المرأة في حياة رجال اوربا الاربعة

المرأة في حياة رجال اوربا الاربعة

تفادى العالم أهوال الحرب فترة من الزمان، بفضل اربعة رجال اخذتهم الشفقة على شعوبهم، فهلل لهم الناس في ارجاء الارض كلها، واسبغوا عليهم صفات الحكمة والبطولة والانسانية.
وتناسوا ان وراء هؤلاء اربع نساء: وجهت احداهن"تشمبران"وجهة النيل والخير، وملأت الاخرى قلب"دلاريه"بعاطفة البر والرحمة وودت الثالثة لو ان"موسوليني"رجح كفة السلم على كفة الحرب، وخففت الرابعة من غلو"هتلر"واعتداده بنفسه.. فلنذكر اولئك البطلات المجهولات بهذه الكلمة الموجزة.

 
1- تشمبرلن
كانت فتيات الهايلايف في برمنجهام يتطلعن جميعا الى تشمبرلن.. ولكن اتى اوستن تشمبرلن لاخيه نيفل تشمبرلن،فأوستن شاب انيق في حديثه قدر ماهو انيق في مظهره ويداعب هذه بكلمة رقيقة ويحنو على يد تلك بكل احتشام، ويبدو دائما باسم الثغر مرح النفس.. وهو في هذا يبشر بمستقبل مجيد يخلف فيه اباه العظيم، الذي وجهه شطر السياسة اذ لمح فيه براعة السياسيين ودهائهم، بينما صرف اخاه الى التجارة اذ كان هادئا وادعا لا يرجى له النجاح في ميدان الخديعة والمفاضلة.
ولكن فتاة واحدة كانت توجه كل بالها الى نيفل، ولا تنظر الى اوستن ولو بطرف عينها، فقد كانت كصاحبها هادئة النفس وادعة الخلق، منصرفة الى عملها... فاحب كل منهما الآخر وضمتهما الحياة الزوجية السعيدة.
ثم يلعب القدر دوره، فيأبى ان يتولى اوستن السياسي البارع رياسة الوزارة، بينما يتاح هذا المنصب لنيفل الذي ظل مبتعدا عن ميدان السياسة الى عهد قريب فلم يدخل البرلمان الا بعد ان جاوز سن الخمسين!!
ومسز تشمبرلن زوجة"مثالية"، اذ تعتقد ان مهمتها الاولى ان تتيح لزوجها جوا من راحة البال ورضا النفس، يقوى فيه على حمل اعباء السياسة الثقال. وهي تعمل في منزلها كما تعمل اي زوجة فقيرة فتعد له بيدها طعام الافطار، وتعنى"بسناراته"الكثيرة فهو من هواة صيد الاسماك، وتتولى اطعام سرب العصافير الذي يحتفظ به في حديقة"دوتنج ستريت"ليلهو بمداعبته كلما اجهده العمل والتفكير ولكنها لا تكتفي بان تكون"ربة بيت"مدبرة مخلصة فحسب، بل تشغل مكانة عالية في الحياة الاجتماعية، وتساهم بنصيب وافر في الحياة السياسية، كما انها تعقد كل اسبوع"مجلس وزراء نسائي"يتألف من زوجات اعضاء الوزارة.. وما من شك في ان لهذا المجلس نفوذه العظيم في توجيه دفة الشؤون السياسية، فان كثيرا من آراء الوزراء ومشاريع السياسيين هي صدى ما تراه وتقترحه زوجاتهم في اجتماعهن هذا ولا ادل على هذا من انه حين يتعقد الموقف الدولي، واخذت مجالس الوزراء توالي اجتماعاتها، كان هذا المجلس النسائي ينعقد ويتباحث ويتشاور كل يوم بلا انقطاع ليوحي الى وزراء بريطانيا وساستها بالخطة التي ينبغي اتباعها.. فاذا كانت بريطانيا قد انقذت العالم من حرب ضروس، فلنذكر ان كثيرا من الفضل يرجع الى زوجات وزرائها وعلى رأسهن مسز تشمبرلن – تلك السيدة الحنون التي جثت في كنيسة سانت بول تبتهل الى الله بصوت ينهدج ويجيش ان ينقذ الانسانية مما يراد بها، ثم خرجت تحثّ زوجها الشيخ المريض على ان يطير الى هتلر المتحفز المتوثب، ليحاول ان يدرأ خطر الحرب عن العالم.
2-  موسوليني
منذ اربعين عاما كانت"راشيل جويدي"صبية حافية القدمين، فقيرة الثياب تحمل على رأسها سلة من الخبز تجوب بها الاسواق،اذ كان ابوها رجلا معدما بائسا، ولم يكن الشاب"بنيتو موسوليني"احسن منها حالا فقد كان ابوه حدادا فقيرا، ثم اغلق دكانه وفتح مطعما صغيرا استخدم فيه"راشيل"للطهي والتنظيف...
وفي ركن من اركان ذلك المطعم تعرفت راشيل الى موسوليني حين عاد الى قريته بعد اداء فترة التدريب العسكري.. واخذا يخلوان معا يتناولان اطراف الحديث، ثم يتبادلان كلمات المغازلة. فلما لاحظ ابوه تلك"الخلوات"نصح الفتاة قائلا:
- اني اريد ان انصحك نصيحة ابوية مخلصة.. وهي ان تطردي فكرة الاقتران بابني فانك لن تذوقي معه طعم الراحة.
والواقع ان موسوليني حينذاك كان ثائرا متمردا فوضويا، تنبئ مشاريعه واعماله بان طريقه في الحياة سيكون محفوفا بأشد الاخطار والاهوال، ولكن"راشيل"تزوجته على الرغم من نصيحة والده.
