سالم حسين ... الموسيقي الشاعر والمؤرخ

سالم حسين ... الموسيقي الشاعر والمؤرخ

موفق السامرائي
من يعرف الفنان الكبير سالم حسين عن كثب تغيب عنه صورة ذلك الموسيقي الذي وقف أمام أساتذة الطرب العراقي ليكون دليلهم على نغمات أوتار آلة القانون وهم يرددون أغانيهم التي عرفوا بها. فهو فنان متعدد المواهب كونه موسيقى وعازف وهو شاعر قبل ان يشتهر ملحنا وعازفا وباحثا سبر أغوار تاريخ الموسيقى البابلية والسومرية قبل ان يكون ناقدا موسيقيا.

 

في سوق الشيوخ إحدى مدن محافظة ذي قار جنوبي العراق ولد عام 1923 وترعرع ونشأ فيها. وتغذى على ثقافتها القروية وبساطة أهلها وعلى شواطئ هور الحمّار والفرات الخالد وبساتين مدينته ومجالسها ومزارع القصب والبردي وعثوق النخيل وجمال القرويات و تغريد البلابل التي تفردت بها سوق الشيوخ وعلى ضفاف الصفحات التاريخية لدولة البحر من أيام دولة أور وسومر تتحرك فيه نوازع الفن والشعر وهو صبي في المدرسة الابتدائية يقرأ أمام الطلبة والمعلمين والسامعين بصوته الرخيم أناشيد الوطن والطبيعة.
ثم ينتقل الى بغداد لتنمو فيه روح الفن و تتسع دوائرها وينتمي الى معهد الفنون الجميلة ليتخرج موسيقيا ناضجا ملحنا وليس مغنيا ليصبح ظاهرة فنية في العراق وخارجه. في سورية ومصر ولبنان و كل أطراف الوطن العربي وفي عواصم الغرب قدم سالم حسين أعذب ألحانه الى الفن العربي بحناجر سورية ولبنانية و مصرية وعراقية مخترقا الحدود المرسومة على الخارطة العربية.
وفي رحلة العمر يضع الفنان سالم حسين علامات بارزة ومضيئة من إبداعاته. كتب عنها الكثير في الصحف والمجلات وأذيع عنها الكثير في التلفزة والإذاعة. وكرم عبر مسيرته من مؤسسات أدبية وفنية وشعبية و حكومية ونال لقب بروفيسور في الموسيقى من جامعة (فرانزليست) في بوداست واستضافته العديد من الدول العربية والغربية لإلقاء محاضراته الموسيقية والغنائية طلبت ام كلثوم منه عندما كان في القاهرة ان يلحن لها أغنية يكتبها الشاعر الغنائي عبد الوهاب محمد.
في عام 1951 طبع له أول ديوان شعر باسم (الأفنان) وألف العديد من الكتب الموسيقية. منها دليل سلالم المقامات العربية و قياسات النغم عند الفارابي وكتاب عن زرياب والأدب الأندلسي و آخر عن الموسيقى والإنشاد الديني لينتهي قبل أيام من تأليف كتاب عن الطرب في الحقب البابلية والسومرية.
سألته وانأ استعرض في ذاكرتي سيرته الفنية الطويلة الثرية بالأعمال.

س- كونكم احد الرموز الفنية في بلاد الرافدين هل قدمت يا ترى ما يوازي عمرك الفني؟

ج- ما قدمته هو ربع ما مخزون لدي، والسبب، لكثرة أسفاري الى انكلترا وشمال أفريقيا وألمانيا والأقطار العربية.

