صديق الجواهري الأول في بغداد.. صحفي لامع وكاتب قدير

Sunday 27th of December 2020 06:51:54 PM ,
4840 (ذاكرة عراقية)
ذاكرة عراقية ,

رفعة عبد الرزاق محمد

في اليوم الاخير من ايام معرض العراق الدولي للكتاب المنعقد ببغداد للايام من 9 الى 19 من كانون الاول 2020 ، القيت محاضرة عن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري ، عنوانها ( صفحات شاردة من حياة الجواهري ) ، قدمت فيها اربع صفحات مطوية من حياة الشاعر الكبير ، فقد وطنت نفسي على ان اتحدث بالصحائف المنسية من سير الشخصيات العراقية او غيرها ، وهي الصفحات التي غفل عنها الكتاب او تفرقت في بطون الصحائف والذكريات .

وكان من حديثي هذا عن الجواهري عن شخصية غير معروفة للكثيرين ممن يهتم بتاريخ الجواهري واحواله ، هو المرحوم عبد الرزاق الناصري ، الذي اكاد اعتقد انه الصديق الاول للجواهري عند مجيئه لبغداد واستقراره فيها في النصف الثاني من عشرينيات القرن المنصرم . وقد طلبت احدى الفضليات ـ بعد انقضاء الجلسة ـ ان اعرفها بالناصري لانها طالبة دراسات عليا تبحث عن هجائيات الجواهري !. 

كنت قد كتبت قبل اكثر من ثلاثين عاما عن عبد الرزاق الناصري ، وذلك في جريدة ( الاتحاد) البغدادية بتاريخ 12 حزيران 1989 ، مقالا عنوانه ( عبد الرزاق الناصري وقائمته السوداء) ، وقد عقب عليها بعد عددين الاستاذ رجب بركات مؤرخ الصحافة البصرية ، معرفا بزوج الناصري السيدة فاطمة حسين التي اكملت مسيرة زوجها الصحفية ! ومما قلته :

على الرغم من ان مجلة ( المناهل ) الذائعة احدى ارقى المجلات الادبية الصادرة في العراق فان صاحبها المرحوم عبد الرزاق الناصري المتوفى سنة 1945 بقي من الاسماء المنسية في تاريخ صحافتنا كغيره من الاسماء الكثيرة التي يعج بها تاريخ صحافتنا ..

والملاحظ على صحافة الناصري انها صدرت في فترات متفاوتة في بغداد والبصرة بسبب عدم استقرار الناصري في المدينتين ، فقد اصدر مجلة ( النشيء الجديد) في البصرة عام 1927 ثم نقلها الى بغداد في السنة التالية ، وعاد الى البصرة عام 1930 ليصدر جريدة الايام مع صديقه عبد الجليل برتو ، واصدر في بغداد جريدة الانباء عام 1936 وتوقفت عن الصدور لنقل صاحبها مدرسا للغة العربية في ثانوية البصرة ، ولم يلبث أن استقال من وظيفته وعاد الى بغداد فاصدر مجلته الذائعة ( المناهل) عام 1937 التي لم تستمر طويلا ، فقرر بعدها الاستقرار في البصرة بشكل نهائي ، فاصدر فيها جريدة الانباء للمرة الثانية في منتصف عام 1940 .

وبعد انتهاء حركة مايس 1941 وعودة القوات البريطانية الى البصرة ، بدأت جريدة الانباء سياسة جديدة ، فبعد ان ايدت حركة مايس ( بتحفظ) مع انها كانت تبرز تصريحات قادة الحلفاء وتهاجم قادة المحور ، اخذت تؤيد العهد الجديد الذي اعقب الحركة الاستاذ رجب بركات في كتابه عن صحافة البصرة بمثابة لسان حال قوات الاحتلال ، واخذت في تحريرباب فيها باسم ( القائمة السوداء )حرضت فيه الحكومة علة التنكيل بشخصيات معروفة بتاييدها حركة مايس امثال طه الفياض وتقي الشيخ راضي وساطع الحصري واكرم زعيتر ودرويش المقدادي وفيصل حمود وغيرهم . لقد لعبت الاهواء الشخصية والخلافات الخاصة في كتابة هذه المقالات . ولما كانت حكومة جميل المدفعي التي اعقبت حركة مايس قد سنت لنفسها سياسة ( اسدال الستار) وتهدئة الاوضاع فقد عطلت الجريدة في تموز 1941 لاندفاعها في مهاجمة حكومة رشيد عالي الكيلاني ومؤيديها ، ومع ذلك فقد استمر الناصري في سياسته عندما اصدر جريدة باسم ( آخر ساعة ) التي استمرت الى نهاية الحرب العالمية الثانية ووفاة الناصري .

