الكاتبة الهندية أرونداتي روي: لا شيء يمكن أن يعود إلى طبيعته بعد الآن

Tuesday 16th of February 2021 09:20:55 PM ,
4875 (منارات)
منارات ,

فخري صالح

تصطفُّ الروائية والكاتبة والناشطة السياسية الهندية أرونداتي روي (من مواليد 1961) إلى جانب عالم اللغة والمفكر والناشط السياسي الأميركي نعوم تشومسكي، وكذلك المنظّر والناقد الأدبي والناشط السياسي الفلسطيني – الأميركي الراحل إدوارد سعيد (1935-2003)، لكونها واحدة من أبرز المدافعين عن حقوق الفقراء والمستضعفين في الأرض.

وعلى الرغم من أن روي أصدرت عملها الروائي الأول “إله الأشياء الصغيرة” عام 1997 الذي فاز بجائزة البوكر البريطانية ذلك العام، وعملها الروائي الثاني “وزارة السعادة القصوى» The (2017)، فقد اختارت أن تكون ناشطة في العمل السياسي ومناهضة للتسلح النووي، وداعية إلى الديموقراطية في العالم، ومقاتلة عنيدة ضد مشاريع السدود الضخمة في الهند بسبب ما تسببه من تشريد ملايين البشر وتدمير الحياة البيئية الطبيعية وإجبار السكان على تغيير المهن التي نشأوا وتربوا عليها طوال أعمارهم. إن كتبها “نهاية الخيال” (1998)، و”ثمن العيش” (1999)، و”علم جبر العدالة اللانهائية” (2001)، و”سياسات القوة” (2001)، و”حديث الحرب” (2003)، و”دليل القارئ العادي إلى الإمبراطورية” (2004)، و”الإنصات إلى الجنادب: ملاحظات ميدانية عن الديموقراطية” (2009)، هي من ذلك النوع من الكتابة الذي يتخذ شكل المانيفستو أو البيان، أو الكتابة السجاليَّة التي تدافع، بحرارة وقدر عالٍ من الالتزام، عن القضايا العامة.

وقد نشرت روي في الثالث من الشهر الحالي مقالة لافتة في صحيفة الفايننشال تايمز في عنوان “الجائحة بوابة” ( ترجمت الى الفرنسية وستصدر قريباً في كتاب عن دار غاليمار مع شهادات كتّاب من العالم)، تشرح فيها كيف أثر انتشار فيروس كورونا في بلدها الهند، وما الذي على بلدها والعالم أن يفعلا لمواجهة هذه الكارثة التي تهدد الوجود البشري، وبنية المجتمعات، ومخاطر الجوع وفقدان الوظائف، في بلد تعصف فيه الأزمات السياسية والاقتصادية، وتشعله الكراهية ويزدهر فيه التمييز، وينتشر العنف، ويزداد فيه الفقراء فقراً. بأسلوبها، البديع الذي يحمل نفحة عميقة من الحس الإنساني والمسؤولية التاريخية تجاه مواطنيها بخاصة والبشرية بعامة، تضيء أرونداتي روي على مشاهد، تقطِّع القلب، للعمال اليوميين الهائمين على وجوههم بعد قرار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي فرضَ حظر التجول وطلبه تطبيق القرار خلال أربع ساعات فقط. وقد أدى ذلك إلى كارثة إنسانية كبرى ومشهد أليم للعمال الذاهبين إلى قراهم، التي تبعد مئات الكيلومترات، على الأقدام من دون طعام أو ماء. في الوقت نفسه، فإن الكاتبة الهندية، التي استخدمت بطاقتها الصحافية لكي تراقب وتسجل هذه الكارثة، تقدم ملاحظات لامعة على مستقبل البشرية في زمن جائحة كورونا، وكوننا نمر بلحظات مفصلية في تاريخ الإنسانية.

إنطلاقاً مما سبق اخترت أن أترجم مقاطع من هذه المقالة المميزة.

“مَنْ يقدر الآن على استعمال تعبير «gone viral» (أي انتشر بسرعة البرق) من دون أن ترتعد فرائصه؟ من ستُسوِّلُ له نفسه، منذ هذه اللحظة، أن ينظر إلى أي شيء –أكرة باب، أو علبة من الورق المقوَّى، أو كيس فواكه- من دون أن يتخيَّل تلك الكائنات الدقيقة، غير المنظورة، غير الميتة، غير الحية، المغطاة بسطوح ماصَّة، منتظرةً الوقت المناسب لكي تلتصق برئاتنا.

