اقوى سيدة في العالم !

اقوى سيدة في العالم !

بالثقة والولاء والايمان، تم اختيارها رئيسة للوزراء، وبنفس الايمان قبلت المنصب الحساس رغم كل المخاطر التي تحيط به.. وبنفس عزيمة والدها الزعيم تحارب الآن لانقاذ 450 مليون نسمة من مجاعة تهددهم.
انها انديرا غاندي.. رئيسة وزراء الهند والضيفة التي تستعد جمهوريتنا لاستقبالها هذا الاسبوع.


في الهند يطلقون عليها اسم (بربا داريشن) ومعناها باللغة العربية "نوري عيني".! وهو الاسم الذي كان نهرو يناديها به.
 الاب والابنة:
نهرو والد انديرا.. "لها شبه رواية مليئة بالعجائب! لم يقدرها ابدا.. في لندن، في نيويورك، في طوكيو.. في بكين.. واذا شاءت الظروف ان يظهر نهرو بمفرده في الحفلات الرسمية كان غيابها يثير القلق، وفي الواقع المرض وحده هو الذي يعوقها عن مرافقة ابيها اينما ذهب. العالم اجمع، حيره هذا الرباط بين جواهرلال نهرو والد انديرا.
وسر نهرو والديرا الذي حير العالم كشف عنه ضيوف مستر جيتسكل رئيس المعارضة حينئذ في بريطانيا، وكان ذلك اثناء حفل عشاء كبير اقيم لهم في لندن.
وبدا الغموض ينقشع بعد سؤال وجهه جيتسكل:
- الم تقض 17 عاما في سجون الامبراطورية السعيدة يا سيادة رئيس الوزراء؟
فابتسم نهرو واجابه:
- 16 عاما ونصف عام فقط ياسيدي!
وهنا شحب وجه الديرا، وطوال الحفل لم تنبس بكلمة وغادرت الحفل مبكرة في صحبة ابيها انها لا تنكر "الجزء الكبير من حياتها الذي اعطيته في سجون بريطانيا ولكن ما يشفيها هو ان في نفس هذه السجون وقعت امها صريعة للمرض الذي عجل بحياتها وهذا ما لا تغفره ابدا!
لقد كانت انديرا تعبدها، كان اسمها "كمالا" وتشبه انديرا لحد بعيد.
جاءت "كمالا" الى "اله اباد" لتستكمل دراستها في جامعتها وكانت حينذاك احدى المدن المقدسة فهي مدينة بالهندوس والاسلام في نفس الوقت.
وهنا استقبلتها اعرق العائلات الهندية: عائلة نهرو في قصر يطل على نهر الجانح، وكان يسوده جو من ليالي الف ليلة وليلة. اما سيد القصر فهو آخر كبار كبرا "الهند" ليس هما مرتيلال"
شهد نفس القصر عودة الشاب نهرو بعد انتهائه من دراسته الجامعية في كبيريدج، وفي القصر الابوي (اناند بينها هي او بيت السعادة) تقابل نهرو وكمالا.
ولكن هذا الجو الاسطوري هز كيان الجنتلمان الهندي منذ عودته لارض الوطن، فعلى الرغم من ثقافته وما اكتسبه من حياته في بريطانيا الا ان الحياة في هذا القصر التي تخطى وراءها بؤس 450 مليون نسمة كانت قاسية بالنسبة له.
ولم يجد من يبوح له يمكنون مشاعره واحزانه الا "كمالا" نقصها وزادت دهشته عندما اكتشف في هذه الانسانة الرقيقة الخجول اتجاها ثوريا يكاد يفوق ثورته، ولذلك لم يتردد في قبولها شريكة لحياته عندما اختارها له ابوه.
ظهور غاندي
تم الزواج وكان شبه اسطورة، قطار خاص كان يحمل المدعوين (800 مدعو) من بيتاريس "دلهي وكالكوتا".
قال نهرو لعروسه في هذه الليلة:
- سننتهي طبعا من كل هذه التفاهات الوحشية!
اجابته كمالا:
- بالطبع وسابذل كل جهدي لنصل لما تنشده، وضيف غريب سيساعدهما في هذا الطريق.
