الدكتور سامي سعيد الاحمد من المؤرخين العراقيين البارزين

Wednesday 3rd of January 2018 05:43:35 PM ,

عراقيون ,

ابراهيم خليل العلاف
الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد، من الاساتذة العراقيين الافذاذ. كان من رواد دراسة تاريخ العراق القديم. كتب، والف، وحاضر في جامعات عراقية واجنبية، وتربت على يديه أجيال وأجيال. وهو من مواليد مدينة الحلة الفيحاء سنة 1930، وفيها انهى دراسته الثانوية ودخل قسم التاريخ بكلية الاداب –جامعة بغداد وتخرج وهو يحمل شهادة البكالوريوس في التاريخ.

ولم يقف عند هذا الحد، بل سافر الى الولايات المتحدة الاميركية، ودخل جامعة شيكاغو وحصل على الماجستير سنة 1957 ثم نال شهادة الدكتوراه من جامعة ميشغان سنة 1962، وعاد الى العراق ليعمل استاذا في قسم التاريخ بكلية الاداب –جامعة بغداد.
وقد عرفته، منذ ان كنت طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد 1964-1968 وتوثقت علاقتي به في السبعينات ايام دراستي للماجستير والدكتوراه.. وكثيرا ما كنا نتحدث عن زياراته للموصل واصطحابه الطلبة في سفرات علمية الى وادي لالش والى الموصل وسنجار. وكان مهتما بتاريخ اليزيدية وجادا في استبطان حقيقة اليزيدية وربط معتقداتهم بما كان سائدا عند الاقوام العراقية في العصور القديمة.
كما كان مهتما بكلكامش وملحمته الجميلة الرائعة، وقد استطاع الصديق الموسوعي الاستاذ حميد المطبعي ان يحاوره لفترة طويلة وكانت حصيلة ذلك الحوار كتابه الجميل عنه والمدعم بالصور عن سيرته ودراسته وصداقاته وهو ضمن”موسوعة المفكرين والادباء العراقيين 1992".
كان عالما فذا، واستاذا متمكنا، وانسانا وديعا، بسيطا، متواضعا، وكان تلاميذه يحبونه كما كان يحظى بإحترام زملائه. وله اكثر من ثلاثين كتابا مؤلفا. فضلا عن دراساته وبحوثه ومقالاته المنشورة في الصحف والمجلات العلمية والثقافية، وكانت لديه مكتبة متخصصة تضم اكثر من الفي كتاب باللغات المختلفة، وللاسف قرأت ان ولده الاستاذ مروان يروم بيعها وحبذا لو تقدم كلية الاداب بجامعة بغداد على شرائها أو أن تقوم بذلك دار الكتب والوثائق –المكتبة الوطنية.
الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد، كان يسافر دوما الى عدد من الجامعات العالمية لالقاء المحاضرات أو حضور الندوات والمؤتمرات العلمية وكثيرا ما دعته جامعة مشيغان الاميركية وغيرها لالقاء المحاضرات.وكما هو معروف فقد عمل للمدة بين 1963-1967 استاذا في جامعة دنفر بالولايات المتحدة الاميركية.
الاستاذ الدكتور سامي سعيد احمد عضو في عدد من الجمعيات التاريخية منها :”جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين”و”اتحاد المؤرخين العرب”و”جمعية شمال اميركا ادراسات الشرق الاوسط 1966-1973”و”جمعية معهد دراسات اواسط وغرب اسيا ومركزها في كراتشي بباكستان".
