شيخ مؤرخي الموصل سعيد الديوه جي

Wednesday 31st of January 2024 11:43:44 PM ,
5603 (عراقيون)
عراقيون ,

حميد المطبعي

رزقه الله ثلاث مواهب: تذوق طعم التاريخ، وتجرع صبر القلم، والتخلق بأدب المؤرخين الكبار، وسخر سعيد الديوه جي (1909-2000) هذه المواهب الثلاث في كتابة تاريخ الموصل وكأنه يؤرخ الجزء الحيوي من تاريخ العراق، في ألاف الصفحات فيها الصدق على مستوى الحقيقة،

وفي كتب عانى في تخريجاتها وفي قراءاتها واستقراء حقائقها، وعندما طواه الأجل ترك لنا عشرين كتاباً مطبوعاً وعشرة كتب خطية ومئة مقالة صحح فيها مغالطات المؤرخين الغزاة عن العراق المترهل والعراق المتعافى، ورد اولئك نبشوا في طوائفه وأجناسه وينابيعه التراثية، وأفحم بأدلة المنطق والوثيقة الحجج الكافرة بتاريخ العراق، وفي رحلته هذه لم نسمعه يطلب أجرا على معاناته الإنسانية لأنه منذ شب يتشبث بالهوية قال: (التاريخ أمانة وتؤدي بوفاء الابن لامه الأرض، فأدى الأمانة على خير وجوه التاريخ الثبت وفي مؤتمر عالمي للآثار منح لقب (مؤرخ الموصل الأول بامتياز لأنه تجاوز المؤرخين القدامى في ما كتبوا عن تاريخ الموصل بعدة حقائق وأدلة واستنتاجات ولانه كان يصب قوالبه بمزيج بين الموضوعية الحيادية والنزاهة الأكاديمية وبين مسرح للمصادر جميعها وان كان بعضها يتعارض ومزاجه الروحي..! وعندما شاعت أبحاثه في تاريخ رصين- دعته مديرية الآثار العامة ليرأس دائرة الأبحاث الإسلامية الفنية، فكرمها بثلاثة كتب في التراث الزخرفي وقام على هامش تحرياته الأثرية بتأسيس أول متحف للآثار في الموصل 1952 ولتأسيسه هذا الرواق الأثري الشامخ منحته الحكومة درجة أو وظيفة (أخصائي اثري) في مديرية الآثار العامة (مع انه لم يكن اثاريا بالمعنى الحرفي بل نقب في ركام التاريخ وكتب التاريخ وكانت تنقيباته على مستوى تنقيبات الآثار) وكان يطلق يديه وعقله ووجدانه مرة واحدة.

وضم إلى عضوية المجمع العلمي العراقي ليمثل علمية بلده وليس لعلمية الموصل وحدها وكان المؤرخ الكبير جواد علي يعتز باطروحات الديوه جي: (أنت افدتنا باكتشاف مجهول أم الربيعين) وفي أول جلسة له في اجتماع المجمع قال: (بل كلنا راع لتاريخ العراق) ويجيبه عبد الرزاق محي الدين: (وسنعهد إليك كتابة إحدى صفحاته أيها الشيخ الجليل) ثم كرمه المجمع بطبع كتابه (تاريخ الموصل(!..

وفي سنة 1978 اختارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ثمانية علماء من العراق لدراسة إنشاء دار حكمة في بغداد وكان الديوه جي احدهم كان أسرعهم في تأليف كتاب عن بيت الحكمة زمن المنصور واقترح فيه (إن لايكون البيت سياسيا) لان السياسة كما يقول محمد عبده تخرب البيوت على أصحابها..!

وراحت تتوالى إليه كتب التكليف والتشريف فقد كتب إليه المركز الإسلامي في اليابان يطلب منه أن يجيزهم بترجمة فصول من كتبه: (بيت الحكمة) و(دور العلاج والرعاية في الإسلام) و(التربية والتعليم في الإسلام) إلى اللغة اليابانية فوافق وأجازهم ولم يشرط مالاً..!

وطلبت منه كلية الدعوة في اندونيسيا بواسطة جمالي الدين عبد الكافي أن يجيزهم على ترجمة كتابه (التربية والتعليم في الإسلام) لينشر مع كتب الدعوة فأرسل إليهم نسختين من كتابة المذكور شاكرا..!

