سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية .. شهادة ووصية كتبت بأمانة الأستاذ ورفعة المقام

Wednesday 3rd of December 2014 06:24:19 PM ,

عراقيون ,

فيصل عبدالله
 لعل كتاب "خواطر السنين- سيرة معماري ويوميات محلة بغدادية" للدكتور محمد مكية، والصادر عن مكتبة الساقي، يفي حق عنوانه، أو ينطبق عليه القول الشائع، الكتاب يقرأ من عنوانه. ففي زمن الدم النازف، وصعود نعرة العصبيات القبلية والطائفية والأثنية المقيتة، واختلال نسيج بغداد العمراني والسكاني نتيجة سياسة التزييف المستمرة. وإرث نظام صنم ثقيل وقاس خلفه على الأرض والعباد،

 وهجرة العقول العراقية ممن لهم دربة في البناء المدني تصبح قراءة خواطر سنين البروفيسور مكية ضرورية في الوقت الراهن. وضرورتها لا تكمن في رحابة سياقاتها المدنية والعقلانية، إنما في تدارك زمن عراقي قارب أغلب فصول القرن العشرين. تستحضر هذه الخواطر الماضي، لكنها تتوقف عند أبرز تجلياته المدنية. تتوقف عند حدود جدلية التوفيق بين مفاهيم الحداثة وهوية التراث. ولئن كانت الحداثة نزوعاً له آلياته وشروطه، فان ضياع الهوية يبعث نوعاً من التلفيق الاجتماعي. وهو، بالضبط، ما يعيش تفاصيله العراق اليوم. نعم، قاد تلك التجارب معماريون ومخططون وفنانون، في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي، لصياغة مشاريع تجعل من بغداد تحاكي في تصاميمها الحداثية أبرز معالم المدن الأوروبية.
- ولكونها خواطر لا تتبع الخط التصاعدي للزمن، فإنها تتوقف عند أحداث بعينها. وأحداث الكتاب ثلاثة وملحق مشروع جامعة الكوفة ودليلها الثقافي(يستحقان دراسة مفصلة لوحدهما). يغطي الأول مرحلة الطفولة والبيت والعائلة والمدارس التي تتلمذ فيها مكية، أي السنوات المحصورة بين أعوام 1916و 1935. فقد عاش أجداد وعائلة مكية في محلة صبابيغ الآل، الرصافة، إلى جانب سوق الغزل وجامع الخلفاء العباسي. وهناك قضى مكية سنوات الطفولة والصبا، وتبادل نظرات الحب ولوعة العاشق. أما كنية العائلة، كما يقول الكاتب، فانها تعود إلى جدته مكية التي تولت تسيير شؤون مصلحة الغزل والنسيج قرابة نهاية القرن السابع عشر. ويتوقف عند مراحل دراسته، لم يلتحق بالكتاتيب كما جرت العادة، بدءأً من المدرسة الهاشمية في العام 1922، إلى الثانوية المركزية واختياره قسم العلوم والرياضيات. وكان من بين أساتذته أكرم زعيتر، وزير خارجية سوريا لاحقاً، والأديب صادق الملائكة، والد الشاعرة نازك الملائكة، ومدرس الرياضيات البغدادي اليهودي"المحبوب" عبد الله عوبيديا. والمؤرخان جواد علي وناجي معروف. تفوقه في قسم الرياضيات، وضع مكية أمام خيارات المستقبل، فقد شجعه شقيقه عبد العزيز على دراسة هندسة النفط. فيما أقترح عليه مدير البعثات ساطع الحصري (سوري)، آنذاك، قبول بعثة لدراسة الرياضيات في ألمانيا. لكنه تقدم لدراسة الطب، وعدل عن هذا الخيار بعد دعوة وزير المعارف صادق البصام له ومنحه بعثة لدراسة الهندسة المعمارية في بريطانيا.
- يفرد الفصل الثاني لسنوات الدراسة في بريطانيا والممتدة بين أعوام 1935 و1946. وفيها التقى عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء العراقي في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، وعبد الغني الدلي، وزير الزراعة والبرلماني والدبلوماسي في العهد الملكي. ومن مفارقات الخواطر الرمزية، ان مكية سكن في منطقة" بيزووتر" أول مرة عندما حل في لندن طالباً، وها هو ديوان الكوفة ببنائه المميز يقع على مقربة من المكان الأول. ويسرد لقاءه زوجته مارغريت، أو كما يحلو له تسميتها بأم كنعان، في العام 1942 وخلال الحفل السنوي في نادي الطلاب. ووقوعه تحت تأثيرات أحد رواد الحداثة المعمارية الفرنسي لو كوربازيه، وتوقفه عند أحد أقواله "البيت آلة سكنية"، أي كيان تكنولوجي ذو وظيفة جمالية. أما أطروحته الجامعية، فقد خصص الجزء الأخير منها لتخطيط مدينة ليفربول بعد دمارها. واختياره لمدينة ليفربول، جاء بعد رفض وزارة المعارف العراقية تزويده بالخرائط اللازمة لتصميم عمران مدن كردستان العراق. وينتقل إلى جامعة كمبريدج لإكمال شهادة الدكتوراه، والموسومة "البيئة العربية في جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط". صرامة الدراسة ومشاغلها لم تمنعه من حضور محاضرات البروفيسور هارولد لاسكي أستاذ تاريخ الفكر السياسي والاجتماعي، ومثلها محاضرات الفيلسوف برتراند راسل، والمستشرق برنارد لويس.. وغيرهم. ويسرد حادثة عدم تحية الوصي عبد الإله عند حضوره إلى جامعة لندن وزيارته لمدينة كمبريدج. لكنه بعد نصف قرن، لم يجد لذلك التصرف سبباً سوى الإحساس بالتعالي والشعور بالتمرد.