ذات مساء طرق احد الغرباء باب القصر، حافي القدمين وقامته نحيفة، وتطل نظرته من خلف نظارة حديدية.. وتكشف ابتسامته عن فم تجرد من معظم اسنانه.
فسأله سيد القصر:
- ماذا تريد يا اخي؟
اجابه الغريب:
- كل شيء يا سيد "موتيلال" انت غني، والهند فقيرة، مع كل ما تملكه واتجنى.
كان المتكلم غاندي، ابتسم البراهمان العجور وبعد ان حيا رسول السلام تمنى له طريقا سالما.
عاد غاندي مرة اخرى وفي هذه المرة توجه الى جواهر لال.
بعد سماع اول كلمات الرجل القديس شعر ابن المليونير بوخز في ضميره وخجل من الثراء الذي ينعم به، وفي لحظة واحدة قرر ان يترك كل شيء وان يتبع الرسول، ولكن هل يمكنه ايضا ترك زوجته الشابة وطفلته انديرا التي رزق بها اخيرا؟
جاءته الاجابة من زوجته: "سنترك طفلتنا لوالديك!."
فرقة القرود
بعد ان وزعا ثروتهما على الفقراء تبعا غاندي وتخلصا من ملابسهما وارتديا الملابس الجديدة تماما مثل "معلمهما".
كاد الاب يصاب بالجنون من هذا التصرف، وطوال طفولتها لم تسم انديرا الا كلمات اللعنة تنصب على والديها.
اما هي فكانت تحلق معهما باحلامها وتتسع بقلب خافق رحلتهما الابدية وبدأت تلح على الاغنياء ليستغنوا عن ممتلكاتهم انقاذا لشعب الهند من المجاعة، وبدأت تتحرق شرقا لمعرفة غاندي وحدثت المعجزة، ذات مساء عاد غاندي الى نفس القصر ونجح هذه المرة ليكتسب "مرتيلال" لقضيته واصبح قصره اول بيت لشعب الهند بعد بيت غاندي.
وفي سن العاشرة علمت انديرا ان غاندي يصوم من اجل رية الهند واستقلالها.. فرفضت تناول الطعام واستطاعت رغم صغر سنها ان تكون مع فتيان وفتيات العائلات العريقة جماعة سرية اطلقوا عليها اسم "فرقة القرود" وهدفها الدعاية ضد الاحتلام.
وقعت امها فزية للمرض الذي اضطرها للاستشفاء في اوروبا ولكنها بمجرد عودتها للهند عاودت الكفاح مع زوجها، ومعا.. دخلال السجون، ولانقاذ انديرا من السجون بعثت بها حالاتها لاوروبا ولكن باريس، جنيف، وبرلين لم تكن بالنسبة لها الا منفى، اما لندن فهي العار.
ثم كانت الفجيعة الكبرى، توفيت امها متاثرة بمرض السل.
يأس مشترك سيضم ابدا الاب وابنته، وضمهما في حب بدون مثيل يعبر العالم اجمع.

تخلت عن كل شيْ..
اعجابا بوالدها نهرو
افرج عن نهرو ليشهد الاحتلال بحرق جثة زوجته، ثم عاد لغاندي في السجن، وللمرة الثانية اضطرت انديرا لمغادرة ارض الوطن فرحلوها الى بريطانيا وواصلت فيها كفاحها، واستمرت وهي تواصل تعليمها في جامعات بريطانيا على الاستعداد لحرب سرية.
وفي كل خطاب ترسله لابيها في السجن كانت تردد له: "حتى وانا خارج السجن اشعر اني في السجن بدونك".
اما هو فكان يقول: "لقد وجدت نور عيني، مع انديرا لم افقد زوجتي، " بعد انقاذ بيت الجانح من الخراب الذي دمره تحول مرة ثانية "لبيت السعادة" وانديرا سيدته الاولى، فتحت الباب للجميع.. استقبلت فيه الفقراء والمحتاجين لم تكن قاسية الا على ابيها فارغمته على المحافظة على صحته والتقليل من جهوده التي تكاد تقضي عليه.
انهما يشتركان في نفس االذوق، نفس التفكير نفس الاتجاهات، كانت تحب الاختلاف معه وكما تقول لتشعر بلذة الصلح، حيرت حياتهما كل المحيطين بهما.