وكثيرة هي الموسوعات التي طلبت منه كتبه أو أبحاثه لإعادة نشرها وسواء صدرت تلك الموسوعات عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلو م أو تلك التي صدرت في بعض الدول الأوربية ومعروف أن الموسوعات الكبيرة لاتكلف باحثاً بكتابة فصل إلا بعد أن يجتاز حاجز المحلية ويدخل (الشهرة الأكاديمية أو الفكرية) من أبوابها الواسعة..!

وشغفه أو ميله لكتابة التاريخ كان يصدر عن موحيات أسرية أو بيئية أهمها كما أوضحت سيرته:

1ــ شكل والده (الشيخ احمد 1288هـ - 1363هـ) عمقا مثاليا في أعماقه عمقا في الأدب والتراث وعمقا في ما يقول من حقائق، فقد تدرب عليه كيف يبحث ويناقش وكيف يستقي المصادر وهو طالب ابتدائية أو متوسطة وكان يقول له:(لا تتعجل في استقاء المعلومة أو المصدر) وكان والده من علماء الموصل، تولى القضاء والإفتاء في سنجار وتلعفر 1920 ولما اعتزل القضاء جلس في مدرسة النبي جرجيس يدرس طلبة العلم وتخرج به جمع غفير، وكان ولده يتابع خطواته وأقواله ولاسيما في طريقة تعليمه طلبته على الاسطر لاب وعلى كرة أرضية صنعها بنفسه وكان سعيد يسأله: (ما فائدة الإسطرلاب أو الكرة الأرضية) ويقول له والده:(التاريخ وكيف نتعلم الجغرافيا من التاريخ) وسأله مرة بعد أخرى: (وما التاريخ؟) قال له:(مفاخر الأجداد) وعندما توفي والده ترك لولده جملة مؤلفات في البلاغة والفقه والحوادث ويوميات الحروب وقد وضعها سعيد في مكتبته الخاصة وأمعن النظر فيها طويلا وقلبها طويلاً حتى استبدت به شهوة النسج على منوالها..

2ــ وكان عمه (الشيخ عثمان 1287هـ - 1360هـ) هو الأخر يدخل إلى أعماقه معلماً في اللغة وتصحيح الأخطاء وتحفيظ الإملاء والعروض، وكان يعطي لسعيد بعضا من المال عن قطعة إنشاء يجود به، وأوصاه بان يجلس مع طلبته في مدرسته الخاصة (في مسجد منصور الحلاج) ليتعلم علم الكبار وعمه كان عالماً اشتهر بواعظ أم الربيعين وعين مفتياً لبغداد 1922 وعندما عاد إلى الموصل تخرج به رجال العلم، وسعيد أيضا تخرج به وهو يحبو على عتبات الصبا أو هو ما يزال يحرر التاريخ في دفاتره المدرسية..!

3ــ ومنذ صغره أيضا عكف على جمع التصاوير والصور المختلفة عن مدينة الموصل وكان يرتبها ترتيباً أبجديا ويذيلها بشروحات عن المنائر والقبب والتلول الأثرية والمزارات لكل الملل والنحل والأقوام القديمة الأولى التي سكنت نينوى وكانت جميعها تؤلف (دليلا حيويا للموصل ترك في قلب المؤرخ الشاب عشقاً لتاريخ بدأ يكبر شيئا فشيئا في عينيه، ثم قادته الصور الاثارية إلى هواية جديدة تركزت بجمع النقود القديمة التي ترجع لعصور هيمنت على تاريخ العراق القديم والوسيط، وكأنه في كتابات هذه النقود كان يستنشق عبير أرواح الأوائل، والى جانب النقود جمع الطوابع لعصور حديثة، وكل هذا الجمع كان يزين مكتبته الخاصة ويتباهى به أمام أصدقائه وشيء منه تسرب إلى قلبه وأحاله إلى قلب يعشق حوليات التاريخ العراقي على نحو يشبه عشق المرئيات بعضها لبعض..!

4ــ في الابتدائية رشحوه أن يكون خطيب المدرسة، وكان في كل خطبة يلعن خطأ التاريخ، خطأ العثمانيين أو خطأ الإنكليز، وفي الثانوية 1925 أسس (جمعية النهضة العربية) وفيها مسرح يبث أشعة رموز التاريخ، وكان في الثانوية مدرس التاريخ (درويش المقدادي) الفلسطيني الجذر وهو الذي يرجع إليه تبلور عقل الديوه جي في تحرير التاريخ من الغش والتزوير، كان يعلمه كيف يربط مصدراً بمصدر وكيف يكتب تحليلاً لتاريخ صحيح أو كيف يجعل التاريخ كائنا يشم الهواء النقي من رئتين..!