س-هل كنت تتمنى ان تكون البداية كما أتت عليه اليوم بعد ان أصبحت واحد من أعلام الفن الموسيقي؟

ج-لم أحقق المستوى الذي كنت اطمح الوصول إليه. لو بقيت في مصر لكان أمر أخر. خذ مثلا كاظم الساهر لو بقي في العراق لكانت النتائج مختلفة بالنسبة للنجاح الذي وصل اليه

س-قليل من يرى انك اتجهت اتجاها أخر غير الذي عرفت به وهو الكتابة والتأليف في الشعر والآثار ما لذي دفعك الى ذلك وهل تعمقت في الجانب الموسيقي العراقي. هل اكتشفت شيئا؟

ج-البعض قال ما علاقة سالم حسين عازف القانون بالآثار. أقول كانت البداية. خلال مرور الذكرى الخمسين لوفاة الملا عثمان الموصلي. عندما كلفت بتلحين (14) أربع عشرة أغنية للمسلسل الإذاعي الملا عثمان الموصلي الذي كتبه الدكتور مالك المطبلي وألف أغانيه الشاعر عبد الجبار ألعاشور وأدى دور الملا الفنان المرحوم كنعان وصفي غناء وتمثيلا وشارك فيه الفنان صلاح عبد الغفور وكان حينها طالبا في معهد الدراسات النغمية. وأردت ان يكون لي تصورا يُعني على التلحين فالتقيت بالمرحوم الحاج عبد الفتاح معروف الذي كان من بطانة الملا عثمان ثم اتصلت بالدكتور عادل البكري الذي كان قد ألف كتابا بعنوان "الموسيقي الشاعر الملا عثمان الموصلي".
بعد ذلك عرضت الألحان على لجنة مشكلة من السادة د.عادل البكري و د.محمد صديق ألجليلي، والأستاذ خيري العمري والقس فيليب. وكان قد حضر اللجنة المهندس فاروق العمري وهو أيضا حقوقي وباحث في الآثار. جلب معه اسطوانة عثرت عليها البعثة الأثارية الفرنسية عام 1928. وكانت ترتيلة اوغاريتية من أيام الدولة الحورية 1800-1400 قبل الميلاد وباللغة الحورية. استطاعت البروفيسورة "أن كيلمر" أستاذة السومريات في جامعة شيكاغو ان تحولها الى النوطة الحديثة بعد اكتشاف النوطة السومرية فنقلت الموسيقى وصنعت القيثارة السومرية وسجلت الترتيلة على اسطوانة حديثة بصوت مطرب عالمي و بصوتها أيضا مع العزف على القيثارة.

وفي عام 1988 سافرت الى أمريكا وقمت بزيارة البروفيسورة المذكورة فزودوني بالاسطوانة مع قرص (CD) وفي الاسطوانة شرح واف عن الموضوع نفسه. وكانت قد ذكرت البروفيسورة "كيلمر" تسميات السلم الموسيقي في العصر السومري واتضح ان السلم الموسيقي في العراق القديم قبل سلم فيثاغورس بألف سنة. ومنذ ذلك الحين وان ابحث في دراسة اللغة المسمارية ومنها السومرية والبابلية والاكدية.

س-هل اكتفيت بدراسة الآثار العراقية؟

ج-أخذت ابحث في الأدب والشعر البابلي والتقيت عدة مرات بالمرحوم الدكتور طه باقر الذي ساعدني كثيرا في إعداد كتاب دراسة آلة القانون وهو أول كتاب صدر لي ولا يوجد له مثيل. وقد عُمم الكتاب ليصبح مادة تدريسية في أكثر المعاهد العربية الموسيقية في مصر و تونس ويعتبر مصدرا لمدرسي آلة القانون.
ثم واصلت الغوص في عمق التراث الموسيقي العراقي والفت الكتاب الثاني وهو دليل سلالم المقامات العربية وأثناء إعدادي للكتاب وجدت ان هناك تسميات عربية غير التسميات الفارسية والتركية في أغاني المقام يعود تأريخها الى أكثر من 700 سنة منذ أيام الدولة العباسية، كمقام النوى ومقام الصبا والبيات والحجاز فهي أسماء عربية.

س-من أين أتت الأسماء الأعجمية والتي تطلق على بعض المقامات؟

ج- في محاضرة لي في جامعة كمبرج وجه لي السؤال نفسه فأقول في زمن ازدهار الدولة العباسية وخاصة الحالة الاقتصادية. بحيث يقال ان المسافر من الموصل الى البصرة كان لا يحمل معه طعاما أثناء سفره لان كل الأرض العراقية على طول الطريق كانت خضراء فانتشرت الدواوين والمضايف في كل مكان للاستراحة والنوم وكانت نفوس العراق كما معروف آنذاك حوالي (50) مليون نسمة ووفدت الى العراق إعداد كبيرة من الجواري والخدم. وبتأثير لغة الجواري (الفارسية والرومية والتركية) أطلقت تلك التسميات الأعجمية على بعض المقامات.

