محمد مصدق..لهب البترول وصلابة الجبال والاعماءات والدموع

Monday 20th of April 2015 05:44:32 PM ,

كان زمان ,

هذه اضواء على الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء ايران
إن ستوكس حامل اختام الملك، الذي قطع مفاوضات البترول وعاد الى لندن، ليشرح الموقف لمجلس الوزراء البريطاني الذي يبحث دون جدوى عن حل لعناد مصدق.. قال لزملائه الوزراء الانجليز:

- لقد اوضحت للدكتور مصدق لماذا اصر على عناده وتعصبه فسوف يقود نفسه وايران والمعسكر المغربي.. الى فوضى لا نهاية لها.. وظلام ليس له آخر!
شخصية معقدة
قال عنه آية الله الكاشاني الزعيم الديني الايراني مرة:
 سبحان الذي جمع هذا كله في رجل واحد،وكان كاشاني يقصد ان يمدحه وقال عنه السير فرانسيس شبرد السفير البريطاني في طهران مرة اخرى:

- اني اعجب كيف يوفق في نفسه بين هذا كله!
ولم يكن السير فرانسيس يقصد ان يمدحه، مع ان ألفاظه التي وصف بها الدكتور محمد مصدق، اقرب ما تكون الى ألفاظ آية الله الكاشاني في وصف نفس الرجل!
والحقيقة الظاهرة في الوصفين ان الدكتور مصدق، والفرق الكاشاني يرى في هذه المتناقضات ما يدعو الى الاعجاب، اما السير فرانسيس فيراه مدعاة للحيرة! ولكن يبقى – الى جانب هذا الفرق الضخم بين مدلول الوصفين مع تشابه كلماتهما – ان مصدق لا يزال كومة من المتناقضات!
البترول.. والدموع
والحق ان كل ما في"مصدقي"– هكذا ينطق الايرانيون اسم مصدق – يتناقض مع كل ما فيه!..
لقد ولد في قصور اسرة كاجار المالكة، ومع ذلك قضى شبابه كله يكافح ليزلزل العرش تحت الجالسين عليه من ملوك الاسرة، وكانت جهود مصدق جانبا من العواصف التي ألقت التاج من فوق رأس احمد شاه آخر ملوك كاجار!
وهو مليونير، ومع ذلك فان اسعد وقت يمر به، هو الساعات التي يختلسها من وقته ليقضيها في مستشفى النجمية في طهران، بين الفقراء الذين يعالجون في المستشفى بالمجان!
وهو قائد كفاح هائل ومع ذلك فانه – هو نفسه – هيكل فان لرجل عجوز عقد الزمن والمرض معا محالفة للعداون عليه، لا يكاد يتكلم حتى ينفعل ولا يكاد ينفعل حتى يسقط مغمى عليه، ولا يكاد يسقط مغمى عليه حتى يكسب وهو في رقدته التائهة، كل مناقشة وكل جدل.. وليس في طهران من تصل به القسوة وغلظة الكبد الى الحد الذي يسمح له بالاصرار على معارضة ضائع في الغيبوبة المجهولة وحياته معلقة بخيط عنكبوت.. ولعل هذا هو السر في ما يهمس به احيانا بعض معارضيه من ان الرجل يسيطر في نفسه على مفاتيح الاغماء، ويديرها باصابعه حينما يريد، فيستسلم للغيبوبة في الوقت المناسب، ويستسلم معارضوه لرأيه قبل ان يفوت الاوان!
وهو – كما وصفه احد الصحفيين الامريكيين بحق – اصلب في عناده من كل جبال ايران، واكثر اشتغالا في حماسته من كل بترول عيدان – ولكنه برغم صلابة الجبال ولهب البترول لا تنقطع عيناه عن البكاء في اي مناسبة، واحيانا بلا مناسبة، لمجرد ذكرى عابرة او حنين طارئ!.
وجدناه"مصدق"!
يقول الدكتور حسين فاطمي رئيس تحرير جريدة"باخت امروز"حال الكتلة الوطنية التي يرأسها مصدق، وهو اقرب المقربين الى مصدق، ونائبه في رئاسة الوزارة:
- ليس في مصدق تناقض ولا شبه تناقض، ان مصدق، وكل واحد منا، هو التجارب التي مر بها.. حياته التي عاشها، وكما كانت تجاربه وحياته تكون شخصيته وما فيها..
ثم يقول الدكتور فاطمي وهو يتحفز في مقعده، استعداداً لمناقشة طويلة:
- دعونا نستعرض مظاهر هذا التناقض..
أما انه ولد في قصور اسرة كاجار الحاكمة فهذا صحيح ولكن هذا ليس ذنبه وانما هي ارادة الله لمصدق لقد كانت امه هي الاميرة نجم السلطنة ابنة عم ناصر الدين شاهين وكان ابوه هو ميرزا هدايت وزير المالية.
وامه هذه، وسوف يبكي اذا سألتموه عنها، هي اول من زرع في نفسه الاحساس بآلام البشر.
انها هي التي انشأت مستشفى النجمية – وقد نسب اسمه اليها – ليعالج فيه فقراء طهران بلا مقابل وكانت تقوم بجميع نفقاته.

