حواء تدخل البرلمان !

حواء تدخل البرلمان !

بقلم الاستاذ توفيق الحكيم
تسألونني رأيي في الحزب النسائي؟ إذ من الطبيعي في نظركم ان يكون لي فيه رأي، لا بأس، لكن الامر كذلك، واظنه طبيعيا ايضا ان يكون هذا الرأي في جانب حزب النساء.. ولم لا؟.. اني رجل مظلوم.. ولسوف يؤلف عني كتاب بعد موتي بعنوان"توفيق المفتري عليه".

 الواقع اني دائما اتمنى للمرأة تقدما، ولا اختلف معها إلا على معنى كلمة"ألتقدم"فهي تفهمها على انها الجري في اثر الرجل واللحاق به، وانا على العكس ارى الرجل هو الذي يجري وراء المرأة، فالمسألة فيما يظهر لا تعدو مجرد خلاف في الرؤية والنظر، وحتى الان لم يفتح الله على الجنس البشري بواحد دي عينين سليمتين ليبصر لنا ايهما هو الذي يسير خلف الآخر.
***
ولأسلم على كل حال بنظرية المراة اثباتا لحسن نيتي، ولنقل ان الرجل هو المتقدم وانها هي المتخلفة، وتفانيا مني في ارضائها اقو لان هذا التخلف يبدأ منذ نصف مليون سنة، اي من عصر الكهوف، يوم كان الانسان الاول يعيش حياة الصيد في الغابات، تاركا انثاه في كهفها تعني بصغارها وتهيء مما صاد لها ولاطفاله طعامهم وطعامها.. لقد كان هذا التوزيع في العمل بأمر من الطبيعة التي زودت الرجل بعضلات قوية للكفاح خارج الكهف، وحبت الانثى بالوداعة والرحمة والحنان اللازم للامومة داخل العش.
ومرت الاف الاعوام، وهذا التقسيم في اعمال الجنسين قائم، وان كان الصيد قد تغير حتى اتخذ اليوم الوانا واثوابا واسماء جديدة مثل: الماء والجاه والمنصب والنفوذ الخ... وتبدلت كذلك الاسلحة، فذهبت القوس والنشاب، وحل محلها سلاح آخر معنوي اجتماعي ذهني تصادر به كل تلك الاغراض، مما اصطلحنا على تسميته بالعلم والخبرة والقدرة والسياسة الخ.. كذلك تغير كهف المراة فاصبح"شقة"نظيفة او"فيلا"مريحة، تحظر فيها باثوابها الانيقة وزينتها البديعة، وتعنى بتنشئة اولادها على قواعد الصحة الجسمانية والخلقية..
لم تستطع اذن خمسمائة الف من الاعوام ان تحدث من التغيير في اوضاع الجنسين اكثر من ذلك، ولقد ثبت لكل منهما عالمه المنفصل ومجال نشاطه المستقل طوال هذا القدر الهائل من الاخقاب، الرجل له الخارج والمراة لها الداخل، واظن ان نصف مليون سنة مدة كافية لن تكيف طبيعة الانسان.. فاذا راق للمراة اليوم ان تغير طبيعتها، وحلا في عينها ان تعمل ما يعمل الرجل، فتشتغل باعمال الخارج وتخوض بنفسها غمار الكفاح في ميادين السياسة والجاه والسلطان، فذلك موكول اليها، وكلنا ترحب به بل اني اناشدها ان تسرع منذ الان، ولتبدأ من البداية في الحال، حتى لا تضيع وقتا على من سوف يأتي في المستقبل من اجيال..
والاقتراح العملي لتحقيق ذلك، هو ان تبادر من فورنا فترسل حضرات سيدات الحزب النسائي الى مجتمع قطري يشابه مجمع الانسان الاول.. واظننا نجد مثل هذا المجتمع الان في غابات اواسط افريقيا، هناك نترك البعثة الكريمة لتضع اساس الحياة المنشودة.. وعليها ان تعيد توزيع العمل من جديد على الوضع العكسي، فتتولى هي القيام باعمال الصيد في الغابات، وتترك للرجال العمل داخل الكهوف.. ولتنتظر نصف مليون سنة اخرى، وهذا ليس بكثير، حتى تتوالد اجيال جديدة من النساء المكافحات، يرفعن رؤوس اجدادهن، ويسطرن بمداد الفخار مبادئ الحزب النسائي المتوفر..
***
على اني اخفي ان يرى الحزب النسائي ان اقتراحي هذا غير عملي، فمن الواجب اذن ان نفكر في حل آخر...