س-قليل هم الذي دونوا التراث الموسيقي والغنائي في بلاد الرافدين هل شاطرك احد؟

ج-هذا صحيح إلا ان هناك من تصدى للبحث في أصول المقامات منهم الحاج هاشم الرجب له مؤلف في المقام العراقي وفي سيرة صفي الدين الارموي البغدادي في المقامات والأجناس. وكذلك الدكتور عادل البكري كتب أيضا عن حياة ومقامات صفي الدين الارموي البغدادي وقد قمت بإظهار الحان صفي الدين الارموي استنادا الى تلك الكتب والدراسات. ولا تنسى أيضا المرحوم شعوبي إبراهيم.

س-الذي يعرف بداياتك الفنية يعرف انك بدأت مغنيا ثم اتجهت الى التلحين

ج-نعم ان أول أغنية كانت لي حبيبي الغالي من كلماتي والحاني وغنائي وأذيعت لأول مرة في 18/3/1948 أجبرني المدير على الغناء آنذاك وقد هددني بالحبس ان لم اغني ووقتها كنت عازفا للقانون فاستمعت اللجنة الى صوتي وكانت اللجنة مؤلفة من السادة ممتاز العمري مدير الرعاية العامة في وزارة الداخلية والبير شقو والحاج محمود عبد الوهاب مقرئ القران والمذيع محمد علي كريم والسيد محمود المعروف. كذلك استمعت اللجنة الى عزفي لمقطوعة سماعي عشاق للمؤلف التركي (عزيز دده) وكان أيضا من أعضاء اللجنة عازف القانون يوسف زعرور الذي قال لي انتظر سوف يذاع اسمك في منهاج الاذاعة وكان المنهاج يذاع كل خمسة عشر يوما.

س-عاصرت الكثير من المطربين العراقيين وعزفت على آلة القانون لكثير منها؟

ج-دخلت الاذاعة عام 1947 وانتسبت للإذاعة الكردية وكان معي الفنانون جميل بشير عازف كمان و منير بشير عازف عود وغانم حداد عازف كمان. ومعهم المحامي جمال سري عازف قانون واحمد قاسم عازف كمان. وكان وقتها مديرا لأموال القاصرين. وكانت هناك فرقة موسيقية كبيرة تتألف من العازفين يوسف زعرور عازف قانون وساسوكن عازف كمان وإبراهيم طقو عازف جلو والحاج حسين عبد الله عازف رق وآخرين.
وكانت هناك أيضا فرقة أخرى تدعى فرقة إخوان الفن برئاسة عازف الكمان داود أكرم وعضوية إبراهيم داود صالح عازف قانون وآخرين وكلهم كانوا مكفوفي البصر. وقبل تأسيس الفرقة الإذاعية. كان هناك صالح الكويتي وداود الكويتي الأول لحن أغنية "تاذيني وكلبك صخر جلمود وتدري نجبرنا" وهي من اقوي الألحان. التزم صالح الكويتي المطربة سليمة مراد بينما التزم داود الكويتي المطربة زكية جورج وكان الاثنان يتسابقان بالإلحان من خلال المطربتين المذكورتين.
ومن الجدير بالذكر ان المطربة زكية جورج اسمها فاطمة وهي سورية من حلب و كانت ترتدي العباءة وقد اشتهرت بأغنيات منها "وين رايح وين .. وين العهد وين" وأغنية "أنا البنية .. أنا بنت المدرسة" وأغنية "يم العباية .. حلوة عباتج".
المطربات والمطربين الذين عاصرتهم : جليلة ام سامي، سلطانة يوسف، صديقة الملاية، بدرية أنور، ومنيرة الهوزوز. والمطربون: قارئ المقام محمد الكبنجي، رشيد القندرجي، نجم الشيخلي وحسن خيوكة.