من يستطيع التفكير في تقبيل شخص غريب، أو ركوب الحافلة، أو إرسال طفل إلى المدرسة، من دون شعور بالخوف؟ من في إمكانه التفكير بالمتع العادية البسيطة من دون أن يحسب الأخطار المترتبة عليها؟ [في الوقت نفسه] مَنْ منَّا لم يتحوَّل إلى متخصصٍ دعيٍّ في الأوبئة، وعلوم الفيروسات، والإحصاء؟ إلى نبي؟ ومنْ من العلماء أو الأطباء لا يدعو في سره إلى حصول معجزة؟ منْ مِنَ الكهنة ورجال الدين –في السر على الأقل- لا يرى في غير العلم حلاً؟ وحتى في ظل انتشار الفيروس، من لا يطرب لأصوات العصافير في المدن، ويبتهج لرؤية الطواويس وهي تعدو راقصة في الشوارع الخالية، وللصمت الذي يغلف الأرجاء؟

لقد تحرك الفيروس بحرية على طرق التجارة ورأس المال العالمي، وأجبر المرضُ الرهيبُ، الذي جلبه معه، البشرَ على لزوم بلدانهم، ومدنهم، وبيوتهم. ولكنه، على النقيض من حركة رأس المال، يسعى إلى التوسع والانتشار لا الربح. كما أنه عَكسَ، على نحو ما، ومن دون قصد، حركة رأس المال. سخر من قوانين الهجرة، وإجراءات أخذ البصمات، والرقابة الإلكترونية، وكل أنواع تحليل المعلومات، ونزل كالصاعقة – حتى هذه اللحظة على الأقل- على أغنى وأقوى شعوب الأرض، مُجبراً الآلة الرأسمالية أن تتوقف، لربما إلى حين، ولكن ذلك سيكون كافياً لنا كي نتفحَّص أجزاء هذه الآلة، ونحكم في ما إذا كنا سنقوم بإصلاحها، أو نبحث عن آلة أفضل منها.

إن المسؤولين الذين يتعاملون مع هذه الجائحة مغرمون بالحديث عن الحرب. وهم لا يستعملون كلمة الحرب كاستعارة، بل بصورة حرفية. لكن إذا كان ما نراه حرباً حقيقية، فمن غيرُ الولايات المتحدة باستطاعته خوض هذه الحرب؟ إذا لم يتطلَّب الأمر مجرد أقنعة وقفازات كجنود في خط الدفاع الأول، بل بنادق، وقنابل ذكية، وقنابل قادرة على اختراق التحصينات والمخابئ، وغواصات، ومقاتلات نفاثة، وقنابل ذرية، فهل يمكن أن يكون هناك نقص في المعدات؟

لكن، يوماً بعد يوم، نشعر باستغراب شديد ونحن نستمع إلى ما لا يمكن تصديقه في الإيجاز الصحافي لحاكم نيويورك. كما أننا نتابع المعلومات الإحصائية، وقصص مستشفيات الولايات المتحدة التي ضاقت بمراجعيها، وحكايات الممرضات المتدنيات الأجور، اللواتي أرهقتهنّ ساعات العمل الطويلة، يصنعن الأقنعة من بطانات سلال القمامة، ومعاطف المطر القديمة، مخاطراتٍ بحياتهنّ من أجل إنقاذ المرضى. نسمع عن الولايات المختلفة تضارب على بعضها بعضاً للحصول على أجهزة تنفس، عن الأطباء الذين يواجهون معضلة أن يقرروا أيّاً من المرضى يمكن أن يترك ليموت؟ نسمع ذلك كله ونهمس لأنفسنا: “يا إلهي! أهذه أميركا؟»

إن هذه المأساة آنيَّةٌ، حقيقية، هائلة ومروعة، ومستمرة نشاهدها كل يوم. لكنها ليست جديدة، فهي حطام قطار ظلَّ يتدهور على السكة على مدار سنوات.

