ألان تورين عالمُ اجتماعِ الحركات الإجتماعية والفاعلين الإجتماعيين

Wednesday 9th of August 2023 12:44:10 AM ,
5485 (منارات)
منارات ,

محمد الهلالي

توفي عالمُ الاجتماع الفرنسي ألان تورين (Alain Touraine) يوم الجمعة 09 يونيو 2023 عن عُمر ناهز 97 سنة. كان أبوه طبيبا يملك مكتبة كبيرة تضمّ حوالي 10000 كتاب. كان متحمسا للأدب منذ طفولته. تزوج من باحثة شيلية (أندريانا أريناس بيزارو) والتي توفيت سنة 1990. كان يقول أنه «لا يستطيع العيش مع امرأة فرنسية».

عارض سنة 1989 طرد الفتيات المسلمات المحجبات من إعدادية «كريل». وطالب سنة 1968 بحذف الامتحانات في مجال العلوم الاجتماعية. يقدم نفسه كنقيض لبيير بورديو. وأعلنَ إلى جانب جون بودريار عن «نهاية المُجتمعي». أدرك منذ بداية الثمانينيات أن اهتمام الأفراد تمركزَ حول «البحث عن الذات» وعن «الهوية الشخصية». ليس من المتحمسين للأمة. يرى أن المجتمعات الحديثة فقدت بوصلتها الجماعية، وأن للأخلاق أهمية كبرى لتحقيق التقدم. وهذا يفسر تركيزه على الحقوق الأساسية والدفاع عن الكرامة الإنسانية وكونية القيم. درس في أمريكا في الخمسينيات واطلع على درس من دروس عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز (Talcott Parsons) وانصدم من موقف بارسونز من المجتمع لأنه «يعتبره بديهية ويعيش فيه كما يعيش في منزل»، بينما يرى ألان تورين أن المجتمع «يُسيء التصرف، ولا يَعرف ما يريد وهو في وضعية انهيار».

تخصص في الدراسة السوسيولوجية للمجتمع ما بعد الصناعي وللحركات الاجتماعية وديناميكية الفاعلين الاجتماعيين، وإعادة الاعتبار للذات الفاعلة ضدا على البنية الواعية وغير الواعية. كان مواكبا نقديا لتجربة اليسار المعتدل في فرنسا، واهتم بالأقليات مثل المهاجرين غير النظاميين. لم يتردد في التموقع في الحقل السياسي. كان من علماء الاجتماع الأوائل الذين اهتموا بالحركات الاجتماعية الجديدة مثل الحركة الطلابية والنسوية والإيكولوجية والجهوية... معتمدا على «التدخل السوسيولوجي» لدراسة الاحتجاجات والنضالات بهدف إضاءة ممارسات الفاعلين الاجتماعيين انطلاقا من أهدافهم. صارت السوسيولوجيا مع ألان تورين مضطرة لإنتاج نتائج معرفية، والسماح بقياس قدرة المجموعات على تحليل نضالاتها وتاريخها وتجاربها ومشاريعها على ضوء المعارف التي وفرتها لها السوسيولوجيا كما يمارسها ألان تورين.

كان يدعو إلى «ترك الهدوء المطمئن للمذاهب الطوباوية والانخراط في حركة العلاقات الاجتماعية». حدد ألان تورين ثلاثة مبادئ أساسية لعلمِ اجتماعِ الحركات الاجتماعية الذي مارسه وهي: أ( دراسة مجموعة من المساهمين النشطين في فعل جماعي). ب( الحث على التحليل الذاتي للحركة الاجتماعية.) ج( بلورة فرضيات تخص أعلى مستوى يمكن أن يطاله الفعل المقرر إنجازه).

قاد منهج ألان تورين لتجنب النزعات المثالية والطبيعية والتاريخانية والإرادوية في مجال السوسيولوجيا. وإذا كان هدف علم الاجتماع هو معرفة الواقع الاجتماعي، فإن هذا الواقع لن يكون حقيقيا إلا إذا أكد المعنيون بالأمر (الذين تدرسهم السوسيولوجيا) أنه حقيقي بالفعل، وإلا إذا قبلوا نتيجة الأبحاث على أنها حقيقية بالفعل. فلا يمكن وفق ما تقتضيه «سوسيولوجيا الفعل» أن يظل عالم الاجتماع مجرد ملاحظ: لقد مكن ألان تورين من التقاء منطق الفعل بمنطق المعرفة.