س-بعد توفر التقنيات والآلات الموسيقية الحديثة وظهر الفضائيات هل تتمنى إعادة تسجيل ألحانك؟

ج-أنا لا أميل الى توزيع الهارموني انه يخلخل اللحن ويفقده حلاوة ولذة الأغنية العربية. خذ مثلا عندما قام الموسيقار المصري علي إسماعيل بتوزيع بعض الأغاني طغى عليها لون الموسيقى الهوائية كذلك ما فعله الموسيقار اندريه رايدر.

س-غنى بعض المطربين العرب ألحانك العراقية. هل تعتقد أنهم استطاعوا تأديتها كما أردت؟

ج-ردد الحاني عدة مطربين عرب فمنهم وديع الصافي في أغنية (مالنا كلنا جوي يا رسول)، وإسماعيل شبانه (للناصرية)، وسعاد محمد (يا ساكن بديرتنا)، وفايدة كامل في أغنية على بغداد ودينا، كما نجح مطربون آخرون مثل شهرزاد والثلاثي المرح وجورية حسن وفي لبنان تعاونت مع جماعة الاتحاد الفني وهي شركة يملكها صبحي ابو لغد وصبحي أبو لبن فسجلت لي عدة الحان لسعاد هاشم وأحلام رزق ونور الهدى ووديع الصافي وانطوانت اسكندر.

س-اذا وضعنا بعض المقاييس للمقارنة بين أغنية الأمس واليوم؟

ج-لا توجد مقارنة لم اسمع غير الضحالة كلمات ولحنا فلا أريد الخوض في هذا الجانب ولا أريد الجواب على هذا السؤال. لم نعد نسمع شعرا او غناء او عبارة.

س-إلا توجد أغان تملك مقومات الأداء والكلمة واللحن؟

ج-بعض الأغاني تملك مقومات الأغنية العراقية ومواصفاتها. خذ مثلا كاظم الساهر في أغنية انأ شسويت، لقد أبدع. اذا حول الابوذية الى أغنية إيقاعية قبل ثلاثين سنة وضفت أنا صور السويحلي الى أغنية وهي أغنية (أمشينا) غنتها لميعة توفيق عام 1962.

س- رأيك في الأغاني التي تعرضها بعض الفضائيات والتي لا تملك مواصفات الاغنية الصحيحة؟

ج-تفتقر الى الاحساس الفني الاصيل وهي مجرد افكار فنية تجارية تتخللها طروحات لافساد الذوق واسقاط القيم وهي جزء من حرب على الثقافة والفن العربي انه هجوم شرس ومدمر. لا تفهم من الاغنية شيئا.

س-خلال وجودك في سوريا البلد الشقيق. كيف وجدت الاغنية الشامية وكيف هو حالها؟

ج- في سوريا البلد الشقيق والعزيز اجتمعت والتقيت مع فنانين كبار وبشكل خاص في مدينة حلب وكما تعرف فحلب ام الطرب العربي الاصيل لم تؤثر عليه الاغاني والالحان الغربية الوافدة بقيت الغنية الحلبية محافظة على اصالتها ربما لحق بعضها شيء من الطرب التركي. وهنا لابد ان اذكر الدور الذي لعبه العلامة الشيخ علي الدرويش وهو من عمالقة الموشحات اذا استطاع الحفاظ على الاصالة عندما قام بتدوين الموشحات الاندلسية كذلك ما فعله الفنان الحلبي الطيب الذكر عمر البطش الذي اعتمد على الشيخ الدرويش في تدوين الموشحات. كذلك المستشرق الفرنسي دير لانجيه والمستشرق البريطاني فارمر اللذان كان لهما دور في التدوين ولا تنسى دور عمر النقشبندي وصبري المدلل ومازالت القدود الحلبية وفصل اسق العطاش والمدائح النبوية شاهدا على ما نقول.