من كتبه المنشورة :
1.الاسلام نظريا وعمليا باللغة الانكليزية 1965
2.جنوب العراق في زمن الملك اشور بانيبال بالانكليزية 1968
3.اليزيدية :احوالهم ومعتقداتهم جزءان 1971
4.تاريخ الخليج العربي في اقدم الازمنة 1985
5.المدخل الى تاريخ العالم القديم 1983
6.الاصول الاولى لافكار الشر والشيطان 1970
7. حضارات الوطن العربي كخلفية للمدنية اليونانية
كان الاستاذ سامي سعيد الاحمد يدرس كل عصر من كل جوانبه :السياسية والحضارية، ويعطي حقه ويبرز رجاله اذا انه عامل كل عصر بمقاييسه وتقدمه حتى يقول لنا : استحسنوا هذا التقدم العلمي والانجازات الحضارية والشخصية فإن استحسنا ذلك كانت عبرته في التاريخ :عبرة المؤرخ المنصف.والزمن – يقول الدكتور الاحمد – هو الماضي لذلك فلابد من تقديم الماضي بوجه آخر قدم العرب هكذا وقدم العالم القديم هكذا فأعطى لكل ذي حق حقه فما اسدته روما للحضارة العالمية هو حق روما وانجاز روما وما انجزه اليونانيون هو ملكا لليونانيين اراد ان يكون العربي الانساني وهذا حق مؤرخينا فنحن لسنا كاليهود نأخذ ما ليس لنا وننسبه لانفسنا.اجتهد في ان يبرز كل أمة بمنجزاتها الحقيقية اجتهد في ان يكون الماضي”وثيقة”بين يديه وشهادة على وقوع الحدث.
كان الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد، يرى ان سبب سقوط الحضارات هو (العامل الاخلاقي) ؛ فضياع القيم، وتفشي الفساد، وفقدان المثل هو ما كان وراء سقوط الدولة الرومانية. وهذا المنهج الاخلاقي في تفسير التاريخ كان لابد ان يكون –يقول الاستاذ حميد المطبعي – صورة دقيقة لحياته بمعنى انه نقل الحياة الى تجربته بدقائقها الاخلاقية بمعنى ان تجربته في حياة المجتمع العربي الاسلامي كانت نهجا بنيويا لمفردات منهجه في تفسير التاريخ هو اراد ان يكون الفرد مجتمعا والمجتمع فردا كل يغذي الاخر بما ورثناه من قيم وفضائل وكل يدافع عن الاخر في وحدة المثل الانسانية.
إحتفت به جريدة المدى(البغدادية) وكتب كثيرون عنه منهم الاستاذ باسم عبد الحميد حمودي الذي قال:”ان الاستاذ سامي سعيد الاحمد شخصية ثقافية عراقية نادرة..شخصية نذرت نفسها وجهدها لخدمة الثقافة العراقية عبر دراسته لتاريخ العراق القديم والانغمار في تفاصيله المعقدة الممتدة حضاريا الى يومنا هذا، والتأسيس بعد ذلك لمدونات معرفية في هذا التاريخ تكشف عن قدرة هذا الإنسان المتألق على التأثير والكشف والاضافة، عبر منهجه التحليلي في التعامل مع الاثر التاريخي مناطقياً، جغرافياً وانصرافه إلى الكشف الدلالي اللغوي للمفردة الآثارية وعبر بحثه الميداني في صحارى العراق وسهوله عن الآثار العراقية".
أما الاستاذ ناجح المعموري فقال:”ان ترجمته لملحمة كلكامش 1999 تعد مغايرة تماماً، ومختلفة عن كل الترجمات وهذا التباين هو الذي كشف لي عن وجود علاقة مثلية بين انكيدو والملك جلجامش. ومع الإشارات الواضحة التي تبدّت عنها ترجمة الأستاذ الأحمد فتحت مجالاً للقراءة والتأويل".
وكتب عنه الاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك فقال :”لم تكن بابل ببعيدة عن المدينة التي ولد فيها سامي سعيد الاحمد وهو من بني مسلم من آل عقيل المنحدرين من ربى ناحية الكفل على ضفاف نهر الفرات الى مدينة الحلة ليسكن اجداده في زقاق من أزقة محلة المهدية الى جنب بيت آل كربل وآل السباك وآل خوجة نعمة وآل شميس وآل ربيع حيث يرقد علم من اعلام مدينة الحلة وشاعر من ابرز شعراها في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري وهو الشيخ علي الشفهيني وحينما صحبه والده في زيارة الى متحف الآثار العراقية في بغداد سأل اباه: ما قيمة هذه الاحجار يا ابي؟ وكان الجواب: هذه لا تقدر بثمن، ولم يفهم المعنى لكنه تيقن انه لم يقل ذلك عبثا. كان أبوه يعلمه شيئاً دفيناً في الاحجار وقال له ابوه في وصية: المهم يا بني ان تستوعب المعرفة، وهكذا دفع الاب بأبنه متخصصاً في التاريخ ليرث من بابل إسمها لانها تحمل رمز تاريخها وهو قانون انتشار حرية العلوم في الارض التي قامت على اديمها اولى الحضارات الخالدة".