قد تقول لي بعض النساء المحترمات: لماذا لا تجرب وتسمح لهن منذ الان بمقاعد في البرلمان؟... انا شخصياً لا ارى مانعا من اعطاء المرأة حق التمثيل السياسي في مجلس النواب (بالطبع جميع النساء متنازلات مقدما عن حقهن في مجلس الشيوخ).. وزيادة في تسهيل الامر على اخواننا المحافظين المتعنتين من الرجال اقترح الاخذ بمبدأ ان"للذكر مثل حظ الانثيين"، فيكون لكل امرأتين صوت واحد.. وارجو من السيدات ان يتساهلن فيقبلن هذا الشرط مؤقتاً لرضاء الغرور الرجال، واني على اتم استعداد لمعاونة المرأة والمطالبة معها  بهذا الحق على هذا الاساس.. إلا اذا اعترض حزبهن الموقر بان هذا الرأي ايضا غير عملي، بحجة ان اشتراط صوت لكل امرأتين يتطلب وجود امرأتين في البرلمان يمكن ان تتفقا على رأي واحد.. وهذا يعيد الاحتمال..
***
مهما يكن من امر، فاني راغب من كل قلبي في منح المراة حقوقا سياسية مساوية لحقوق الرجل، وارج وان اعيش حتى ارى اليوم الذي تتبوأ فيه نساؤنا مقاعدهن تحت القبة.
وهنا فليسمح لي بسؤال: هل ستكون لهن مقاعد خاصة باعتبارهن حزبا منفصلا قائما بذاته، او انهن سيدخلن على مبادئ احزاب الرجال المعروفة، ويمتزجن بها، كل واحدة ضمن الحزب الذي يرشحها؟
اذا كان الأمر الاول، فلا شك ان حزبهن المستقل سوف يكون في الشؤون النسوية صاحب الكلمة التي لا تحصى ولا ترد، فاذا اقترح الحزب النسائي مثلا اعفاء"البودرة"و"الروج"و"الجوارب"من كل ضريبة جمركية او تجارية، فان هذا الاعفاء نافذ بدون كلام، والرجل الذي يجرؤ على المعارضة يكون مستعدا لنكد الدنيا يهبط على ام رأسه، لا في البرلمان وحده، بل في بيته من زوجته او اخته او ابنته.. اما اذا كان الامر الثاني، فاني لا ارى فائدة كبرى تعود على المرأة منه، واخشى مخلصا ان نطويهن مطامع الاحزاب الاخرى، فلا ينتفعن لانفسهن بشيء.
***
الى بعد ذلك ملاحظة شكلية ان يجب ان وضع موضع الاعتبار: لقد غاب احد الشيوخ المحترمين على النساء الموظفات حرصهن على زينتهن، وانا لست من رأيه.. إذ ما دمنا قد سلمنا المرأة بحقوقها في الوظائف العامة فلا بد لنا من السماح لها باستعمال حقها الطبيعي في"ألاحمر والابيض".. وما احسب احدا من زملائها في البرلمان يتغير هذا الاعتراض يوم تتخذ مكانها فيه.. فان الوجه النظيف والتزين اللطيف من ابلغ حجج المرأة.. وليس من الانصاف ان تحرمها سلاحا من اسلحة بلاغتها المأثورة، في ساحة يتذرع فيها كل عضو كل ادوات الفصاحة والاقناع.
***
واخيرا، فاني الخص لكم رأيي في كلمة واحدة هي: موافقتي التامة على وجود المرأة في البرلمان وفي كل مكان الى جانب الرجل، لأن مجرد وجودها يحدث نشاطا في الهمم وتألقا في الافكار..
لقد قلت ذات مرة:"إن المراة مثل القمر.. (اقصد بمعناه الفكلي لا الشعري) فهي لا تشع ضوءا من داخل نفسها، بل تعكس الضوء الاني اليها من شمس عقل الرجل، هي كالقمر كائن سلبي، وسطح معتم في ذاته، لا تسطع إلا بما ينعكس على قلبها ورأسها من تفكير الرجل واحساسه.. قد نوها منه في مجال العمل المنتج، له من الفائدة ما يعادل فائدة المراة الى جانب المصباح.. انها تضاعف نوره وتزيد اشعاعه..
اما ان ننتظر منها اكثر من ذلك فهو انتظار للمستحيل. لن يكون للنساء في مجالسنا النيابية والاجتماعية اكثر مما للمرايا بجوار المصابيح في القاعات والصالات.. ولقد بلغنا ولا شك في الحضارة حدا يقتضي ان تزين جدارتنا بالبلور!!.