رحلة أكثر من 40 عاماً مع الموسيقى تتوّج بعشرات الملاحم الغنائيّة

Wednesday 28th of March 2018 06:56:29 PM ,

عراقيون ,

 رياض المحمداوي
محسن فرحان يؤسّس لمدرسة كبيرة تأثّر بها كبار الملحّنين، رحلة امتدت لأكثر من 40 عاماً مع الموسيقى، تتوّج بعشرات الملاحم الغنائية.. الفنان العراقي الكبير الملحّن محســن فرحـــــان. في مدينة الواسطي وأبو الطيّب المتنبي، ولد في مدينة الكوت في العام 1947 صبي جميل أحبّ الموسيقى والنغم. وبعد ثلاثة اشهر من ولادته انتقل وعائلته الى مدينة كربلاء ترعرع فيها وقد سارت خطواته الأولى في حب التعليم،

 فدرس اللغة الانكليزية واختصّ فيها ودرس الموسيقى التي أحبها منذ صباه ليملأ ارشيف الوجدان العراقي بأغانٍ في غاية الروعة والاحساس (غريبة الروح، عيني عيني، البارحة يكولون، غني بفرح، ما بيه اعوفن هلي) إنها أغانٍ لاتُنسى انطبعت فيها روحه بين الحزن والشفافية التي تخاطب الروح والوجدان معاً لتنعكس على ألحانه التي أغنت المكتبة الصوتية وأضافت رونقاً ساحراً للأغنية العراقية الحديثة، فأصبح من عمالقة الملحّنين العراقيين.

