الناصرية.. ملحُ الانتفاضة وجرحها الشامخ

Thursday 30th of January 2020 07:57:58 PM ,

الحريات اولا ,

 زياد وليد
رغم أن العاصمة هي المتصدرة بين اخواتها المحافظات لناحية عدد الشهداء والمصابين والمعتقلين، إضافةً لما تمتكله من حظوة وسمعة وأهمية؛ إلا أن الناصرية، التي احتلت المركز الثاني في دوري ضحايا إرهاب السلطة وأحزابها، جرحت العراقيين أجمع بمآسيها المتكررة.

لا ينسى العراقيون يوم الخميس المشؤوم، حين ارتكبت العصابات الإجرامية مجزرة بحق شباب الناصرية بفتحها النار عليهم دون سابق إنذار. كانت الليلة التي سبقت تقديم رئيس الوزراء المخلوع عادل عبد المهدي استقالته. تلك الاستقالة التي لم تُفرح المحتجين الغارقين في حزنهم على ضحايا الناصرية.
ذهبتُ بعد ساعةٍ من إعلان الاستقالة إلى ساحة التحرير. كان المشهدُ غريبًا. أُناس يتجولون عابسين، معتصمون يُحضّرون الأطعمة للعشاء، متظاهرون يتعانقون، يُباركون لبعضهم بحُزنٍ واضح، يرددون عبارات لبعضهم تتمحور بـ : لم تنتهِ القصة بعد.
لقد كانت الناصرية هي الأولى بين المحافظات في مسلسل حرق مقار الأحزاب، خاصةً بعد كل عملية قمع يتعرضون لها. والغريب، أن حرق المقار حاز على تأييد شعبي كبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عكس ما حصل مع البصرة في العام الذي سبق انتفاضة تشرين. بالمقابل، ردّ المسلحون بحرق قلوب العراقيين جميعًا عبر قتل شبابها بدمٍ بارد. الدماء مقابل الأحجار، تلك هي معادلة الأحزاب التي جاءت بها الولايات المتحدة الأمريكية لتؤسس نظامًا ديمقراطيًا.
تُعيد الناصرية الكفة كلما مالت. تدفع الدماء، وترص الصفوف، وتشد الهمم. ويُمكننا القول إن الانتقام من هذه المدينة أصبح منهجًا لبعض الأطراف، فما مرت ثلاثة أسابيع على حرق بعض خيام المعتصمين، حتى جاء فجر الإثنين، 27 كانون الأول  2020، ليقتحم مسلحون ساحة الحبوبي، مطلقين النار على الشباب، قبل أن يحرقوا العشرات من خيامهم.
 تسببت حالة التعاطف الشعبية مع الناصرية بجعلِها عدوةً للسلطة، لكن إقدام المتظاهرين على حرق مقار الأحزاب ليس وحده السبب؛ بل إن الرمزية التي حظيت بها المدينة ألهمت الناس وصارت مصدر توحد للساحات، وهذا ما يُقلق السلطة: الخوف من الرموز.
نقطة أخرى، كانت سببًا بهذا العداء، وهي التهديدُ بالتصعيد والقدرةُ عليه، تلك السمات التي امتازت بها الناصرية منذ انطلاق الاحتجاجات؛ فربما هي المدينة الأكثر فاعلية لناحية صنع الحدث على أرض الواقع، وليس في الإعلام.
جاءت #مهلة_الناصرية، التي انتشر الوسم الخاص بها في أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي، وانضمت المحافظات بما فيها بغداد إلى مهلة الأسبوع التي انطلقت من الناصرية لتسمية رئيس وزراء جديد، واستبقت المليونية التي دعا إليها الصدر، وسرقت الأضواء الإعلامية من التحشيد لتظاهرات الجمعة الماضية. وفي ذات الطريقة المُعتادة، تعاملت الأحزاب معها باستخفاف، وقلل المتحدث باسم وزارة الداخلية من أهميتها، وأشار إلى عدم تعامل الأجهزة الأمنية "بجدية" معها، وما إن حل صباح يوم انتهاء المهلة، حتى قُطعت شوارع مهمة في جميع المحافظات المنتفضة.