لقد فرضت العلوم الاجتماعية –أمام اوضاع العمّال والمهاجرين والفقراء والشباب والنساء- إيجاد واستعمال صيغ جديدة من الأبحاث لربط النضال بالتحليل السوسيولوجي وتمكين الذين شملهم التحليل السوسيولوجي من التعبير وضمان استعمال هذه الأبحاث لصالح المسيطر عليهم.

لقد تميز علم الاجتماع الذي مارسه ألان تورين بمميزات تجعل منه أحد أبرز علماء الاجتماع في عصرنا. فلقد أعاد الاعتبار للفاعل الاجتماعي وللذات الاجتماعية التاريخية ضدا على تصورات قالت بموت الإنسان وبسيطرة البنية الموضوعية أو اللاواعية. فمقاربته تقوم على الفعل والفاعل الاجتماعيين، أي ضرورة الاهتمام بالخاصية الديناميكية للمجتمع. تناولت هذه السوسيولوجيا المجتمع باعتباره قادرا على إنتاج توجهات اجتماعية وثقافية بناء على أنشطته وقادرا على إعطاء معنى لهذه الممارسات (اعتمادا على المعرفة، التوجه السياسي، مراكمة رأس المال). فظهور الصراع الاجتماعي سببُه احتكار طبقة قائدة ومسيطرة للمعرفة والثقافة ورأس المال على حساب المجتمع ككل. ويتولد هذا الصراع انطاقا من الأفراد الذين يجمعهم أفق الصراع المشترك وهو ما يجعلُهم فاعلين اجتماعيين. وتتميز الطبقة القائدة المسيطرة بممارستها للقمع والاحتكار، لكونها لا تخدم المجتمع وإنما تستخدمه لصالحها، كما أنها تشوه المجتمع وتضع لها الحدود وتفرض عليه إكراهات.

ركز ألان تورين أبحاثه في الثمانينيات على موضوع العودة إلى الذات أو الفاعل الاجتماعي (حقوق الإنسان، الحركات الاجتماعية). واعتمد في ذلك على فلاسفة مهمين مثل: ماركس، نيتشه، فرويد، جورج باطاي، هايدجر وفتجنشتين. دافع ألان تورين عن تصورٍ للذات يرى أنها ليست جوهرا ولا عنصرا ثابتا يعبُر التاريخ. ورفض فكرة موتِ الإنسان كما رفض النقد الموجه للنزعة الإنسانية (من طرف مفكرين مهمين مثل فوكو ولاكان وليفي ستروس وألتوسير). لقد رفض تجريد الذات من الوعي الذاتي والإرادة والاستقلالية. كان من الضروري تجاوز التوتر ما بين الطابع البنيوي للأنظمة الاجتماعية المُحددِة لتصرفات الأفراد والجماعات من جهة، والبعد الفعال لتصرفات الأفراد والجماعات، أي القدرة على التأثير على اشتغال الأنظمة الاجتماعية من جهة أخرى. يتعلق الأمر بتصور يعتبر الافراد فاعلين أساسيين وليس مجرد عناصر في منظومة. وهذا يعني أنه لا يمكن دراسة الوقائع الاجتماعية إلا عبر فعل الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم أي عبر الفاعلين الحاملين للمعنى. لقد تم الاصطفاف إلى جانب الفاعل الاجتماعي عوض تجاهل دوره، فلم يعد موضوع ملاحظة لعلم الاجتماع وإنما صار فاعلا اجتماعيا. فالفرد في سوسيولوجيا ألان تورين لن يصبح «ذاتا فعليا وحقيقية» إلا بمعارضته لمختلف آليات السيطرة. وهو الأمر الذي سيسمح بفضح وتجاوز وهم سيطرة المنظومة وإبراز قدرة الفاعل الاجتماعي على الفعل وخوض الصراع والمقاومة.