الرجل الذي يحب المشهديَّة والاستعراض [ناريندرا مودي] صنع أم الاستعراضات. وفيما يشاهد العالم المُرَوَّع، كانت الهند تزيح الغطاء عن عارها – عن غياب المساواة، في أكثر صورها وحشية، وتجذّر الظلم على صعيد البنية والمجتمع والاقتصاد؛ عن لامبالاتها القاسية، التي لا ترحم، بمعاناة الناس وعذابهم.لقد عمل الحظر وتحديد الحركة مثل تفاعل كيماوي كاشفاً عن الأشياء التي تمت مداراتها. ففيما كانت المحلات والمطاعم والمصانع ومواقع البناء تغلق أبوابها، والأغنياء وأبناء الطبقة المتوسطة ينسحبون إلى مستعمراتهم الموصدة الأبواب، بدأت بلداتنا ومدننا الكبيرة تتقيَّأ الطبقة العاملة فيها – عمالها المهاجرين – وكأنهم فائضٌ لا ضرورة له. الكثير منهم طردهم أصحاب العمل ومالكو البيوت؛ ملايين من الفقراء والجوعى والعطشى، شباباً وشيباً، رجالاً ونساء وأطفالاً، مرضى وعمياناً ومقعدين، لا مكان لديهم يذهبون إليه، أو مواصلات عامة يستقلونها. هؤلاء جميعاً اضطروا إلى بدء مسيرة طو يلة إلى قراهم. مشوا أياماً وليالي، إلى بودايون، وأغرا، وأزامغار، وأليغار، وغوراكبور، مئات الكيلومترات، وبعضهم مات في الطريق.

كانوا يعرفون أنهم ذاهبون إلى قراهم ليتجنبوا الموت جوعاً. ولربما يعرفون أنهم يحملون الفيروس معهم، وسوف ينقلون العدوى إلى عائلاتهم، آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم، لكنهم يحتاجون إلى وجوه أليفة يسكنون إليها، إلى مأوى وكرامة، وقليل من الطعام والحب. وبينما كانوا يمشون تلقى بعضهم الإهانة والضرب بوحشية من قبل رجال الشرطة الذين تولوا إنفاذ أمر الحصار ومنع التجول. فأُجبر الشباب على جلوس القرفصاء والقفز كالضفادع على منحدر الطريق السريع. وبالقرب من مدينة باريلي، جرى تكديس مجموعة كبيرة من الأشخاص ورشهم بمواد كيماوية.

لكن بعد بضعة أيام، خافت الحكومة من أن الشعب الشارد قد ينقل العدوى إلى القرى، فأغلقت الحدود ومنعت الهاربين من الحركة. وهكذا، فإن من مشوا أياماً وليالي، جرى إيقافهم وأُجبروا على العودة إلى مخيمات في المدن التي دُفعوا إلى مغادرتها قبل فترة قصيرة. وفيما يستمر حظر التجول، لأسبوعه الثاني، فإن الإمدادات الغذائية بدأت في النفاد، وكذلك الأدوية والحاجات الضرورية.

إن الأزمة الاقتصادية حاضرة، والأزمة السياسية مستمرة. ووسائل الإعلام العامة المهيمنة أدرجت حكاية كوفيد 19 ضمن حملتها ضد المسلمين. فالمنظمة المدعوة جماعة تبليغي، التي عقدت اجتماعاً في دلهي قبل إعلان الحظر، هي من قام “بنشر الفيروس”. وقد استعمل هذا الكلام لوصم المسلمين وشيطنتهم. بل إن النغمة العامة تفيد بأنهم اخترعوا الفيروس ونشروه عن عمد كشكل من أشكال الجهاد.

وبغض النظر عن أي شيء، فإن فيروس كورونا قد أجبر القويَّ على الركوع، وجعل العالم يتوقف، كما لم يفعل أي شيء قبله. كما أن عقولنا ما زالت تضرب أخماساً في أسداس، ضارعةً للعودة إلى “الوضع الطبيعي”، في سعيٍ إلى وصل مستقبلها بماضيها، ورافضة الاعتراف بحدوث القطيعة. لكن القطيعة حصلت، وهي، انطلاقاً من هذا اليأس المقيم، تعرض علينا فرصة لكي نعيد التفكير بآلة يوم الحساب التي صنعناها لأنفسنا. فلا شيء يمكن أن يعود إلى طبيعته.

تاريخيّاً، أجبرت الأمراض الجائحة الناس على القطع مع ماضيهم، والتعامل مع عالم جديد. وليس ما نحن فيه بالمختلف. إنه نافذة، بوابة قد نخطو منها إلى عالم آخر. ويمكننا أن نعبرها جارّين جثث الكراهية والتمييز، جشعَنا، وبنوك معلوماتنا، وأفكارَنا الميتة، أنهارَنا التي جفت وسماواتنا الملبدة بالدخان. نترك ذلك كله خلفنا، ونخطو بخفة، بقليل من المتاع، مستعدين لتخيل عالم آخر يمكننا الدفاع عنه».

عن الاندبندنت