لحظة مشرقة

Tuesday 26th of April 2011 06:07:53 PM ,

الحريات اولا ,

كاظم الواسطي
« لقد هرمنا .. هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية
بهذه الكلمات البسيطة ، الناصعة المعنى ، اختزل مواطن تونسي عمرا طاعناً بألم سنين جفّفها الاستبداد ، وهو يشير إلى شعرٍ تخضّب بالبياض بعينين ابيضّتا من أزمنة التسلّط وضياع الآمال . اختزل عمرا في لحظة ٍ تجمعّت فيها كل تلك الآلام لتعلن عن نفسها بلا خوفٍ ،

وترفع أسم الحرية عاليا بقوة روح الشباب . لحظة تجعل الحلم ممكنا بعد زمنٍ من الغياب وتبديد الأمل ، وكلمات تختزن التطلع الذي أحبط يوما برتابة الزمن الاستبدادي ، وتماثل الأشياء والحيوات فيه ، وتجعله ممكنا في لحظة ضوء تصنعها إرادة أبناءٍ لا يريدون تكرار ذات المأساة التي أرهقت كواهل آبائهم . هي لحظةٌ أعادت لمن شاخ مبكراً ما أنتظره طويلا بين صفحات أعوام طويت بمزيد من الألم والخذلان ، يوم تحوّل فيها إلى مجرّد رقمٍ يُضاف إلى القطيع أو يُحذف منه بمشيئة سلطةٍ قاهرة ، تستمد قوتها من تبديد آمال الناس ، وتزّيت عجلة دورانها بجهلهم وتجهيلهم ، وجعلهم أدوات صمّاء في ماكنة استبدادها . كلماتك أيها الشيخ التونسي النبيل أعادت لذاكرتي صور الطعنات التي أطاحت بأعمارنا في مهاوي شيخوخات مبكرة خضلّها الشيب ، وأدمتها ندوبٌ ظلت غائرة في أرواحنا. تلك الأعمار التي تحوّلت إلى غبارٍ على رفوف أمكنةٍ مهجورة ، يصعب استنشاق فضائها المؤثث بأنين الحروب ، ومواجع الفقدان . لقد أتاحت لنا صورتك – المرآة فرصة استعادة فجائع وحسرات نفوسنا التي بقيت لعهودٍ دفينةً في صدورنا ، نغص بها كل يومٍ على مفترقات طرقٍ تؤشر إلى مجزرةٍ هنا ، وأشلاءٍ مبعثرة هناك ، دون أن تكون لنا شاشة ، مثلما هي الآن ، تعكس خارطة وجوهنا قبل أن ننحر من أجل تلالٍ لا تصلح ملاذا لحيوان .
أية لحظةٍ هذه تجعل الناس ينذرون أعمارهم لها ، ويؤجلون من أجلها حياة مُنحت لهم لمرةٍ واحدة ؟ وأي أمانٍ زائف في ظل استبداد يأسرك لمجرّد بقاء يتمرّد عليه طائر أو حيوان خبُرَ تعاسة الأقفاص ؟ لقد أجاب بنجامين فرانكلين عن ذلك حين قال « أولئك الذين يتخلون عن حريتهم الأساسية ليحصلوا على الأمان المؤقت ، لا يستحقون الحرية ولا الأمان « . هكذا خدعنا يوما حين ارتضينا بتجميع طرفي المعادلة ، وفي ظل أمان تفرضه الأمنيات وحدها ، لنموت منسيين بأرواحٍ غارقة بالسكون والصمت . وكيف يمكن جعل مثل تلك اللحظة تفلت من بين أصابعنا مثل الرمال بعد كل أزمنة الإطاحة بأعمارنا وآمالنا التي أملنا باستعادة ما يمكن منها ، ولو عبر اشراقة في عين طفل ، وحكمة للحياة في كلام رجلٍ شابَ قبل الأوان، وهو ينتظر عمرا تلك « اللحظة التاريخية « ؟
نعم .. أيها الرجل التونسي الذي هرم من أجل تلك اللحظة ، إن لحظة التغيير علامة فارقة في التاريخ تقلب اختلال المعنى في شريط وقائعه ، وتجعلنا أكثر قرباّ من إنسانيتنا ، وكرامتنا كبشر يستحقون الحرية ، لأنها حق لنا لا منة لأحدٍ علينا فيه . وعلينا أن لا نتخلى عن هذا الحق تحت أيّ ذريعة أو تأويل .. وتلك اللحظة المشرقة تعادل عهوداً من خذلانٍ لا عمر فيه ، وتستحق أن نهرم من أجلها لمرات أخرى .