- فيما يقتفي الفصل الثالث دروب العودة إلى العراق عن طريق القاهرة. وبعد قضائه عشرة أيام فيها حملتة طائرة الخطوط الجوية المصرية، وكان بمعية المطرب "اللامع حضيري أبو عزيز"، إلى مطار المثنى في بغداد. لقاء الأهل والأقرباء والأصدقاء وانتظار وصول خطيبته الإنكليزية "أم كنعان"، يأخذ الجزء الأول من هذا الفصل. بعدها يبدأ فصل حكاياته العملية، ابتداء من حصوله على وظيفة محاضر خارجي في كلية الهندسة. ويصوب نقده الشديد في هذا السياق إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس التخطيط أرشد العمري، الذي يحمله مسؤولية "تشويه نسيج مدينة بغداد العمراني.... ومعالمها التاريخية.. عبر إصداره قانون العرصات.. وقضائه على (معالم) البيت البغدادي التقليدي...وشق شوارع ساذجة، منها قطع جامع مرجان كي يمتد شارع الرشيد... .وتخريبه لبوابة باب المعظم".
مشروعان لم يكتب لهما النجاح، ضمن هذا السياق، تقدم فيهما مكية إلى السلطات المحلية، مقترح أعمار جزيرة أم الخنازير والحزام الأخضر لمدينة بغداد. تدبير السكن كان معضلة مكية في بداية حياته، إلا انه في الأخير حصل على سكن حكومي، عبارة عن "بنكلو" في دور العلوية، المخصصة لسكن كبار رجالات الدولة، وفيه ولد أبنه كنعان وابنته هند.
ويتوقف كثيراً عند مهنة البنّاء البغدادي، الذي يطلق عليهم "المعماريون"، ويذكر منهم الأسطة حسن وتفننه في بناء الإعدادية المركزية، وعمارة لينج وجامعة آل البيت في الأعظمية، أصبحت فيما بعد مقراً للبرلمان العراقي. إلى درجة استعانة ألآثاري الألماني أوسكار رويتر به في إعداد كتابه "البيت البغدادي" الصادر عام 1909. ومثله الأسطة الحاج حسن، الذي أجاد رغم أميته فنون البناء ورسم الخرائط، حيث رمم جامع الخلفاء، وطارمة ضريح الإمام موسى الهادي في سامراء، ودور أخوات الوصي عبد الإله..وغيرهم. لكن فكرة تأسيس قسم خاص بالعمارة ظلت تراود مكية. ففي العام 1946 تقدم بها لكنها رفضت، إلى ان جاءت ثورة 14 تموز 1958، وبالتحديد في بداية العام 1959 نضجت الفكرة ودعي إلى لجنة ثلاثية مكونة من المعماريين مدحت علي مظلوم وقحطان المدفعي وأنيطت بمكية مهمة الإعداد لهذا التأسيس. وبعد اختيار الأساتذة، كان بينهم الدكتور علي الوردي أستاذ علم الاجتماع وهاشم الخطاط لتدريس الخط العربي والفنانة البولونية صوفيا والفنانة لورنا سليم، زوجة الفنان جواد سليم، أسندت لهما مادة تدريس الرسم. جاء قبول الطلبة في قسم العمارة، ويسرد قضية قبول ذائعة الصيت العالمي المعمارية زها محمد حديد، التي تقدمت إلى الدراسة مع توصية. لكنه فضل" انتظار فرصة انسحاب أحد المتقدمين حتى يتم قبولها وفقاً للأصول المرعية" كون "إن نسبة معدلها كانت أقل من المتقدمين الآخرين".
يختتم الفصل بترك مكية رئاسة القسم المعماري في العام 1971. وكان من ثمار إنجازاته إعادة بناء جامع الخلفاء الذي أعاد له هيبته العباسية. ودارة "حقق فيه بعض أفكاره" بجوار نهر دجلة، صادرها وزير الدفاع عدنان خير الله طلفاح. وعشرات المشاريع التي مازالت في أدراج مكتبه في لندن، وبعض منها تحقق في دول الخليج العربي.
كتاب مكية، أجتهد رشيد الخيون وبصبر عال بتحريره، ممتع وغني بتفاصيله وتقاطعاته وصوره. فقد حمله تفاصيل حلم شاغله على مدى عقود لتخطيط مدينة بغداد، ليخرج على شكل شهادة ووصية في آن. كتبت بأمانة الأستاذ ورفعة المقام كي "يسلمها إلى الأجيال القادمة التي لا بد من أن تعود إلى رشدها، وتعيد إلى بغداد مجدها الغابر. تعيدها من غربتها عن نسيجها العمراني...وإن تعود مفتوحة على ضفتي نهرها".