بعد الهجمة على البصرة وبغداد، وحرق الخيام في المدينتين، وتقدم قوات الشغب إلى مواقع يسيطر عليها المتظاهرون، أطلق أحد الناشطين في الناصرية دعوة لزحف مليوني من كافة المحافظات إلى بغداد، وعند أسوار المنطقة الخضراء، وهي دعوةٌ ربما تخلط الأوراق على من يسعى لإنهاء الاحتجاجات، فحتى لو لم يتم تحقيقها بحذافيرها، فأن الدعوة للقدوم إلى بغداد خطوة مقلقة للسلطة الحقيقية: أعني من يتحكم بزمام الأمور، وليس المخلوع.
لدى الناصرية القابلية على التصعيد، والقدرة على التنظيم، والإمكانية الساحرة في استعادة الأنفاس والعودة بعد كل نكسة أو عملية قمع، وما نصب السرادق (بالطابوق) بعد إحراق الخيام إلا مثلًا لقدرة هذه المدينة على الرد.
كانت بعض القوى تُراهن على إرهاب المتظاهرين لإنهاء احتجاجاتهم مستعيرة من قاموس بعض الأنظمة التي واجهت الثورات العربية؛ لكنها لن تنسى أن محاولتها لإنهاء الاحتجاجات في الناصرية تسببت بإنهاء ولاية عبد المهدي، الرئيس المُطيع لأوامر الأقوياء والساكت عن جرائمهم. لن ينسوا ذلك ولن يغفروا للناصرية.
في العراق، هناك كمٌ هائلٌ من السلاح منتشر خارج إطار الدولة، بين الجماعات المسلحة والعشائر، في البيوت والمحال، ورغم ذلك، فإن الناصرية كما هي المحافظات الأخرى، اختارت أن تتلقى الرصاص من السلاح المنفلت وغير المنفلت، دون أن ترد عليه.
لم تُعطِ الناصرية الشرعية للسلطة لتقمعها وفق القانون، بل أجبرت بسلميتها أن تُرسخ أمرين مهمين على الصعيد الشعبي:
الأول: هو أن السلمية التي كانت شعارًا لشباب تشرين منذ مطالبتهم بإسقاط النظام وقمعهم بالقنص والرصاص الحي، حتى مطالبتهم بالإصلاح وقمعهم بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع التي تُفجّر الرؤوس، وأن هذه السلمية هي السلاح الأقوى، ما أعطى ـ رغم الدماء والشهداء ـ صورةً للمجتمع المحلي والدولي بأن شبابًا عُزّل يتظاهرون بسلمية ويقمعون بوحشية، وكانت الناصرية خير مثال على ذلك.
لقد صنعت السلمية حاجزًا بين فريقين، فريقٌ سلميٌ وطنيٌ يُناضل من أجل الإصلاح، وفريقٌ سلطويٌ وحشيٌ يُناضل من أجل المناصب على حساب أرواح أبناء الوطن.
الثاني: هناك مقاربات دينية مذهبية تُراثية، فانتصار الدم على السيف مقولة شيعية حسينية تُلهب حماس وشجن أبناء الوسط والجنوب حين سماعها، وقد مثّلت الناصرية إحدى جوانبها حين بقيت ساحات الاعتصام صامدة بدمائها رغم القمع والرصاص، وما زاد هذه المقاربات عملية حرق الخيم في ساحة الحبوبي التي تُذكّر بواقعة الطف المزروعة في ذاكرة شيعة العراق على وجه الخصوص.
لقد جرّت الناصرية الانتفاضة إلى مساحات رغم ألمها، إلا أنها أربكت أحزاب السلطة، وبعثرت أوراقها، وردّت العديد من الرمزيات والطقوس والوقائع التاريخية على "مستثمريها" بشكل عكسي، لتُصبح أيقونة للمجتمع العراقي بكافة أطيافه، بمرّها وملحها وجرحها.
في 2018، كان الحزنُ كل الحزن، أن بغداد لا تُشارك البصرة في احتجاجاتها بالمستوى المطلوب، ثم عادت وفجّرت الانتفاضة في الأسبوع الأول من تشرين الأول؛ لكن الناصرية أبت أن تُفارق العاصمة، حتى في الشهداء الذين تحولوا رموزًا، فحين كان صفاءُ هُنا، كان عمرٌ هناك.