وافترق موسوليني عن ابيه وهاجر بزوجته الى ميلانو، حيث استأجر"شقة"من حجرتين اثنتين هي التي ولدت فيها ابنته"ايدا"وراحت الحكومة تطارد موسوليني الثائر فلاذ بالفرار الى سويسرا حيث اشتغل بناء بينما ظلت زوجته مع ابنتها في ايطاليا تقاسي الوحدة والفقر والهوان، الى ان عاد موسوليني الى وطنه سنة 1914، وانجبت له حينذاك ولديه برونو وفيتريو في نفس تلك"الشقة"الضيقة المنزوية.
وجاءت سنة 1922 وصار بيت موسوليني مجمع زعماء الفاشستية المتأهبين للزحف على روما والاستيلاء على حكومتها، ولكن"راشيل"لم يكن يلذ لها ان تجلس معهم لترى ما يرسمون من خطط ويضعون من برامج، فقد كانت منصرفة اكثر يومها الى عملها في"المطبخ"حيث نشأت ودرجت وماذا يعنيها من هذا؟ فان كل ما كسبته بعد ان استولى زوجها على روما وصار حاكم ايطاليا المطلق هو انه نقلها من الحجرتين الضيقتين الى"شقة"مؤلفة من اربع حجرات!
واخذ موسوليني يكيفها حسب البيئة الجديدة التي انتقلا اليها، فاخذ يعلمها بنفسه مبادئ التاريخ والجغرافيا والحساب، التي راحت بدورها تلقنها لولديها الصغيرين.. ولكن لم يلبث ان افترق عنها اربع سنوات متواصلة لم يرها فيها مطلقا.. فقد تركها في ميلانو وذهب بمفرده الى روما ليتفرغ الى انشاء دولته وتدعيم سلطته ومكافحة خصومه وحتى اذا استتب له الامر انسل ذات يوم الى ميلانو ودخل فجأة على زوجته التي كانت ما تزال في"شقتها"المتواضعة منصرفة الى اولادها و"مطبخها".. على ان"راشيل"سرعان ما تكيفت حسب الوسط الجديد، فشعرها الذهبي المتوهج مقصوص وفق اخر طراز وملابسها الانيقة مثال تحتذيه سيدات الطبقة الراقية وهي في حديثها ولباقتها وثقافتها سيدة مجتمع من الطبقة الاولى.
وهي – ككل ام – تكره الحرب وتمقتها ولكن"الامومة"شيء و"الفاشستية"شيء آخر!
3- دلادييه
لعل نفوذ المرأة الحبيبة المخلصة لا يبدو في حياتها بالغا عميقا كما يبدو بعد مماتها..!
فاذا كان تشمبرن يستوحي زوجته كثيرا من آرائه وبرامجه، واذا كان موسوليني متفرغا الى مشاريعه الهائلة بفضل مؤازرة زوجته واخلاصها، فان دلادييه وهتلر يستوحيان في كثير من اعمالهما روحي امرأتين واراهما التراب منذ سنوات.. فما برح دلادييه يذكر في كل آونة زوجته الوفية التي شاركته سني الكفاح السياسي العنيف، وواسته في الساعات العصيبة التي طالما المت به، وهيأت له مع هذا منزلا وادعا هانئا يجد فيه الراحة والطمأنينة، وتولت بنفسها تربية اولاده وتنشئتهم.. ثم ماتت اخيرا وحيدة منفردة في احد المستشفيات بعد ان اوصت بالا يبلغ خبر وفاتها الى اطفالها، فيفاجأوا بكارثة لا قبل لهم بها..
فلعل قلب دلادييه الذي اظهرته الحوادث الاخيرة حافلا بعواطف الخير والسلام، مدينا بكثير من نبله وبره ورأفته الى تلك الزوجة التي طالما اخلصت له الحب، والتي تركت وفاتها في نفسه ابلغ الذكريات فجعلته يرتجف حينما يذكر مآسي الموت، وجنحت به الى ترجيح كفة السلم والحياة على كفة الحرب والفناء.
4- هتلر
هل احب هتللر، نعم، نفذ الحب الى قلبه مرة واحدة، ولكن ما من احد سواه يعلم شيئا عن هذه التي احبها، سوى ان جدثها يرقد الآن في قبر مجهول بمدينة فيينا.
فيحنما زحفت جيوشه الى النمسا ودخل عاصمتها فيينا شهد جنوده منظرا غريبا.. اذ حشدهم في ميدان فسيح على مقربة من مدافن المدينة ثم خرج من عربته وتقدم الى بائع ازهار فاشترى منه باقة من الباقات العادية المتواضعة، ثم سار بمفرده الى تلك المدافن حيث وقف هنيهة امام احد قبورها. ووضع تلك الباقة الصغيرة في خشوع وامتثال..
ما من احد يعرف ذلك القبر، فقد ذهب اليه بمفرده، ووضع عليه باقة لا تفترق عن آلاف الباقات المنثورة على شتى القبور.. ولكن ما من شك في ان هذا القبر يضم رفات عزيز احبه هتلر، وما من شك في ان هذه الوقفة الرهيبة قد غمرت قلب هتلر باعمق المشاعر.. فلعله قال حينذاك:
- ما اقسى الحرب وما افظعها، حين تكلم ملايين الافئدة وتدميها، اذ تفرق بين القلوب المتآلفة وتضرب بين الارواح المتوادة وتجعل ملايين البشر يقاسون طول العمر ما اقاسي الآن، ويعانون مدى الحياة ما اعاني في هذه الساعة!المصور/ كانون الأول- 1932