س-يقال كانت هناك محاولة لتلحين اغنية لام كلثوم وانها طلبت ذلك ما قصة هذه المحاولة؟

ج-في عام 1961 خلال وجودي في القاهرة التي دعيت لزيارتها بدعوة من الموسيقار الكبير فريد الاطرش وفي مجلس الفنان القصبجي المنعقد دائما في حديقة المعهد الموسيقي في القاهرة وبعد ان عرفت كملحن واستمعوا الى الحاني التي تم تسجيلها بصوت المطربة الكبيرة سعاد محمد والمطرب الكبير اسماعيل شبانه وخلال الحديث عن الاغنية العراقية في ذلك المجلس بادرني الاستاذ الشاعر الغنائي احمد شفيق كامل بالسؤال هل بامكانك تلحين كلمات باللهجة المصرية فاجبته بالموافقة فناولني قصاصة ورق مكتوب عليها الاغنية و مطلعها:

شمت ده و ده وظلمت البي بحبك ليه
لما حبيبي عمل كده امال عذولي حيعمل ايه
وكانت الاغنية من نصيب المطربة شهرزاد وبعد تسجيل الاغنية واذاعتها في اذاعة البرنامج العام استمع اليها الفنان محمد عبده صالح عازف القانون الكبير في فرقة امام ام كلثوم نقل اعجابه بحلاوة اللحن الى السيدة ام كلثوم التي كانت زياراتي لها مستمرة في كل يوم اثنين حيث يعقد مجلسها.
طلبت السيدة ام كلثوم نسخة من الاغنية لسماعها وابدت اعجابا كبيرا بها كما اكد لي الفنان محمد عبده صالح وابدت استعدادها واستدعت الشاعر عبد الوهاب محمد ليستمع الى اللحن ويكتب اغنية لتلحن من قبلي لقد كان اللحن عربيا وجديدا عليها لانه كان مطعما باللون العراقي اذ ادخلت فيها الالوان العراقية الاوج والحكيمي وخرج بطعم خاص.

س-ولماذا لم يخرج اللحن الى الوجود ولم نسمعه بصوت السيدة ام كلثوم؟

ج-تعرضت وقتها الى مرض اثقل علي كما دفعني الحنين العودة الى بلدي ولم اتمكن من الاقامة في مصر فعدت الى بلدي العراق وضاعت الفرصة وهنا لا انسى ما قامت به المطربة فائزة احمد حينما سمعت انني سالحن لام كلثوم اذ دعت مجموعة من الفنانات والمطربات للاحتفال بالمناسبة في كازينو الشجرة وهن نجاة علي، فتحية احمد، حورية حسن، ولوردكاش غير انها ايقضت شعوري وعادت بي الذكريات الى شارع ابو نؤاس وليالي بغداد الجميلة. فصممت على العودة مضيعا تلك الفرصة الذهبية.

س-تعرف انك كنت مثار حفاوة وتقدير من بلدان غير بلدك..لماذا؟

ج-دعيت من قبل جامعات عديدة لالقاء محاضرات في الموسيقى العربية، والموسيقى العراقية، والمقامات العراقية والمقامات العربيوة والعراقية وعن الة القانون من جامعات كنت في كنتربري ولندن وهامبورغ وجامعة لايبزك والاتحاد السوفيتي وحاضرت في مدينة الرباط وكانت لي امسيات كثيرة فيها والعزف لاول مرة على الة القانون بشكل انفرادي وكرمت من اكثر من دولة.. والجواب على الشطر الثاني من السؤال اتركه للقارئ.

س-يواجه بلدنا اليوم اشرس هجمة لتدمير كل تراثنا ومنه الغنائي والموسيقي ماهو الدور في اعتقادك الذي يجب ان يلعبه الفنانون الصادقون؟

ج-هو ان نتمسك بتراثنا العريق الذي سرقت واحرقت معالمه بسبب الاحتلال ادعو كل الخيرين سواء من الفنانين او من الشعراء او من الادباء والمؤرخين وعلماء الاثار الى العمل على احياء واعادة ما دمر و نهب وسرق واحرق لاقدم حضارة في العالم.

