عن الدولة والحداثة ورفعة الجادرجي واقتصاد السوق

Wednesday 14th of December 2016 07:19:34 PM ,

عراقيون ,

خالد مطلك
كيف تكونت دولتنا الحديثة؟ ماهي المعوقات التي رافقت ذلك التأسيس الهش الذي لم يمدها بسحر البقاء والاستمرار الذي عاشت عليه دول كثيرة شهدت ظروفا مشابهة؟
يكتب رفعة الجادرجي، المفكر المعماري المعروف، و من أبرز آباء الحداثة في العراق في مقال له نشر في المدى قبل عدة شهور: « عند تأسيس الدولة العراقية، ضمن الاستعمار البريطاني، لم يكن هنالك دور لطبقة برجوازية تقود سياسة الدولة.

 و لذا أصبح غالب قادة الدولة العراقية ضمن الوصاية البريطانية، من رجال عسكر عثماني. فألف هؤلاء معوقاً في نقلة الدولة إلى نظام ديمقراطي، ربما توافق هذا مع المصالح الاستعمارية العسكرية البريطانية آنذاك. كما أن الشعب العراقي لم يكن متهيئاً لتأليف دولة تتمتع بالقليل من التقبل الديمقراطي «

لعل الجادرجي، يمتلك الكثير من الحق في الذهاب الى هذا الخلل البنيوي في تركيبة اي مجتمع يتطلع لتأسيس دولة حديثة، وأعني به غياب الرأسمالية الوطنية، غياب القطاع الخاص القوي، الذي عليه بشكل اعظم تقع مسؤولية تأسيس اي مجتمع مدني. لذلك تعثرت الدولة طويلا قبل ان تنتج مجالها الاقتصادي الخاص وبنسخته الصناعية تحديدا، لتتشكل على وفق معطيات السوق نخب برجوازية غير إقطاعية.
على الرغم من ذلك، فقد دخل العراق الملكي بحياء دورة اقتصادية متواضعة، حين بدأت الشركات العالمية والبنوك والوكالات التجارية الدولية بالتسلل الى السوق الناشئة، مما أتاح فرصة لظهور بوادر مجتمع مدني متواضع من قلب البرجوازية الصناعية الصاعدة ببطء، لذلك ليس غريباً ان يرتبط اسم السياسي المعروف محمد حديد بصناعة الزيوت النباتية مثلا.
كان يمكن للتجربة الحداثية ان تنجح ولو ببطء شديد، لولا هؤلاء (العسكر)، سواء اولئك الذين تركهم العثمانيون خلفهم، ام اولئك الذين هم نتاج الدولة الوطنية، البعض من هولاء العسكر، وللاسف الشديد كانوا كلما واتتهم الفرصة، يضعون (بساطيلهم) الثقيلة على رأس الدولة.
ليس هذا هو كل شيء في قصة فشل الحداثة العراقية فعلى رأي الجادرجي: « إن الشعب العراقي لم يكن متهيئاً لتأليف دولة تتمتع بالقليل من التقبل الديمقراطي « هناك ايضا الجهل والفقر والامية والهويات اللاتاريخية.
هناك قصة العشيرة وتراثها التقليدي بشقيه البدوي والمتريف، وهناك مراكز ثقل دينية قوية، تتمتع بخبرة العمل والبقاء والسيطرة بعيدا عن هرمية الدولة، ليست فوقها وليست دونها، بل الى جانبها. المؤسسة الدينية، بخبرتها التي تعود الى الف عام يسبق وجود الدولة نفسها. بنظامها المالي المعقد والاداري الغامض وشبكة مصالحها العميقة، برمزيتها وشعاراته وهالاتها المقدسة التي تضرب جذورها عميقا في ارض المجتمع العاطفية. تستطيع هذا القوة (الهامشية) من جعل مشروع اي دولة حديثة امرا بعيد المنال، لذلك كان على الدولة الفتية احيانا ان تنحني و تقبل يد هذه العجوز الحكيمة، ليس لكي تكسب رضاها، فهذا غير ممكن كما يتكشف لنا تاريخيا، بل لكي تتجنب الاحتكاك المباشر بها او تحييدها في الأقل.
في الدول الخمس المشابهة للحالة العراقية على حد علمي، فشلت ثلاث منها (من بينها العراق) في إيجاد حل لهذه العلاقة الملتبسة مع المؤسسة الدينية العميقة بداخلها، فشلت السعودية عندما تقاسمت الهيمنة مع الوهابية العنيفة، عندما أخذت (السلطة والثروة) للعائلة المالكة وسلمت الشعب للوهابيين، ذهبت الاسرة الحاكمة الى الغرب، فيما أخذت الوهابية الناس الى ثقافة قرون السلف الصالح في تجربة مشوهة نادرة. تجمع بين الحكم البطرياركي والسوق الحرة يسندها اقتصاد ريعي متنام وهيئة حسبة (تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) وتمارس خطابا أصوليا جافا بلا حياة، شكل اكبر مصنع معاصر لإنتاج العنف العقائدي.
لما حاول شاه ايران تبني مشروع الحداثة بلا مواربة، متسلحا بالواجهة المدنية للشعب الإيراني، ركبت المؤسسة الدينية ظهر الدولة برشاقة وبأساليب حداثية واقامت على ركامها دولة غيبية تستمد سحرها من الماوراء، و تسعى في ذات الوقت لامتلاك مخالب نووية. دولة تنتخب النخبة التي على الشعب ان ينتخب منها حكومته، في خلطة ديمقراطية عسيرة على الهضم. دولة يخطب رئيسها من على منصة الامم المتحدة، ليبشر العالم بظهور المخلص للقضاء على حضارات هذه الامم، انتصرت المؤسسة الدينية العميقة وأصبحت دولة الحداثة الايرانية مادة أرشيفية، وصرنا بإزاء خلطة غرائبية وتناقض مفاهيمي بين « جمهورية « و « إسلامية « (للمزيد عن صورة هذه الدولة الهجينة اقرأ مؤلفات داريوش شايغان).
