محمد خضير.. وحده

Wednesday 25th of December 2019 06:47:33 PM ,

عراقيون ,

د. علي جواد الطاهر
قال محمد خضير.. كتب محمد خضير.. قصة في  "الاداب " وقصة في  "الكلمة " ..مقابلة معه..ثناء لاينقطع ومن كل جانب.. هو قليل النشر، قليل الظهور في المجتمع، فمن هو ؟ واين يسكن؟ ومن رآه ؟ ولكن ما ذكرت القصة العراقية المعاصرة الا ذكر، وما ورد اسمه الا صحبة التكريم ، وفي التكريم مدح قصصه واطراء بنائه والنص على تجديده.

وهذه الحال لم تكتب لقاص عراقي، ولعلها لم تكتب لغير عراقي. وكنت تحس بصدق اللهجة لدى الثناء ولا تلمح وراء اهتمام محدثك أي ظل لقصد خارج عن طبيعة العمل، فتزداد الحال تفردا وتميزا.. وانها;لذلك- تبعث فيك تفاؤلا بان الحق يعلو وان الهمة لاتضيع والا فمن محمد خضير؟ واين يسكن؟ ومن رآه؟ أم ترى سببا اخر يعود الى تكوينه؟ واذ يرد هذا السؤال الاخير، يرد محاطا باخلاق البيئة بيئتنا نحن  فنحسب انه امرؤ يحسن الدعاوة لنفسه، ويحسن ان يؤدي خدمات لمن يدعو له، ويحسن ويحسن ..اشياء اخرى ما يحتمل انه لايحسنها ولم يفكر بها، لانه لو كان كذلك لصحب اسمه ما يصحب الاسماء الاخرى من غمز ولمز وهمز ونبرات تفضح القصد، اما وقد صدرت عن القاص نفسه على شكل فخر بالنفس وادعاء بالذي لديه وبالذي ليس لديه فهي ادخل في الفضيحة وأدل على الرخص، ولا يمكن ان تهيئ لصاحبها هذا الذكر الطيب وهذا الاعجاب بالقصص.. ان حولك قصاصين كثيرين .. يتحدثون عن انفسهم ويحملون الاخرين على الحديث عنهم، وهم يحملونك على ما حملوا عليه غيرك.. ولكنك لا تلمح لمحمد خضير بينهم طيفا.. او شبحاً.. فمن هو..؟ واين يسكن ؟ومن رآه؟ لقد قرأت له الارجوحة.. وقرأت له الشفيع... وفيهما شيء من الفن.. ولكنني لم ار فيها ما رآه الاخرون من عوامل الثناء الذي لا تنقطع سلسلته ولاينتهي حده..فيهما لمحات انسانية لم تحوها القصة العراقية المعاصرة، وفيهما نفس فيه جدة، ولكنه ليس جديدا كل الجدة.. وانما هو امتداد وتطوير لانفاس القصاصيين السابقين من عراقيين وعالميين وقد يكون هذا من اسرار الثناء لانه يعني ان القاص يجد ضمن طبيعة الاشياء منطلقا ما تمليه عليه ذاته المبدعة من دون قصد خارج عن طبيعة العمل ودون استجابة لنزوة مفتعلة ....يذكرنا حينا بالجيل السابق عليه...اما قرأت التكرلي مثلا، ويذكرنا حينا اذا انتقلنا من نوع ادبي الى نوع ادبي ببدر شاكر السياب في الشعر. وظل ذكر محمد خضير في اطراد.. ولم اسهم في الذكر لاني لا اعرف عن الرجل الا القليل.. ولم الم الذاكرين لانهم صادقون في لهجتهم ولانهم يعرفون عنه الكثير.. ثم كانت مناسبة ذكرى بدر في البصرة وتقاطرت الوفود من داخل العراق وخارجه.. وفيهم القاص وفيهم الشاعر وفيهم الناقد والصحفي.. ولو كان غير محمد خضير لعمل المستحيل في ان يلقي بثقله عليهم.. انا محمد خضير، انا الذي نشرت لي \"الاداب\" الارجوحة، ونشرت لي  "الملة " الشفيع... وستنشر لي \"المجلة\" في عددها الخاص عن القصة القصيرة العربية : منزل النساء ..وانا وانا.. وسين وسوف، ولكن امرا من هذا لم يحدث، فلم يسأل محمد خضير عن احد ولم يسأل عنه احد. وكان طبيعيا الا يقع امر من ذلك المفترض ان يقع لانه ليس من مزاج الرجل.وتحين بعد شهرين مناسبة المربد الاول وهي اوسع من المناسبة السابقة.. ولكن محمد خضير لم يظهر الا في لحظة واحدة من الايام الخمسة الحافلة... كنا في البصرة ومحمد خضير في البصرة وفي ذات مساء اذ طاف الوفود بتمثال بدر قيل هذا \"محمد خضير\" ..وكان سلام.. وكاد الطلب بنشر مجموعة من قصصه في كتاب يسبق السلام.. وكاد رفضه يسبق الرد على السلام.. وكان ذلك وحده كافيا لان يدلني على اني ازاء شاب من نوع خاص جدا، ويبعثني ان اقف منه في اسئلتي واجوبتي كما تقتضي الحال. واستمرت المسيرة الى النادي، واذا اجتمع ادباء حول منضدة مستطيلة كان واحدا منهم، اكثر تضاؤلا في المجلس.. على كثرة ما حطت عليه من انظار واتجهت اليه من افكار.. كان طبيعيا هذا الذي يبدو غير طبيعي .. كان قليل الكلام ولكل حرف ما ينطق دلالة في الحزم والجزم تزيده تفردا.. انه شاب لا يلفت النظر فما بناؤه بضخم ولا صوته بعال، ولا مجلسه بقلق يتدخل فيما يعنيه ولايعنيه، وهو هادئ وصوته هادئ، وكأنه درس كل شيء فيه وفي الاخرين وعرف قدره وقدرهم من دون غرور وعلى غير سذاجة، يجيبك على مقدار سؤالك او اقل، ولكن في الجواب كفاية ونفاذ، مهتم بامره، ساهر على تنمية نفسه، يقرأ يريد ان يتعلم يهمه ضميره، ويسعى من غير تكلف ، الى ان يبقى نظيفا، ولابد من انه يؤمن بان الكفاءة ان وجدت حقا، تفرض نفسها.. ويؤمن بأن الانسان اما ان يكتب او لا يكتب، ويبلغ به التواضع حدا يجعلك تخشى منه عليه، وتخاف ان يقضي هذا التواضع يصعب ان يكتب ويواصل الكتابة.. ولكن الجميل فيه انه تواضع طبيعي ذكي يصدر عن ثقة ووعي ورصانة
من: كتاب في الادب للقصصي