مدام بوفاري

Tuesday 25th of October 2016 06:04:51 PM ,

منارات ,

د.عبدالله إبراهيم
 رسمت رواية"مدام بوفاري"لـ"غوستاف فلوبير"منذ منتصف القرن التاسع عشر  المفارقة الكبرى بين طموح الذات الأنثويّة وأعراف العالم الخارجيّ على خير  ما يرسمه السرد لتلك المفارقة، فقد ذهبت السيّدة الفرنسيّة ضحيّة التعارض  بين الأحلام الفرديّة للمرأة الشابة في تحقيق أنوثتها، والقيم السائدة في  مجتمع محافظ يدعم وجوده بنظام من القيم الجاهزة، فلم تعثر على الأرض التي  ترسم عليها أحلام الصبا، وظلّت تبحث عن أمل مفقود أفضى بها إلى الانتحار.

أفصحت"إيما بوفاري"عن هُويّتها الأنثويّة في مقتبل عمرها، وكشفت عن نزوع عاطفيّ جارف للمتع، وحينما عاق الزواج حركتها، تخطّته غير معترفة بأنّه قادر على ترويضها، فكبحها النظام القيميّ الشموليّ الذي اعتبر ذلك خيانة ينتظرها عقاب كامل، فتهشّمت الأيقونة الأنثويّة، لأنّها وضعت نفسها في تعارض معه، إذ أن كلّ اختيار فرديّ يريد به الإنسان أن يحقق ذاته يجد نفسه في مواجهة مع نظام عامّ لا يقبل بذلك.
ولعلّ معظم الأحلام الكبرى قد غزت"إيما"حينما كانت تعيش صبيّة في أحد الأديرة بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة من عمرها، حيث استغرقتها كتب التخيّلات السرديّة، وتشبّعت بالأجواء الرومانسيّة، فراح مزاجها الحسّيّ الأنثويّ ينمو باطّراد، فلا تهتمّ إلاّ بالعواطف، ولا يستأثر بنفسها شيئا سواها. وفيما كانت تلوح معالم هُويّتها العاطفيّة ظهرت في الدير عانس تنتمي إلى أسرة عريقة حطّمتها ثورة عام 1789، فكانت تجاذب الراهبات أطراف الحديث، وتردّد أغاني غراميّة من القرن الثامن عشر، وتقصّ النوادر، وتروي أنباء الحقبة الذهبيّة من عمرها، ثمّ إنّها كانت تعير سرًّا التلميذات الصغيرات في الدير روايات تدور كلّها حول"الحبّ والمحبّين، ونساء معذّبات يغمى عليهنّ في خلوات منعزلة، وسيّاس يقتلون في كلّ رحلة، وخيل تنفق في كلّ صفحة، وعذابات مظلمة، وشجون تفعم القلوب، وعهود وزفرات ودموع وقبلات، وزوارق في ضوء القمر، وبلابل في الخمائل، وسادة في شجاعة الأسود ووداعة الحملان، أتوا من الشهامة قدرًا لا مثيل له، متحفّظين بأناقتهم دائمًا..ويبكون فتسيل دموعهم كالسيل الهتون."
أمضت"إيما"سنوات شبابها في نفض الغبار عن روايات عاطفيّة شائقة خلبت لبّها، فتوهّمت أحداثها حقائق، وما لبث أن اقتحم"والتر سكوت"برواياته التاريخيّة عالمها الغضّ، فراحت"تحلم بالأثاث والرياش وقاعات الحرس والشعراء الذين يغنّون أشعارهم على القيثارة، وكانت تتمنّى لو أنّها عاشت في أحد تلك القصور القديمة التي كانت تقرأ عنها، كأولئك النبيلات ذوات الصدار الطويل، اللاتي كنّ يقضين أيامهنّ تحت الأقواس ذات الطراز القوطيّ، وقد اعتمدن بمرافقهنّ على الأحجار، وأسندن ذقونهنّ إلى راحات أيديهنّ، وسرّحن البصر يرقبن مقدّم فارس ذي ريشة بيضاء يركض بين الحقول على صهوة جواد أسود". وكان أن جعلتها تلك الروايات تتقمّص نفسيًّا دور الشخصيّات العظيمة في التاريخ، كالملكات والأميرات والعاشقات، وتتمنّى أن تعيش حياتهنّ، وقد أصبحن بالنسبة إليها"كواكب في ظلمات التاريخ اللانهائيّة.