واضاف الاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك وهو إبن مدينته ومجايله يقول :”ولد الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد في الحلة سنة 1930 ونشأ بها لأب تاجر يملك اراضي زراعية يحب العلم والمطالعة رافض للخرافة، تثقف عن طريق قراءة المجلات العربية فقد كانت تصله عن طريق الاشتراك وهي مجلات: المصور واللطائف المصورة وكل شيء والدنيا والاثنين والحرب العظمى والعرب والمقتطف.. وكان لسامي ان يصطاد فرصة قراءتها ومناقشة ما يرد فيها من امور التاريخ. وكانت اخته وهو في الصف الرابع الابتدائي تقرأ له قصص الاطفال كما هيأت له كتب المدرسة فرصة التعرف على المادة التاريخية فقد اثر فيه الاستاذ قاسم خليل معلم المدرسة الابتدائية وكان يقول له: انك تحب التاريخ. وفي الدراسة الثانوية التي انهاها سنة 1948 رعاه الاستاذ عبد الجليل جواد الذي كان يوصيه: يا سامي إربط الماضي بالحاضر في دروس التاريخ الحديث، وكانت امنيته المتحققة ان يقبل في قسم (التاريخ والجغرافية) في دار المعلمين العالية ببغداد ويرى اساتذته الكبار مثل الاستاذ طه باقر في دقته للمصادر وحرصه على الوقت و الاستاذ الدكتور زكي صالح في البحث عن ما هو غير مألوف في بطون التاريخ. وبعد تخرجه سنة 1952 عمل مدرساً لمادة التاريخ في النجف والكوفة والهندية. كتب عدداً من المقالات التاريخية في جريدة”صوت الفرات”لصديقه الاستاذ علي القزويني عن ابن الراوندي واصل السومريين والحركة الرومانتيكية"..
أما الدكتور هديب غزالة فكتب عنه يقول:”عرفت الدكتور سامي سعيد الاحمد منذ ان قبلت طالباً في قسم الآثار (كلية الآداب) جامعة بغداد عام 1978 بالرغم من انه كان استاذاً في قسم التاريخ إلا إني كنت أذهب لألقي التحية عليه لمعرفة عائلية قديمة كانت تربطنا لهذا فاني جالسته في أوقات متعددة في مكتبه ولمست منه حلاوة الكرم والاخلاق السامية وروح الدعابة وهذا أمر لا تعرفه إلا إذا تعاملت معه عن قرب لأنه يظهر عن بعد على محياه في شخصيته المهيبة والجدية والتي لا تعرف المجاملة في العلم وبنشاط متقد فكان الدكتور الاحمد من أوائل الأساتذة الذين يدخلون كلية الآداب قبل ان يبدأ الدوام الرسمي بساعة في الأقل بالرغم من انه يأتي ماشياً من منزله الكائن في حي المنصور وحتى مبنى الكلية في باب المعظم لأنه يحب رياضة المشي التي كان يتمتع بممارستها". واستمر يقول :"عندما تجلس معه لتستأذنه وتسأله سؤالاً علمياً بحاجة إلى اجابة فأنه ينهال عليك كالشلال الهادر بغزارة علمه وبذاكرته الوقادة حتى انك لا تلحق به لتسجل ما يقوله وتتضح غزارة علم مؤرخنا الكبير في مؤلفاته المهمة التي فيها معلومات تفصيلية عن تاريخ وحضارة بلاد الرافدين ومصر والشام، ومع كل هذا فأنه كان مصراً على عدم الاشراف على طلبة الدراسات العليا وعندما سألته يوماً عن سبب ذلك قال لي:”اني اعتقد بان على طالب الدراسات العليا ان يجيد لغة أجنبية إلى جانب ما يتمتع به من عربية سليمة، وأني أرى ان اغلب طلبتنا لا يتمتعون بذلك".