س-الملاحظ ان هناك ركودا للفنانين الاصلاء لماذا؟

ج-مع الاسف المحطات التلفزيونية الارضية والفضائية لم تعد تعني بالمطربين والملحنين القدامى او حتى لم يخصصو وقتا لتراثنا العربي.

س-كيف الخروج من محنة الكم الهائل من الاغاني التي تخرب وتفسد الذوق وماهو دور الفضائيات في ذلك؟

ج-اقول اما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض. فما يقدم موسمي وعلى الفضائيات تقع مسؤولية الحفاظ على التراث وعلى ذوق المشاهد. مع الاسف اصبح الفن لمتعة العين ليس الا.

س-هل انت مع من يقول يجب الابتعاد عن اغاني الموضة؟

ج-لا الحديث عنه مضيعة للوقت.

س-لو يكن الامر بيدك في غربلة اغاني اليوم كيف تبدأ؟

ج-الاتلاف.

س-لك قصائد عديدة رددها مطربون عرب كما نعرف انك بدأت شاعرا وواصلت كتابة الشعر ولك ديوان يحتوي اكثر من اربعين قصيدة. كيف تجد علاقة الشعر بالموسيقى؟

ج-اذا لم تعرف الشعر لن تفهم الموسيقى وللشعر علاقة وثيقة موغلة في القدم يسيران جنبا الى جنب وبحور الشعر من مصادرها الدندنة التي هي خطوة من خطوات الموسيقى والغناء. احببت الشعر منذ الطفولة وكذلك الموسيقى بدأت انظم الشعر وعمري 11 سنة عندما كنت تلميذا في مدرسة البطاح الابتدائية في هور الحمار وكنت الحن الابيات التي انظمها كما كنت اميل الى ترديد اغاني عبد الوهاب وام كلثوم واحفظها وكنت الى جانب ذلك احفظ قصائد المتنبي والحبوبي والقصائد من كتاب يتيمة الدهر للثعالبي وعام 33-1934 ألفت ابيات ولحنتها نشيدا ليردده التلاميذ في المدارس وتقول الأبيات!
يا طيور الروض غني بالنشيد وارسلي الالحان في الوادي السعيد
وتغني بهوى امتنا وانثري اجمل باقات الورود
كم يطيب اللحن في دجلتنا بالفرات العذب والنخل النضيد
بالجبال الشم بالوادي الذي سطعت فيه حضارات الجدود
ثم كرمت على هذا النشيد وقدموا لي الهدايا واتذكر منها كانت الة الهارمونيكا قدمها لي مدرس الرياضة طه محمد دنيدل ومنذ ذلك الحين اواصل كتابة الشعر وحتى اليوم.

س-اول قصيدة كانت تتغنى بالوطن. هل كتبت في غير ذلك؟

ج-لم اترك فرصة من هيام الا ووصفتها شعرا رقيقا ولدي الكثير منه ولحنت اكثره منه قصيدة احلام شهرزاد نظمتها عام 1945 وانا في ريعان الصبا والشباب و كرمت لاكثر من مرة لشعري وحصلت على درع الجامعة العربية لقصيدة القيتها في مصر حتى ان احد المسؤولين تصور ان الدرع منح الي كموسيقي وعازف.

س-وماذا بعد وانت بعيدا عن بلدك ولا اقول وطنك

ج-لي قصائد عدة هذه قصيدة عن بغداد الحبيبة اجاري قصيدة الشاعر علي الجارم بغداد يا بلد الرشيد
بغداد يا سحر الوجود يا عرس احلامي وعيدي
بغداد يا منارة للعرب والمجد التليد

وفي قصيدة اخرى اقول
وتعبت يا وطني الحبيب من الدسائس والفتن
ومن الحروب واهلها ومن المصائب والمحن
ومن اللصوص ومكرهم والبائعين بلا ثمن
وهذه ابيات من قيصدة شهرزاد
اخذ القلب بعيدا ثم عاد قلت ردي لي فؤادي شهرزاد
قمر لاح فاذكى خرفي سافرا افجل بدر الافق
اسمر الجبهة حلو المفرق ساحر النغمة عذب المنطق
مر بي يمشي بزهو واتئاد قلت من ذا قيل لي شهرزاد

س-المتابع لسيرة الفنان المرحوم ناظم الغزالي يجد انك كنت من المقربين له ويبدو ان هناك علاقة متينة وقوية انعكست على العمل.

