله مقابلة حارة عرض عليه فيها ان يمثل معه في بعض مسرحياته..
هذا هو حديث قصة الفتى في المسرح اما قصته في الحياة.. فتبدأ باسمه.. انه جميل راتب.. ابن السيد ابو بكر راتب. والسيدة نايك سلطان.. كان يستطيع ان يعيش عيشة العشرات من ابناء القصور في سلام.. او يتجه بدراسته الى مهنة تلائم حياة الترف والأبهة.. بل كان يستطيع ان يسافر ليدرس حياة التمثيل دراسة ابناء الذوات..
لكن جميل سافر الى باريس كطالب.. لم ينزل في دار اسرته الانيقة بعاصمة فرنسا، وانما لجأ الى فندق متواضع من فنادق الطلاب.. ولم يقتن سيارة وانما حمل في جيبه ابونيه المترو، في الدرجة الثانية ككل الطلاب.. ينتقل به من معهد التمثيل الى المسرح الى المكتبة الاهلية..
لقد نجح الشاب الذي مثل هاويا على مسرح الاوبرا في عام 1944.. نجح في ان يجعل من نفسه الشخص الذي يريد ان يكون ممثلا فصعد في السلم درجة درجة.. ولم يأخذ المسرح هواية متعطل.. وانما دراسة طالب.. ومهنة تحتاج الى المثابرة والتحصيل.
ان جميل راتب سيعتلي خشبة مسرح دار الاوبرا مرة ثانية.. ولكنه لن يعتليها هاويا مغموراً.. انه سيرتقيها هذه المرة، في رواية الافتتاح للموسم الكوميدي الفرنسي  في منتصف ديسمبر، في دور الفتى الاول، امام جان مارشا نفسه.
لقد احس جميل بفخر حين صفق له الجمهور في باريس، لكنه يقول دائما:
- ان التصفيق الذي أصبو اليه هو تصفيق إخوتي في الوطن، والاعجاب الذي سيملأُني زهوا، هو اعجاب مواطنيّ.. حينذاك فقط، سأحس بأنني فعلت شيئاً لوطني.

آخر ساعة/ تشرين الثاني- 1951