وانتقل إلى دار المعلمين العالية 1930 وكان فيها ثلاثة مدرسين اثروا كثيراً في باطنه التاريخي:

1ــ ساطع الحصري.. وعلمه معنى إن يؤرخ التاريخ بوعي قومي.

2ــ طه الهاشمي.. وعلمه الربط بين الجغرافيا والتاريخ.

3ــ الأديب المصري احمد حسن الزيات.. وساعده على الإنشائية الاجتهادية.

ورجع إلى الموصل متخرجا أستاذا للتاريخ في ثانويات الموصل، وبه تعلم التلاميذ لماذا يقرأ التاريخ ولماذا نكتبه وأية مادة منه اصح وأية مادة يكثر فيها المأزق، وعمل مدة في التفتيش وفي نيابة معارف الموصل وكان يوصي المدرسين بان يغرزوا (مادة التاريخ) في أذهان تلاميذهم (لان التاريخ مفتاح نهضة الأمة)..!

مشاهد الطفولة:

ترجع الوثائق القديمة نسب أسرة الديوه جي إلى قبائل الحبور وبالتحديد إلى قبيلة (ألبو نجاد- عشيرة العكلي) الصحراوية النشأة والترحل، وأول جد لهم نزح وسكن الموصل عرف باسم (جاسم) وكان منذ حل تعاقد مع تاجر موصلي أن يتولى نقل بضاعته إلى مدينة (حلب) وبالعكس حتى عرف جدهم جاسم بـ (الديوه جي) أي (الجمال) باللغة التركية (أي ينقلون التجارة على الجمال) والكتب التي تذكرهم يذكرون باسم (الدوه جي) وأهل الموصل يلفظونها (الديوه جي) والمؤرخ سعيد الديوه جي اثر كتابتها كما يلفظها الموصليون.

ولد في الموصل في دار أجداده التي تقع في محلة (باب المسجد) نسبة إلى المسجد الذي شيدته قبيلة ثقيف، وتقول إحدى وثائقه أن بعض آبائه الذين سكنوا هذا البيت كانوا يعملون في رأسة (الينجرية) وهم الانكشارية واشتهر منهم (محمد آغا بن مصطفى آغا 1199هـ) وكان أول من اعتزل هذه المهنة جده (محمد اغا بن سليمان اغا ت 1314هـ) حيث ضم الى الدراسة الدينية فنبغ فيها فقهاً واعقب كلا من والده الشيخ احمد وعمه الشيخ عثمان.وبعد ولادته بعدة سنوات عين والده قاضياً ومفتياً في سنجار أولا وفي تلعفر والتحق بوالده وعاش جزءا من طفولته في هاتين المدينتين وبقي من هذه الصور الطفولية:

1ــ كيف أن الأكراد والعرب يتصارعون بشأن الاستحواذ على عيون الماء، وكيف أن الضابط الإنكليزي (لجمن) ينحاز لهؤلاء مرة ولأولئك مرة أخرى، وكان يرى أيضا طقوس (البابا وات) الغريبة وهؤلاء شيعة بعضهم ينتسب الى (بيرزكر) وله مقام يزار وبعضهم ينتسب الى (الست زينب) ومرقدها فوق ربوة على يمين الداخل الى سنجار.

2ــ كيف شاهد الجوع ينخر صدور الناس في الموصل والجياع سائبين في الطرقات ومرض التيفوئيد يفتك بالمهاجرين الأرمن وأكثرهم يموت في مكانه بينما الغلال مكدسة في المخازن، والعثمانيون يصادرون أقوات الناس..!

3ــ كيف رأى القائد الإنكليزي (لجمن) في سنجار يدخل مع والده القاضي في جدال عنيف أو صياح مثير ولا يعرف سبباً لذلك ثم رأى المس بل تحاور والده القاضي في تلعفر بلطف وعناية، ورأى المس بل مرة أخرى وهي تدخل الى صفه في مدرسة تلعفر وتسأل الطلبة (من منكم يعرف الإنكليزية؟) وأخيرا قالت: (اتركوا التركية وتعلموا العربية).

ولقد شاهد ورأى أكثر من هذا أقسى وأفظع رأى التخلف على درجات ورأى الأحرار يؤسسون البدايات وهذه ومن قلب التناقضات عرف التميز في كتابة تاريخ الموصل، وعرف أخيرا أن التاريخ هو كالكائن الحي يولد طفلاً فشابا فشيخا يفكر ثم يموت أو يجف ضئيلا ضئيلا..!