ج-كانت صداقتي مع المطرب ناظم الغزالي صداقة متينة فعلا وكنا لا نفترق الا ما ندر بدأت تلك الصداقة في الاربعينات عندما عملنا سوية في امانة العاصمة.
وتوطدت اكثر خلال مشاركتنا السفر لاحياء الحفلات في لبنان و دمشق والخليج العربي وكنت رفيقه الدائم أين ما حل ورحل. كما كان رفيقه النجاح والتألق فقد انهالت عليه العقود من الاذاعات ومحطات التلفزة ومتعهدي الحفلات وما تزال اغانيه عالقة في اذهان الناس رغم طوفان الاغاني الهابطة.

س-ما سر ذلك النجاح علما كان هناك في زمنه من هو اكثر منه كفاءة وقدرة في الاداء؟

ج-استطاع ناظم الغزالي ان يستحوذ على قلوب المستمعين العرب والعراقيين واستطاع ان يحلق بهم الى اجواء عالية من الطرب ويزرع في نفوسهم النشوة بصوته الجميل الحنون الدافيء الذي يحمل حزن الارض والتراب والانسان يكفي انه كان المفضل على غيره ممن يشاركونه الغناء في حفل واتذكر في عام 1963 في الكويت عندما انتهى من وصلته الغنائية في الساعة 12-1 ليلا غادر الجمهور مكان الحفل تاركا الاستماع الى غناء وديع الصافي ونجاة الصغيرة الذين اشتكيا في صباح اليوم التالي مطالبين ان تكون وصلتهم قبل الغزالي. كان الغزالي (رحمه الله) انسانا مجتهدا يحسن الاختيار ويحسن تربية نفسه موسيقيا وشعرا واداء.
كان اذا اراد غناء قصيدة او اغنية يستعين بالشعراء منهم الشاعر حافظ جميل والعلامة الدكتور مصطفى جواد ليسمع رأيهم وملاحظاتهم في القصيدة والاداء. واستطاع الغزالي (رحمه الله) ان يكتشف ان المقامات العراقية غناءً اكاديميا ليس للتسلية لذلك انتخب المقامات السهلة على اذن المتلقي والتي يقال فيها الشعر بالفصحى وليس العامية ووجد ان النساء بطبيعتها لا تميل الى المقامات المعروفة والمعقدة فاختار المقامات الجميلة التي تستسيغها ومنها الشعر الغزلي بالفصحى. كما وجد ان الناس تميل الى نغمة السيكاه السهلة والخفيفة كذلك ساعدته دراسته للتمثيل في معهد الفنون فاعطته القدرة على اداء الحركة والوقوف على المسرح فكان وقوفه على المسرح وهو يردد اغانيه وقوفا مسرحيا. والغزالي يمتلك صوتا لا هو بالخشن ولا هو بالناعم أي لا هو باص ولا سبرانو. وتقبلوه في الوطن العربي لانه كان يغني بالفصحى كل ذلك جعله من المفضلين على غيره من المطربين.
الذي يحاور الفنان سالم حسين ياخذه الوقت بساعاته ودقائقه وهو يطلب من ابنته سوسن التي ترافقه دائما اين ما حل ورحل ان تعرض لنا نماذج من ابداعاته وجلساته ولقراءاته...
هكذا امتدت جلستنا الى ساعة متأخرة من الليل وفي ذاكرته فيض من الذكريات لم تتسع الساعات للمرور عليها—خرجت وانا احاول ان اتذكر بيت الشاعر العربي القائل

ان الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعي الى ترجمان
وبدلت أمني الشطاط انحى وكنت كالصعدة فوق السنان

الذي لا ينطبق على كل انسان وخاصة فناننا الكبير اطال الله عمره...

وهو يختم جلستنا
حسب الثمانين من عمري مكللة
بالعلم بالفن بالآداب بالسفر