وفي ارتباط وثيق بمفهوم الفاعل الاجتماعي استعمل ألان تورين مفهوما مركزيا هو «الحركة الاجتماعية» كموضوع للتاريخ وكسند يمكّنُ المجتمع من التأثير على نفسه. فما قام به ألان تورين بهذا الصدد «مكّن من فهم كيف تُنتجُ المكونات الداخلية المتحكمة في اشتغال نظام معين التصرفات التي تولّد التغييرات» (ألبيرتو ميللوتشي).

كما اهتم ألان تورين بالحركات الاجتماعية الجديدة مثل الحركة النسوية والبيئية والجهوية ومجتمع «الميم» و»العين»... وتوصل إلى أن هذه الحركات الاجتماعية الجديدة لا تحمل مشروعا مُحددا ولا تعارضُ خصما محددا خلافا للحركة العمالية التي لها مشروع وخصم محددان. وأوضح في هذا الصدد أن مركز صراع العلاقات الاجتماعية انتقل من حقل الشغل إلى حقل الثقافة، أي أن الصراع صار اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وليس اقتصاديا فقط. فالصراع الأساسي في عصرنا ليس صراعا بين البروليتاريا والمالكين لوسائل الإنتاج. لم تعد البروليتاريا هي الفاعل التاريخي المتميز في المجتمعات ما بعد الصناعية، اي أن الصراع لم يعد منحصرا داخل «مجال الإنتاج الصناعي»، لأن هذا المجال لم يعد هو محور الصراع، فالطبقة العاملة لم تعد وحدها في الميدان، لقد انضمتْ إليها الحركات الاجتماعية الجديدة. وحذر ألان تورين من أنه لا يتبنى الأطروحات السطحية مثل القول بنهاية الاستغلال وعدم وجود الطبقة العاملة وموت الحركة النقابية. ويذكِّر أن أهم إسهام للماركسية هو تحليل الرأسمالية كمنظومة، كما أنها قامت بدور تحديثي للفكر الاجتماعي بإبرازها للمجتمع كمنظومة تستجيب لتناقض رئيسي. كما يرى أن القطيعة الإبستيمولوجية لا توجد في مؤلفات ماركس (بين ماركس الشاب وماركس الذي تلاه)، وإنما حدثت في القرن العشرين: لما اكتسب المجتمع القدرة على التحكم في ذاته ومكّن بذلك من وجود علم الاجتماع.

ومن مميزات العصر ما بعد الصناعي حسب ألان تورين إصابة الحداثة بأزمة في ارتباط بعمليتين أساسيتين هما: العقلنة وفقدان المجتمع لمعتقداته. فبعدما انتصر العقل المُحرر والمُغير للعالم، أدت بعض التغييرات الناتجة عن استعماله إلى كوارث في القرن العشرين. فالعقل الذي كان تحرريا صار أداة مراقبة وإدماج وقمع.

ومن مميزاته أيضا الانتقال من نظام تعليمي يورث اللامساواة إلى نظام يخلق اللامساواة. لقد صارت المعرفة سلطة فعلية. لكن لا يتعلق الأمر بأية معرفة. إن وظيفة المدرسة اليوم هي خلق جيش من الذين لا يحملون أية شهادة دراسية، لذلك سوف تقضي المدارس العليا التخصصية على ما يعرف بالتخصصات الأدبية. وفي هذا الصدد يقول في كتابه الأخير الصادر عن منشورات «سوي» سنة 2022

المجتمعات الحديثة: التمتع بحقوق ما بين الهويات والحميمية - Les sociétés modernes. Vivre avec des droits entre identités et intimité): «بعد مرحلة أولى، سيطرت فيها معرفة الطبيعة، ومرحلة ثانية، سيطرت فيها علاقات الإنسان بالآلة وعلاقة الرأسمالية بالسلطة السياسية، نلج مرحلة ثالثة، تُوجهها وتُسيطر فيها علاقات الناس فيما بينهم، وهو ما تُسميه العلوم الإنسانية «مشاكل التواصل، « أي التصرفات التي تتولّد عنها أحكام قيمة، وخصوصا حول الخير والشر في مجتمعات لم تعد لها أسس دينية».

· عن الحوار المتمدن