كانت تترك القصر كل صباح الى المستشفى. وفي يدها ابنها"محمد"وكان اسمه وقتها محمد ميرزا هدايت، ولم يكن لقب"مصدق"قد اضيف الى اسمه بعد، فان الشاه لم يمنحه هذا اللقب الا بعد ان بلغ مرحلة الشباب، وعين موظفا تابعا لوزارة المالية في احد الاقاليم النائية بايران، حيث نفي عشر سنوات ثم عاد ليجد الشاه قد اعد له – دليل الرضا والتقدير – لقب"مصدق"وجاء في براءة اللقب:
- لقد اختبرناه فاثبت انه يستحق الثقة التي وضعت فيه وهو عندنا مصدق.
بداية الطريق!
وكان لهذا اللقب قيمة في بلد تجتاحه الرشوة، وتمطر سماؤه فضائح ومخازي وكانت تلك معركة مصدق الاولى.. معركته ضد الرشوة والفضائح.
وفوجئ الناس بربيب القصر يخطب في الشوارع واحدث بين الناس ثورة كان صداها في القصر ثورة عليه، فاضطر ان يغادر وطنه الى باريس وقضى فيها ثلاث سنوات يملأ عقله بعدوم الاقتصاد ولا يجد الطعام الذي يملأ به بطنه!
وكانت تمر به ازمات باكية، شوقاً الى زوجته وطفليه الصغيرين وامتلأت امعاؤه ومعدته بالقرح، وساءت حاله.
ثم سمح له بان يعود الى بلاده ولكنه لم يثبت ان غادرها سخطاً وغضبا الى سويسرا ليدرس القانون، ولم يطق الفراق فعاد الى بلاده ليعين سكرتيرا عاما لوزارة المالية.
ولكن الوظيفة لم تستطع تحمله.. فقد اعلن انه يريد ان يفصل من خدمة الحكومة جميع كبار الموظفين الذين لا يؤدون في خدمتها عملا. وكانوا جميعاً من ابناء العائلات القوية.
وصحا مصدق ذات صباح ليجد نفسه في الشارع.. فقد فصلوه قبل ان يفصلهم.
إلى الشارع!
وبدا مصدق يثير طهران هجوما على الانجليز، واردوا استرضاءه، وفي نفس الوقت ابعاده عن طهران، وفي سنة 1920 صدر المرسوم بتعيينه حاكما لاحدى الولايات الايرانية، ولم يكد يستقر في وظيفته حتى كادت الحرب الاهلية تنشب بين ولايته التي يحكمها، وبين الحكومة المركزية في طهران، لانه كان يرفض تنفيذ اوامرها.
وعاد الحاكم الى طهران مطروداً من منصبه ليثير القلاقل من جديد وجاءت موجة اصلاح قذفت به الى مقعد وزير المالية.
واعلن – اول ما اعلن – انه قرر تخفيض جميع مرتبات الدولة الى النصف بما في ذلك مرتب رئيس الوزراء والوزراء واعضاء البرلمان وبعدهم جميع موظفي الدولة.
وهبوا جميعاً في وجهه. رئيس الوزراء والوزارة واعضاء البرلمان، ومرة جديدة وجد نفسه في الشارع ولكن ثورة هؤلاء جميعا عليه.. اكسبته عطف الشارع الذي القي اليه واذا الشارع يقدم له مقعدا في البرلمان كواحد من نواب طهران.
وهكذا انتقلت قلاقله وثوراته الى داخل البرلمان في نفس الوقت الذي كانت قوة"رضا خان"وقدرته قد خطتا به الى عرش ايران تحت اسم رضا بهلوي.
خديجة..!
ووقف مصدق.. يتكلم لاول مرة، في المجلس بوصفه نائبا جديداً.. يهاجم رضا بهلوي.. الشاه الجديد القوي.
ولم يجد مصدق نفسه في الشارع هذه المرة، وانما وجد نفسه في زنزانة السجن، بأمر الصقر الخبيث الجنرال مختاري رئيس البوليس السياسي لرضا بهلوي.
وكان السجن هزة عنيفة لاسرة مصدق، اكثر مما كان هزة عنيفة لنفسه، ولكن صدى الهزة العنيفة عند الاسرة فجر في عيون مصدق ينابيع الدموع.
لقد اصيبت ابنته"خديجة"بانهيار عصبي حين سمعت النبأ.. ونقلت الى مصحة بسويسرا لتعالج منه، ولم تشف ابدا، وخرج ابوها من اسوار سجنه الى الحياة، اما هي فقد ضاقت عليها اسوار انهيارها، ولم تترك ثغرة للشفاء، ويبكي مصدق بحرارة اذا سمع اسم خديجة ولو كان المقصود بها غير ابنته من الفتيات ويقول:
- فقدت دنياها.. إشفاقا على حريتي.
واقترنت عودة مصدق الى الحرية بذهاب رضا بهلوي الى المنفى، ولكن الظروف جاءت له بخصوم جدد.. اقوى الف مرة من الشاه القديم القوي ونهض مصدق يكافح ليخرج الروس من شمال ايران، وخرجوا، وحزب تودة يصف مصدق بانه خائن ثم تفرغ بعدهم للانجليز يريد اخراجهم من عيدان، والدنيا كلها تصفه بانه"مجنون".
ويسكت الدكتور فاطمي.. ثم يعود بعد قليل:
- ولكن احلام المجانين تصدق ايحانا.. وهذا هو سحر مصدق!
كل شيء له سبب
ويستطرد الدكتور فاطمي قائلا:
- هل بقىي ما يدعو الى التناقض؟ كل شيء في شخصيتنا له اصل من تجاربنا، وكل اتجاه في نفوسنا له سبب من ظروفنا.. وكذلك هو ثروته من والده ميرزا هدايت الذي ظل عشرين سنة وزيراً للمالية وكان هو نفسه مليونيرا وحسه المرهف من امه الاميرة نجم السلطنة. واحساسه بالفقر والالم من مستشفى النجمية، ومنه ايضا استمد الايمان بضرورة الكفاح والاغماءات الكثيرة من صفوف القرح التي تنتظم في معدته وامعائه وصلابة الجبال ولهب البترول من اصراره على مواجهة العواصف وتعرضه لها في كل ايام جهاده.
أما الدموع.. فسرّها"خديجة"!.


آخر ساعة/ آب  1951