انزلقت"إيما"في صباها من الواقع الكنسيّ المعتم الذي تعيش فيه إلى السرد والتاريخ، وأصبح جوّ الدير ثقيلاً عليها، وهو يقيّد قلبًا يلتهب بالعواطف والتخيّلات، وحينما كانت تنشد الأغاني في دروس الموسيقى كانت تتراءى لها"ملائكة صغار بأجنحة ذهبيّة وعذارى مقدّسات وقنوات يسبح فيها الجندول". وقد تولّهت بالصور التوضيحيّة في الكتب، فكانت تتغذّى بتخيّلات حارّة في ظلام الليالي، وفيما كانت الراهبات قد"أسرفن في تلقينها التبجيل الواجب نحو القدّيسين والشهداء، وفي إزجاء النصائح التي تستهدف إخضاع الجسد وخلاص الروح"، كانت هي قد شرعت تفلت من سيطرتهنّ كالفرس التي انفلتت من عنانها، فتضارب في أعماقها الوعظ بالخيال، والدين بالسرد، فإذا كانت الكنيسة قد أرادت أن تنمّي فيها نشاطًا دينيًّا، فقد تمرّدت هي على الإيمان الدينيّ الكنسيّ، بل إنّها"تمرّدت على ذلك النظام الذي كان يتعارض مع مزاجها.
وما إن غادرت الدير في آخر مراهقتها حتى عصف بها ذلك السحر الحاضن لهُويّة الأنثى في أوّل ظهورها، فتخيّلت عشقًا ساخنًا وزواجًا ترحل فيه إلى بلاد ذات أسماء رنّانة، حيث الدعة والاسترخاء واللذّة، فتسلك مع حبيبها طرقًا وعرة في"عربات ذات ستائر زرقاء"، وترى على جانبيها المراعي ومناظر الغروب، وخيّل إليها أنّ الدنيا بقعة واسعة مفعمة بالسعادة تعيشها مع رفيق في مغامرة حبّ متواصلة. لكنّها تزوّجت طبيبًا خامل الذكر يكبرها عمرًا، وهو بليد ومشغول بعمله، وكان قد ترمّل قبل أن يقترن بها، ولا تتوافر فيه أيّ من المزايا التي وضعتها هي في لائحة حياتها المتخيّلة.
من الصحيح أنّ الزوج"شارل بوفاري"كان متفانيًا، لكنّه تفاني الواجب وليس الحبّ، فكبح ذلك كلّ طموح في مخيّلة"إيما"للحياة الزوجيّة، فكان أن نشطت رغباتها في تعويض ذلك خارج إطار العلاقة الزوجيّة. ولا يمكن فهم العلاقة بينهما على أنّها نوع من سوء التفاهم بين زوجين، إنّما هي علامة على التعارض بين رؤيتين للحياة؛ فمحدوديّة المكان أطلقت العنان للتخيّلات عند الزوجة، فكانت دائمة التحوّل في عواطفها ومواقفها، أمّا بالنسبة للزوج فكانت تلك المحدوديّة إطارًا ناظمًا لحياة مهنيّة رتيبة لا يشكّل الشريك فيها إلاّ طرفًا مكمّلاً، فلم يأخذ الزوج في الحسبان الذات الأخرى باعتبارها تشكيلاً فرديًّا مستقلاًّ، إنّما رآها تابعًا، ولهذا أغفل شأن المنطقة القلقة في تلك الذات، وتوهّم أنّ التفاني في الحياة قوامه الإخلاص امتثالاً للتقاليد الاجتماعيّة والدينيّة.
لكنّ"مدام بوفاري"لم تذعن لفكرة كونها جزءًا من نظام أخلاقيّ سائد، وأعراف موجّهة للسلوك، بل راحت تقترح على نفسها نمطًا من السلوك الفرديّ الذي يناسب رؤيتها للحياة، ومع أنّها كانت دائمة التعثّر بتجاربها ومغامراتها، إلاّ أنّها مضت في مسارها الخاصّ الذي انتهى بها إلى مصير الشخصيّة الإشكاليّة، التي تجد نفسها في تعارض كليّ مع القيم العامّة، وعلى الرغم من إمكانيّة تفسير انتحارها على أنّه شعور بالإخفاق، وانهيار للفرضيّة الفرديّة في الرغبات والتطلّعات، وربّما عقاب رمزيّ للجنوح الأخلاقيّ، لكنّ مجمل أفعالها تحيل على غياب التوافق بين نظامين في السلوك الاجتماعيّ.