ومن الطريف ان اذكر انه بعد انتقال امتياز جريدة ( اخر ساعة ) بعد وفاة الناصري الى ورثته ، اتفقت السيدة فاطمة حسين زوج الناصري مع حزب الاستقلال ــ خصوم الناصري وانصار حركة مايس ــعلى اصدار الجريدة معبرة عن رأي الحزب . ولم يستمر الامر طويلا اذ انتهى العقد بين الاستقلاليين وورثة الناصري لصدور جريدة ( الناس ) لصاحبها عبد القادر السياب ممثلة للحزب المذكور ، فبدأ الوهن يدب في الجريدة ، فاضمحلت واحتجبت عام 1950 .

هذا ما كتبته سنة 1989 ، واستدرك هنا ، ان عبد الرزاق الناصري كان من اوائل الذين تعرف عليهم الاستاذ الجواهري عند مجيئه لبغداد واستقراره فيها ، وقد توطدت هذه العلاقة حتى اصبحت شخصية ،حتى ان قصيدة الجواهري الشهيرة ( النزغة ) التي نظمها سنة 1929 وقال فيها :

ومعي صاحب تفرست فيه كل خير فلم تخني الفراسة

كان مقهى (رشيد) موعدنا عصرا وكنا من سابق احلاسه

مجلس زانه الشباب واخلوا للزهاوي صدر الرياسه

هم ان شئت مجمع للدعابات وان شئت معهد للدراسه 

ثم كان العشاء فانصرف الشيخ كسيحا مودعا جلاسه 

وافترقنا نريد ( مهران ) نبغي ورطة في لذاذة وارتكاسه

ومنها البيتان الشهيران! :

قال لي صاحبي الظريف وفي الكف ارتعاش واللسان انحباسه

اين غادرت ( عمة) واحتفاظا قلت : اني طرحتها في الكناسه

وما صاحبه هذا الا عبد الرزاق الناصري كما ذكر الجواهري في اكثر من مورد ، وما مقهى رشيد الا (كازينو) على نهر دجلة ، كان يضم جماعة من الشعراء والادباء في مقدمتهم الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي ، اما ( مهران ) فحانة نسبت الى اسم صاحبه في منطقة السنك .

وبقيت علاقة الزهاوي بالناصري حتى ترك الاخير بغداد في اواخر الثلاثينيات وقد ذكر الجواهري بعض هذه الصلة بمذكراته . 

اطلعت على مقالين قيمين عن عبد الرزاق الناصري في السنوات الاخيرة للاستاذين الفاضلين علاء لازم العيسى و ذياب فهد الطائي ، وفيهما من الفوائد ما كنت اجهله سابقا ، فاجليا صفحات منسية من سيرة الناصري.

ومن ذلك ان للناصري ابنين هما غازي وسعود ، الاول لم يسجل عنه شيء والثاني فهو الاستاذ سعود الناصري الصحفي والكاتب اليساري المعروف ( ت2007) ، ويذكر الاستاذ ذياب فهد الطائي :

يصف الشاعر الكبير الجواهري عبد الرزاق الناصري: بالوطني الشهم والصحفي الجريء ، ويذكر الصحفي جميل روفائيل أنه حين سمع سعود (نجل الناصري) . قال : كانا ، متفقين في القضايا الوطنية ويلتقيان بصورة متواصلة كما يذكر الجواهري في مذكراته ان عبد الرزاق الناصري (الصحفي والأديب والشاعر الصديق ) .

وعن وفاة الناصري يقول الجواهري في مذكراته :

أن إبنه المدلل (سعود ) اخبره بتفاصيل الحادث كما يلي : بعد عودته من بغداد أوى الى فراشه وكان متعبا والقى بنفسه كمن لم ينم منذ زمن طويل وفي اليوم التالي كالعادة ، تقدم منه سعود ليوقظه ، رآه يغط في نوم عميق ، كان كل شيء قد انتهى وتوقف قلبه عن الخفقان حينها أخذ سعود بالصراخ . ومن الملفت للنظر في هذه الرواية التي جاءت في مذكرات الجواهري ، انه لم يرد ذكر زوجة عبد الرزاق الناصري (فاطمة حسين ) ، وتعطي الرواية الانطباع وكأن ابنه سعود كان وحيدا في الدار ، علما بأنه لم يكن يزيد عمره عن سبع سنوات. وهنا ملاحظة أخرى تتعلق بالتوجه السياسي لعبد الرزاق الناصري ، فهو صديق حميم للجواهري وهو من المناهضين لحركة رشيد عالي الكيلاني وهو أيضا لم يروج لعودة الحكم الملكي الذي ترك بغداد الى البصرة ولم يتعاون مع عبد الأله او القوات البريطانية .

من اشقاء عبد الرزاق الناصري الكاتب والمترجم عبد الكريم الناصري الذي ترجم رسائل المس بيل عن تكوين الدولة العراقية ، وقد جمعت ابنته الاديبة الفاضلة بثينة الناصري تلك الترجمة بكتاب باسم ( خلق الملوك ) . اما الاخو الاصغر لعد الرزاق الناصري فهو عبد السلام الناصري الشخصية اليسارية المعروفة المعروفة باسم ( انور مصطفى ) .