دعوة للغداء

Wednesday 14th of July 2021 09:29:33 PM ,
4986 (عراقيون)
عراقيون ,

عائد خصباك

قبل منتصف النهار بقليل دخلت صالة بيته، كان عبد الملك نوري قد نقل سرير نومه من الغرفة الى الصالة، وكان مرتبا بعناية، وعندما رأى بصري وقع عليه وربما أطلت النظر، قال : هنا أفضل. ولم أعلّق على قوله ، بل أخرجت استمارة دفع رسمية من الدار التي أعادت نشر قصصه” نشيد الأرض” مكتوب فيه المبلغ المدفوع ، والمطلوب توقيعه بالاستلام.

ولد عبد الملك نوري في مدينة السويس بمصر، وكان والده عندها في رحلة خارج العراق، و دراسته الجامعية أكملها في الجامعة الامريكية ببيروت ، فاجاد اللغة الإنكليزية و عمل محاميا بعد أن أنهى دراسة القانون . وقبل نهاية الاربعينيات انتظم في السلك الدبلوماسي فعمل قائما بأعمال السفارة العراقية في “جاكارتا” وبعدها في طوكيو وبراغ. ونشرفي هذه الفترة العديد من قصصه القصيرة في الصحف والمجلات العراقية قبل ان تفوز قصته (فطومة) بجائزة مجلة الاديب اللبنانية عام 1948، نشرت (نشيد الارض) عام 1954 .

الملاحظ أن شخصيات قصصه غير راضين عن حياتهم فتدور الأحداث في المسافة الحساسة بين رغباتهم الداخلية وبين استحالة تحققها ، الشخصيات : ريفيون تثيرهم المدينة وتدخلهم في مصائدها ، رجال أو نساء في مبغى منطقة “ الميدان” ، نادلة في مقهى تنظر الى الشمس الغاربة من وراء زجاج المقهى الى واجهة البنايات المقابلة، فلا تستطيع الجمع بين عالمين حتى في أوهامها . مدمنون للخمرة لا حياة لهم من دونها ، ضحايا ضعفاء، هم من المفروض أن يكونوا وقودا الثورة، لكنهم في عالمه، يشكلون قوة للنظام لأنهم قوة غير فاعلة ، أو معطلة .

في شخصية عبد الملك نوري يجتمع الضدان السياسيان. هو ابن دبلوماسي شارك قبل هذا في تأسيس الدولة العراقية. ولكنه بدأ حياته ماركسياً مواجهاً ومتحدياً العوائل والنخب التي خرج من بين صفوفها واكتسب الثقافة والمعرفة بين احضانها. تلك المفارقة ربما شكلت سبباً مهماً في مسيرته الابداعية، بين تألقه الادبي السريع وانتكاسته وانطفاء وهج ابداعه في وقت مبكر من حياته.

هناك من يرجع توقفه عن الابداع الى انهيار حياته الزوجية بعد انفصاله عن زوجته التي كان يحبها. و أنه ترك وظيفته، وكان موظفاً مرموقاً في السلك الدبلوماسي الخارجي. ترك العمل فما له من مورد يأتيه بعد ذلك، وابتعد عن الناس الا في حدود ضيقة جدا، ولم يتزوج من جديد، و ظل يعيش في ذلك البيت الذي في “ الأعظمية” هو واخته، التي لم تتزوج، فكانا معا مثل ناسكين في صومعة ، كانت اخته كل حياته، ترعاه كما لو كان طفلها الوحيد الذي شاءت الأقدار أن لا يأتيها.

لم أكد أجلس في مكاني من الصالة، قال لي مرحبا : أن مجيئي الى بيته في هذه الساعة ، يستحق أن يذبح لي خروفا على الغداء، لكن للأسف لا يستطيع ذلك لأنه وأخته مدعوان على الغداء.

في الحال أعطيته مبلغا في ظرف وقلت له: هذا المبلغ لك ، مكافأة لإعادة نشر” نشيد الأرض” ، و طلبت منه أن يوقع على مستند الصرف الصادر من حسابات الدار وفيه المبلغ مكتوبا رقما و كتابة.

بالفعل كان لا يدري ماذا يفعل، فقد باغتته المفاجأة ، وكان لا يدري ما يفعل قبل أن ينادى على أخته فأسرعت بالدخول الى الصالة حيث كنا ، و أخذها جانبا بعد أن ألقت تحيتها لي ،فكانا في جدل. بعدها لبست فوق ملابسها البيتية عباءة و خرجت مسرعة ومعها حقيبة تسوّق من القماش.

قال لي: ما رأيك أن نتغدى معا، وأرجوك لا تجادلني في هذا.

من كتاب 100 زائد واحد