وفجأة وقعت الواقعة، تقرر زواج انديرا.. فانزعج نهرو.
قالت له ابنته:
- ولكنه يا ابي خطيبي منذ 8 سنوات مضت، وفي الواقع كان نهرو قد نسي "فيروز غاندي" احد اعضاء "فرقة القرود" والذي التفت به انديرا في الجامعة.
وحسب التقاليد الهندية تقرر زواجهما منذ الصغر.
اصبح "فيروز غاندي" (ولا صلة قرابة بينه وبين الزعيم الهندي) رئيس الصحافة السرية وعاود نشاط الكفاح مع زوجته تماما مثل نهرو وزوجته.
وبعد عودتهما مباشرة من اجازة شهر العسل كان السجن في انتظارهما ولم يتركاه الا يوم 15 اغسطس 1947 وهو تاريخ السنة الاولى لاستقلال الهند.
وكان على نهرو تشكيل اول حكومة للهند فابرق لابنته: "انديرا انا في حاجة اليك" فتركت بيتها وزوجها وولديها تلبية لنداء والدها لم تتركه يوما واحدا حتى وفاته، اصبحت في نفس الوقت امينة سره، رئيسة السكرتارية الخاصة"
مربيته، رئيسة البروتوكول، وطباخته الخاصة فهي الوحيدة التي تتقن اعداد اطباقه المفضلة وخاصة طبق اللبن والعسل والارز الذي اطلق عليه اسم "فطير الالهة".
لقد تخلت عن حياتها لتضحي بنفسها في خدمة والدها اضطر زوجها لقبول الامر الواقع ارضاء لهذه الانسانة الرقيقة والتي تتمتع بقوة من حديد.
تريد ان تعمل من الهند
 بيت السعادة الكبير
بعد وفاة جواهر لال نهرو.. اعتقد الجميع ان انديرا ستتخلى عن الحياة السياسية لتمارس طريقها الحقيقي وهو رعاية الفقراء والاطفال، ولكن حبها للسياسة تغلب على كل شيء ما يزال حب الكفاح يتملك منها.
في عام 1947 ناضلت من اجل ايقاف الحرب بين المسلمين والهندوس.
وفي عام 1955 رافقت اباها في مؤتمر بالدونج
وفي عام 1958 رأست حزب المؤتمر
وفي عام 1959 اوقفت الحملة الشيوعية التي وصفتها بانها تتنافى مع روح الهند.
ومما ضاعف من حماسها تمسكها بالحياة السياسية قوله لغاندي:
"اريد امرأة على رأس الهند! امرأة هندية واحدة تستطيع الوقوف على حقيقة الاحتياجات الحقيقية لشعبنا وحقيقة اتجاهاته".
وها هي ذي في بيتها.. ارملة منذ 6 سنوات، قدماها حفيتان في صندلها ذي الكعب العالي، ملفوفة في الساري ومجردة من كل مهاغ.
والبيت الذي تقيم فيه يقع في دلهي على بعد 1500 متر من البرلمان والبيت صورة منها، بيت ريفي بسيط هندي وعصري، وجهته كلها من الزجاج تطل على حديقة واسعة تظللها الاشجار الضخمة، وكثيرا ما تردد سيدة الهند الاولى.
"اريد وضع الوان والجمال في الحياة اليومية وحياة كل فرد، عندما كنت ادخل المؤتمر كانت الوان الساري الفاتحة واحمر الشفاء كثير استنكار الاعضاء، حكموا على بالاستهتار.
ولكن لست ادري ماذا يرغم المرأة الهندية على ارتداء ساري من الخيش لتمارس عملها كوزيرة او ربة بيت؟
ما الذي يحرم علينا منافسة الاوروبيات في ازيائهن!
وكانت بداية ثورة في الهند.
وتعيش انديرا مع ولديها (راجيف 21 سنة وساريجاي 19 سنة)
انها تريد ان تعمل من الهند " بيت السعادة الكبير".
الموقف عصيب في الهند، مجاعة كبير تهدده.
قامت بالخطوة الاولى فتبرعت باراضيها ليزرعوا فيها القمع.. وتبعها ملايين من الهنود..
لقد وجدت الهند في انديرا روحها وحياتها.
سميرة جورج