الشخصية العراقية في كتابات الدكتور عبد الجليل الطاهر

Wednesday 28th of February 2018 07:29:38 PM ,

عراقيون ,

د. معن خليل عمر
يُعد الدكتور الطاهر من روّاد علم الاجتماع في العراق، وقد كانت لكتاباته الأثر الكبير من الدراسات وقد أسهم مع زملائه في نشر بذور علم الاجتماع الحديث ووضعوا الّلبنات الأولى لوصف الظواهر الاجتماعية في الصحراء والريف والمجتمع الحضري، وقد كانت بداية عطاءاته العلمية تتمثّل في دراسة الوحدات الاجتماعية الكبيرة كدراسة المجتمع البدوي والريفي والمديني،

 لكن قبل نهاية حياته، انتقل الى تقديم دراسات وحدات صغيرة المدى كدراسة الشخصية العراقية التي شكّلت موضوعاً ساخناً للمناقشة والدراسة والتحليل في حينها على وجه الخصوص مع زميله الدكتور الوردي، وقد جاءت دراسته الشخصية العراقية في عامي (1969 – 1971) عبارة عن ردود أفعال لكتابات الدكتور الوردي، ولم يكن من اهتماماته الفكرية أو البحثية الأساسية بالرغم من أنه كان عازماً على إصدار دراسة نفسية واجتماعية لظاهرة (القلق الاجتماعي في العراق) محاولاً أن يتعرف على طبيعة شخصية الفرد العراقي، وكان طموحه منصبّاً على وضع الخطوط العامة لهذه الشخصية التي اختلف في وصف طبيعتها وتشخيص مقوماتها عددٌ كبير من رجال السياسة والمؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والأخلاق وغيرهم.

لقد وصف الدكتور الطاهر في دراسة القوقعة والقلق في المجتمع العراقي، بأن الشخصية العراقية متقوقعة وقلقة في آن واحد، وحدّد فكرته في أن الرواسب القوقعية في أعماق الشخصية العراقية خلفتها مجموعة من القوانين الموضوعية التي مارستها القوى الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها وألوانها وأشكالها وحجومها وتحالفاتها ومحاولتها فرض الضغوط على الخط العام لمسيرة المجتمع العراقي، ليتفق مع التكوين القوقعي لتلك القو،ى فأثرت في تكوين هذه الشخصية. وقد وضع الدكتور الطاهر ثلاثة مظاهر أساسية لينظر من خلالها الى شخصية الفرد العراقي وهي :-

1. إن الانتماء القوقعي المتحجّر الى الأسرة أو المحلة أو القبيلة أو الطبقة أو الطائفة وغيرها من الانتماءات الجزئية المقطعية تجر وجدان العراقي جراً غير متناسق الى بؤر ولائية مليئة بالمياه الآسنة من الأحقاد وتختلف في عفونتها وعمقها وتؤدي الى تصدع البناء النفسي للشخصية والبناء الاجتماعي للمجتمع.

2. تمثّل شخصية الفرد في العراق مظهراً تأريخياً وحضارياً يرمز ويعبّر عن نموذج المجتمع في مرحلة تأريخية وحضارية معينة، أي أن مراكز الثقل في الشخصية تختلف في اهتماماتها من مرحلة الى أخرى.
3. إن لشخصية الفرد العراقي مستويات وإطارات مختلفة من العلاقات.

4. إن هذه المظاهر الأساسية كما يتصوّر الدكتور الطاهر، أعطت صورة مترابطة الأجزاء عن الشخصية والمجتمع، وبيّنت أن في الشخصية العراقية مظهرين هما (القلق والقوقعية).

وهنا سوف نقوم بتوضيح الإطار التأريخي للشخصية العراقية، وما أسهم به هذا الإطار من عملية خلق شخصية تعيش مرحلتها الحضارية في زمان ومكان محددين، وبالتالي فإن المظاهر المتمثلة في الشخصية العراقية، توجّه الشخصية العراقية بتوجهات صنعتها.

ويؤكد الدكتور الطاهر على أن الشخصية العراقية، كانت حصيلة ذلك التفاعل التناقضي بين اعداد متنافرة من القواقع الولائية التي لم ينته تفاعلها الى تكوين نفسي متكامل ومترابط، وجعل الشخصية العراقية ينبوعاً لا ينضب من الحركة والقدرة على التغيّر والإصالة والإبداع والاجتهاد وصلابة الرأي، وباستطاعتها أن تطبع كل الأقوام التي وطأت أرض الرافدين وكل التيارات الحضارية بطابعها الخاص، ولها القدرة على صهر الفكرة الواحدة وتحليلها وإبداء الرأي في عناصرها وتأليف مدارس فكرية حولها.