نشأ الفنان الكبيرالملحّن محسن فرحان في بيت يهوى الشعر والأدب والموسيقى، فقد كان والده يعمل في سلك الشرطة وكان ذا صوت جميل، وله علاقاته الطيبة والحميمة ببعض المثقفين والفنانين في كربلاء، ومن بينهم الفنان لطيف رؤوف المعملجي، الذي كان يقود فرقة المحافظة الموسيقية الذي وجد في محسن فرحان الموهبة الفنية الكبيرة فضمّه الى كورال الفرقة، إلا أن فرحان لم يجد نفسه في الانشاد بل كان طموحه اكبر. فواضب على المجيء لقاعة التدريبات صباحاً، حيث كانت الفرقة تتمرن عصراً، فأستغل الوقت وبدأ يتعلم العزف على آلة العود والاوكروديون، ففاجأ الجميع بذلك. ولم يكتف بل اصبح همّه جمع كل الكتب التي تتعلق بالموسيقى والغناء حتى أتقن التدوين الموسيقي (النوتة) معتمداً على ذكائه وفطنته، فدخل معهد الفنون الجميلة في بغداد وكانت المرحلة الجديدة في حياة محسن فرحان لكنه ومع الأسف، لم يكمل دراسته لأمور خاصة بالوضع الاجتماعي ونظرة المجتمع للفن آنذاك، رغم أنه قد اتقن النوطة والعزف على آلة العود مايؤهله الى أن يكون فناناً أكاديمياً كاملاً وبشهادة فنانين كبار أمثال الأستاذ الموسيقار سلمان شكر والموسيقار روحي الخماش وآخرين. فعمل الفنان في النشاط المدرسي والذي قدّم من خلاله العشرات من الألحان المختلفة والاوبريتات الغنائية التي طوّر من خلالها موهبته التلحينية واكتملت ونضجت أدواته الفنية.
في العام 1972 بدأت محطة جديدة في حياته الفنية، فكان قد ارتقى عالم الشهرة من أوسع أبوابه من خلال تقديمه لرائعته السبعينية (غريبة الروح) للفنان حسين نعمة، وكلمات الشاعر الكبيرالمرحوم جبار الغزي، لتكون جواز سفره الى القلوب العراقية وانطلاقة لعشرات الأعمال الغنائية ولمختلف الأصوات أذكر منها (ما بيه اعوفن هلي)، (كوم انثر الهيل)، (عيني عيني) (لتصدك اليحجون)، (دمعه وكحل)، (البارحة)، (أه يا زماني)، (يكولون غني بفرح)، (لوغيمت دنياي)، (شكول عليك)، (زمان)، (يافيض)،(يا هوى الهاب) (تردون) كلمات (طير الحمام)، (هلا ياعيني) وقد غنّى له كبار المطربين العراقيين أمثال الكبار، سعدون جابر وحسين نعمة قحطان العطار وفواد سالم ورضا الخياط وياس خضر وحميد منصور والراحل صباح السهل وكريم منصور ومطربين كثر من الشباب.
كذلك لقاؤه مع الملحنين العرب ومن أهم الشعراء الذين لحّن لهم الشاعر الراحل جبار الغزي، والشاعر جبار كامل العامري والشاعر الكبير عريان السيد خلف والشاعر كريم راضي العماري والشاعر كريم العراقي والشاعر زهير الدجيلي والشاعر الراحل زامل سعيد فتاح والشاعر حسن الخزاعي والشاعر حافظ الحلي. ومكي الربيعي والشاعر عدنان هادي والكثير من الشعراء الشباب. سافر الفنان محسن فرحان الى القاهرة، في العام 1976 لإكمال دراسته الموسيقية، حيث انضم الى معهد الموسيقى العربية قسم الدراسات الحرّة بإشراف عازف القانون سامي نصير حتى العام 1978 وخلال هذه الثلاث سنوات، توطدت علاقته بكبار الملحنين العرب، منهم بليغ حمدي، محمد الموجي وآخرون. وقد استطاع أن يثري تجربته الفنية والموسيقية. ولمحسن فرحان مدرسته الخاصة والتي تأثر بها العديد من الملحنين الشباب، فاستطيع أن أقول إنها مدرسة فرحانية لا تشبه إلاّ روح محسن فرحان، وبالمحصلة انها تنتمي الى المدرسة العراقية الأصيلة التي اغنت الموسيقى العربية والعالمية بالكثير من الأعمال الموسيقية والغنائية المهمة والتي يشار إليها في جميع الاوساط الفنية في الوطن العربي، وهي من المراحل الفنية المهمة في تأريخ الحركة الموسيقية العربية.
 إنه عقد السبعينيات والفنان محسن فرحان أحد أهم المؤسسين للأغنية السبعينية في العراق، والتي جاءت كردّة فعل حضاري طبيعي بعد أن استهلكت الأغنية البغدادية وخفّ بريقها ولمعانها، فكان ظهور جيل جديد رفد الأغنية العراقية بألحان وأفكار جديدة عبر فيها عن ولادة عصر جديد للأغنية العراقية تحمل في طياتها الجمال والرشاقة وخفّة الايقاع وطربية المعنى. فكان ظهور ملحنين شباب جدد، أثروا الساحة الفنية بمئات الأغاني والاوبريتات والموسيقى المفرحة الراقية، وأذكر منهم الكبار، محمد جواد أموري وطالب القرة غولي وكوكب حمزة وفارق هلال وطارق الشبلي، ومن الفنانين الذين أعجب وتأثر بهم كبار الملحنين والموسيقيين والمطربين من العراقيين والعالم العربي. ولم يقتصر على الفنان تلحين الأغاني بل لحّن الكثير من الاوبريتات والقصائد ومنها قصيدة (هل تسمّين الذي كان غراماً) وهي قصيدة لشاعر العراق الكبير، بدر شاكر السياب، غنّاها الفنان الكبير سعدون جابر، وهي تايتل لمسلسل بدر شاكر السياب والذي يتناول حياة شاعر الوجدان الكبير بدر شاكر السياب، وهو من انتاج وتمثيل وغناء الفنان الكبير سعدون جابر.
ومن إنجازات الفنان الكبير محسن فرحان، أسّس جمعية الملحنين والمؤلفين العراقيين مع فنانين عراقيين آخرين من ملحّنين وشعراء. عضو اللجنة الوطنية للموسيقى ومستشارآ في وزارة الثقافة. اصبح رئيساً لهذه الجمعية. ثم مستشاراً فنياً لاتحاد الموسيقيين العراقيين، ولم يتوقف عند هذا المنصب، بل شارك مع قناة السومرية في برنامج (عراق ستار) لرعاية الأصوات الشابة الواعدة، ليأخذ بيدها نحو فن صادق جميل، وهي محاولة تحسب للقائمين على هذا البرنامج لترميم ما خرّبته الحروب وإعادة الأمل من جديد للأغنية العراقية إيماناً بالطاقات الشابة وبالأغنية العراقية التي لها تأثير كبير في واقع المجتمع العراقي. أما آخر نتاجاته الفنية، فهي أغنيتان للفنان حسين نعمة الأولى بعنوان (الضياع) للشاعر لطيف حسين، والثانية (عندي الليلة هموم هواي) للشاعر سعدون قاسم، وقدّم للفنان ياس خضر اغنيتين أيضاً (سود الليالي) للشاعر زهير الدجيلي ومكي الربيعي و(شفتونه نحبكم) للشاعر عدنان هادي.
ولايزال الفنان محسن فرحان يحمل إرثه التأريخي من إبداعات وعطاء، ولم تستطع كل الظروف القاسية إيقاف مجرى مسيرته الفنية المعطاء. ألف تحية لفنان الشعب العراقي سلطان الألحان الفنان الكبير محسن فرحان، لما قدّمه من عطاء مستمر رفد فيه الأغنية العراقية بأجمل الأغاني والأعمال الفنية الخالدة والتي لاتُنسى على مر الزمن، فأصبحت أعماله سلوة العاشقين وحنين المغتربين وذكريات الشباب لقد ترك فينا أثراً جميلاً خليطاً من الحزن والفرح ممزوجآ بحب الأرض والحنين لأيام الصبا والأحلام الوردية وأول عشق للروح. فتحيّة لما تركته لنا من أعمال عملاقة أثرت في نفوسنا عذوبة فجعلنا منها مرسول عشقنا اليومي للأرض وللنخيل ولدجلة والفرات ولنوارسهما التي لاتشبهها كل نوارس الأرض وهي تغنّي (لوغيمت دنياي دنيا أنت أحس بيك والله يابويه). تحيّة أخرى لاتنقطع على مدى العمر وبعد العمر تحيّة خالدة لسلطان الطرب والألحان، الفنان الكبير أستاذنا أبو ميديا. ندعو من الله لك دوام الصحة والعافية.