في إسرائيل، يتطابق مفهوم الدولة الدينية مع الدولة القومية في تماه تاريخي - ثقافي فريد، لذلك لم تشهد صراعا عميقا في بنيتها، كانت فكرة قيام هذه الدولة هي (المقولة) الكبرى التي تبناها الآباء المؤسسون، حيث معظم المقولات التاريخية التي رافقتها، بخاصة التوراتية منها، كانت تتوجه للوجدان القومي اليهودي وليس الى المشاعر الدينية بالتحديد. من هنا ولدت الدولة العلمانية التي طالما تستمد من اليهودية (الدين - القومية) كل شرعيتها، لذلك ليست هناك مؤسسة دينية تعمل الى جانب الدولة، المؤسسة الدينية هي جزء من كينونة هذه الدولة في جوهرها.
بقيت في التاريخ التجربة الإيطالية، ذلك النموذج الفريد الذي حول اعرق واقوى مؤسسة دينية شهدها العالم الغربي، مؤسسة كانت تخلع على الملوك والأباطرة الأوربيين شرعيتهم او تخلعها عنهم (حتى وضع معظم فلاسفة العصور الوسطى الكنيسة فوق الدولة)، تحولت تلك القصة الفريدة للفاتيكان من سلطة مطلقة تحارب العلم والحداثة والاعداء الوثنيين، تحولت الى مجرد متحف لمايكل انجلو ودافنشي ورفاييل وحديقة خلفية واسعة لخطب البابوات التلفزيونية الممتعة.
في العراق، لا تفكر القوى الدينية ومعها بقايا العشائرية في ترك الدولة تنمو قوية، وهي ايضا لا تريدها ضعيفة لحد ان تسقط في الفوضى، هي تفضلها موجودة ولكنها هشة بالقدر الذي لا يمكنها التعالي على ابوتها التاريخية لمجتمع العوام العريض حيث تمتع بقوة معنوية وعدة رمزية تفوق العدة البيروقراطية التقليدية للدولة لناحية تأثيرها في مجريات الأمور، و لطالما حافظت هذه المؤسسة على وجودها وجمهورها بعيدا عن الهيمنة المطلقة للدولة عندما يقترب من رقبتها سيف الاستبداد.
كان رفعة الجادرجي محقا، عندما صدّر لمقالته عن الفن والعمارة بتحميل غياب السوق، او غياب الطبقة البرجوازية كما يسميها في تعثر استمرار دولة الحداثة، كان بإمكان السوق، والسوق وحدها ان تنتج شبكة مصالح مباشرة تبني على اساسها دولة حداثية ومجتمعا براغماتيا بهذه الدرجة او تلك، يعود فيه العسكر الى ثكناتهم وتبتعد فيها المؤسسات الدينية عن الشأن السياسي المباشر، ويصبح الحديث عن المصالح الآنية هو سيد الأحاديث، عندها سنشهد عصر افول الدين كمؤسسة حين يتحدث الاقتصاد بلغة السياحة وان كانت بنسخة (دينية) هذه المرة.
بعد عام 2003، كانت هناك فرصة جديدة لتشكل هذه السوق، لكنها للاسف أضحت سوقا للاموال الفاسدة، التي لا تبتكر دورتها من انشاء صناعة وطنية يديرها قطاع خاص، كانت في اغلبها الاعم، أموالا سهلة بيد طبقة طفيلية، انانية وأمية، تعمل على تهريبها الى الخارج في اكبر حملة نهب مال وطني في التاريخ. رأس المال العراقي في طبعته الجديدة هو رأس مال سافل ولئيم بتقاليد طبقة جاهلة بلا قيم، طبقة تشكل نموذجا للتخلف والخواء الاخلاقي.
لدينا دورة اقتصادية مسخ لا شبيه لها في اقتصادات العالم، بما في ذلك اقتصادات دول الكوكايين، دورة تصالح فيها الفساد والدين السياسي وأطراف حكومية نافذة، وقد شكل العسكر برتبهم الخيالية جزءاً من هذه الدورة الناقصة او - المربع - العفن للفساد.
فوق هذا وذاك، لدينا نخب (ثقافية) مترهلة اخلاقيا، وطبقة (صناع رأي) يعتقدون ان سرقة (ثلاجة) امر تافه ويمكن تبريره، من المعيب ان نخوض فيه. بل من العار ان نتصدى له. مجتمع (ثقافي) يضع المذاهب والأهواء الجهوية فوق الأخلاق والقانون. حتى لو تأسست هذا المذاهب على شبكة مقولات اخلاقية في الاساس.
ان تجربة الدولة الحديثة، تلك التي على تعثراتها أنتجت لنا املا في خلق التوازن الهش طويل الامد، هي الآن محل رثاء ضمني من قبل رفعة الجادرجي، ذلك الأب النادر من آباء الحداثة. وخير دليل على ذلك ان مقاله في جريدة المدى مر مرورا عابرا، كأننا نقول له: عن اي دولة و حداثة تتحدث ايها السيد الأنيق!
الحديث عن الدولة والحداثة اضحى مهنة المؤرخين، وكتاب سيرة المملكة العراقية، أما مهمة هذه الأجيال المخبولة هي تأسيس مستقبل لا مكان فيه للمستقبل.
وإذا كنت تسألني عن الحل، سأشعل سيجارتي، أنفث دخاني في الهواء، وأقول لك، القانون، ثم القطاع الخاص، وقليل من الأخلاق.