وختم الدكتور هديب غزالة مقالته بالقول :”توطدت علاقتي باستاذنا الاحمد بعد قبولي في الدراسات العليا عام 1987 فكنت أتردد عليه لاستشيره ببعض الأمور العلمية فكان مرحباً دائماً يعطيك المعلومة الدقيقة دون ان يشعرك بصغير حجمك إذا ما جلست أمامه ويعطيك دفعاً معنوياً كبيراً يكون الباحث بحاجة إليه وهو يكتب عن موضوعه وإذا ما انتهيت من استفساراتك العلمية التي تطلبها منه يبدأ هو بالحديث عن بعض الأمور العامة والاجتماعية بتواضع قلّ نظيره وبروح مرحة لا تخلو من نكتة وتعليق نابعين من سرعة البديهية التي عرف بها.
في يوم من أيام شتاء عام 1988 ذهبت إليه قبل بدء الدوام الرسمي فوجدته جالساً في مكتبه ولكن الحزن كان واضحاً على محياه الوسيم على غير عادته وبعد أن ألقيت عليه تحية الصباح رد علي التحية بنبرة حزينة لم آلفها منه من قبل وعندما استأذنته لأسأله عن سبب حزنه قال لي بالنص:”يا ابني لقد توفيت زوجتي”فبادرته بالمواساة الشرعية والاجتماعية وعرفت منه انه يقصد وفاة زوجته الأولى الأمريكية الجنسية التي تزوجها حين كان طالباً في جامعة شيكاغو عام 1955 ثم أصبح استاذاً في جامعة دنفر قبل ان يعود إلى بغداد عام 1967 وبعد أن رفع رأسه رد عليّ بهدوء:”انا مؤمن بحتمية الموت وهذا لا يحزنني ولكن حزنت لما منعتني الدولة من السفر لحضور مراسيم دفنها وفاء لها، أليس من حقي ان احضر دفن جثمان زوجتي؟".. قالها بحزن شديد ينم عن صفة الوفاء السامي الذي يتمتع به الأحمد.
في عام 1989 صادف وبعد ان انهيت كتابة رسالة الماجستير شكلت لجنة المناقشة واقترح اسم الأحمد ليكون رئيسها وعضوية كل من المرحوم الأستاذ الدكتور وليد الجادر والدكتور فاضل عبد الواحد اطال الله في عمره وطلب مني أن اذهب إلى الدكتور سامي لألتمس موافقته على ذلك وعندما ذهبت إليه قال لي مبتسماً:”كيف أوافق ان أكون رئيساً للجنة يكون الدكتور فاضل عضواً فيها، هذا غير ممكن ولكني اتشرف ان أكون عضواً في لجنة يترأسها الدكتور فاضل".. وبعد أخذ ورد ودي بينهما مع رئاسة قسم الآثار بقي الأحمد مصراً على موقفه فكان عضواْ في اللجنة التي ترأسها الدكتور فاضل، لقد تعلمنا من الاستاذين الكبيرين ومن موقفهما هذا درساً في نكران الذات واحترام كل منهما للآخر ومعرفة وتقدير العلماء الأفاضل بعضهم لبعض ما لم نتعلمه من الكتب.
كان الاستاذ سامي سعيد الاحمد –يقول تلميذه الدكتور هديب غزالة - رائداً في تأسيس مدرسة عراقية متميزة بكتابة التاريخ لانه مؤمن بان العراقيين هم أول من أولوا اهتماماً واضحاً بكتابة وتدوين التاريخ وهذا ما استنتجه من حولياتهم الملكية التي وصلت ألينا وبعد ان تعايش مع السومريين وتعرف إلى بطلهم كلكامش وصاحب الملوك الآشوريين والبابليين وعرفنا على كل واحد منهم من خلال ما نقله إلينا في كتاباته العديدة المتواصلة مع الرقم الطينية لكتبة الوركاء ونفر ونينوى وبابل".
رحم الله الاستاذ الدكتور سامي سعيد الاحمد وجزاه خيرا على ماقدم لبلده وأمته