إسماعيل كرك
سنة 1896 أي بعد أربع سنوات من انتقاله للعيش في جيفرني كتب مونيه في يومياته: «بالنسبة لي، لم يعد الدافع مهماً، ما أريد أن أفكر فيه هو ما يجري بيني وبين الموضوع.» كانت تلك العبارة توصيفاً دقيقاً يفسر مَيل الفنان الفرنسي إلى لوحة لم تعد تعكس الواقع في الطبيعة، بل «ذلك الضوء الذي يتشكل بين الفنان وموضوع لوحته» كما أشار إلى ذلك مؤرخ الفن بيل كومنز. في ذلك الحين صار مونيه مهتماً بالأحاسيس فأراد الاقتراب والتحقق منها، فاستدعى ذاكرة المكان بنوع من حنين قفزت من خلاله ذاكرته إلى الرحلات التي قام بها إلى بورفيل، دييب وفارينجفيل عبر نوستالجيا استدعت أحاسيس ذاتية مرتبطة برحلات قام بها إلى أمكنةٍ رسم فيها قبل سنوات، لاسيما في أمكنة مثل منازل ضباط الجمارك، صخور دييب والعاصفة البحرية في بورفيل، وكأنه كان يبحث عن زمن ضائع! ذلك العالم الخاص كان مترافقاً مع عالم موازٍ آخر، ففي الثلث الأخير من حياة مونيه تواترت أحداث أُخرى تختلف في حركتها أو حتى في تحريكها عن ثورة الألوان الانطباعية، وقراءة اللون خارج الاستوديو، أو جمال الماء في صَخَبه وهدوئه، والعلاقة التي تربط الضوء بالهواء الطلق وتتحالف مع أوقات النهار، وبصمات أخرى للظل تتنوع بين الأسود والأزرق والبني أو كلها معاً. لكن مونيه الذي سحر وما يزال الكثير من النقاد ومؤرخي الفن ومريديه سيثير العديد من التساؤلات حول أعماله، لاسيما تلك التي أنجزها في جيفرني، والتي تزامنت مع فترة التدهور السياسي والاقتصادي الذي شهدته فرنسا، اعتباراً من ثمانينيات القرن التاسع عشر وما تلاها من تناقضات في المجتمع الفرنسي.
في كتابها الذي حمل عنوان «مونيه» ومن خلال الدراسة المستفيضة التي حررتها المؤلفة ومؤرخة الفن الألمانية كارين ساغنر ديتشتينغ سنة 1990، الصادرة عن دار «بينيديكت تاشن فيرلاغ» وبالتحديد ما جاء في الفصل السابع من الدراسة تحت عنوان فرعي: «جيفرني عندما بدأت الأسطورة 1883-1926» تتحدث المؤلفة عن مرحلة في غاية الأهمية شكلت الفصل الأخير في نضوج أعمال مونيه و»نجاحاته» التي قادته إلى الثراء، من خلال الاتصال بالعديد من الشخصيات النافذة فنياً وسياسياً، فتروي بأسلوب رشيق أحداثاً قد تمكننا من الاعتماد على مجرياتها لتفسير أسرار جيفرني!
سنة 1876 نشأت علاقة أسرية وطيدة بين عائلة مونيه وعائلة رجل الأعمال وجامع اللوحات إرنست هوشيدي وزوجته أليس، بعد ذلك بثلاث سنوات فُجِعَ مونيه بوفاة كامي دونسيو زوجته الأولى بعمر 32 عاماً، بقي بعدها مونيه الأرمل – الذي كان يعاني من ضيق الحال- على علاقة وطيدة مع العائلة الثرية ليبتسم له الحظ بعد انفصال الزوجين هوشيدي، ويقيم علاقة «صداقة» مع طليقة إرنست هوشيدي أليس، وصفها مؤرخو فن القرن التاسع عشر بأنها كانت أشبه بزواج غير رسمي، لكن أليس لم توافق على زواجهما رسمياً بسبب وضعه المالي، إذ كيف يستطيع تغطية نفقات عائلتين معاً. الحدث المهم الذي غير الثلث الأخير من حياته المضطربة، أتى بعد سفره إلى روان للوقوف على حيثيات عرض قدمته له الكنيسة الكاثوليكية هناك، فبدأ اعتباراً من فبراير/ شباط 1892 برسم سكيتشات أولية لمناظر كاتدرائية روان ذات الطراز القوطي، الأمر الذي نال استحسان القائمين على الكنيسة ووافقوا على شروعه بالعمل. في منتصف أبريل/نيسان من العام ذاته عاد إلى جيفرني التي سيأتي إليها مرةً أخرى في العام التالي في فبراير/ شباط وينجز سلسلةً مؤلفة من 30 عملاً فنياً، باع كل عمل منها بـ12000 فرنكاً، ما جعل أليس هوشيدي توافق أخيراً على الزواج منه، فاشترى المنزل الساحر في جيفرني وانتقلت العائلتان للعيش هناك مع سبعة أولاد: خمس فتيات لزوجته الثانية وابنا مونيه جان وميشيل، هناك عاش الجميع في المنزل الوردي ذي الستائر الخضراء حتى وفاة الفنان الفرنسي.
كان المنزل واسعاً بما يكفي أُسرةً مكوَّنةً من عشرة أشخاص، أما في الجزء الغربي من المبنى فقد تمكن مونيه من إنشاء استوديو خاص وبستان كبير مزروع على طريقة الفيلات النورماندية محاطاً بجدار، ويقود طريقاً مستقيماً عبر الحديقة من المبنى السكني إلى بوابة تؤدي عبر مسارات خلفية إلى خط سكة حديد Gisors-Vernon، حيث يقود المرج المُعتِم إلى شجر الصفصاف وبركة ماء يغذيها نهر رو، الذي يتدفق نحو نهر السين. في السنوات التي تلت ذلك، استفاد مونيه من المساحات المائية الوفيرة، حيث حوَّلَ الحديقة إلى مكان يتلألأ فيه بحر من الزهور، لا يستمتع به عندما يكون الطقس سيئاً فحسب، بل أكثر من ذلك كان يضيف كمّيةً وافرةً من السحر والإيحاءات على لوحات الرسام الفرنسي.
تجارياً، كان على صديق مونيه متداول الفن الفرنسي ديوران رويل، بيع لوحات جفرني الأولى التي كانت بانتظاره، لأن موسم الصيف لم يكن ناجحاً في لندن، أو تم تقليصه لجعل أعمال مونيه معروفة بشكل أفضل في الخارج، بغية العثور على مشترين جُدد.
مونيه المفتون بمناظر جيفرني، وجد فيها أخيراً مكاناً للراحة في المروج والمناظر الطبيعية المائية، وعلى الرغم من شغفه بمهنة البستنة، إلا أنه استعان بستة أخصائيين في فن تصميم الحدائق، الأمر الذي يدل على ثراء رسم علامات استفهام كبيرة دفعت الروائي إميل زولا لتحذيره من خلال إهدائه صديقه وصديق مونيه الرسام بول سيزان نسخةً من روايته: «العمل» التي نشرها سنة 1886 حيث هاجم من خلالها بشكل مبطن مونيه واختراق فنه من قبل شبكات سياسية وتجارية ساعدته في الوصول إلى مركز نافذ في السلطة السياسية آنذاك، شَغَلهُ رجل الدولة الفرنسي جورج كليمنصو، الذي زار مونيه في جفرني سنة 1894 وشاهد سحر المنزل هناك وطالبهُ بالمحافظة على منزله « التاريخي» كجزء مهم من الأوابد الفرنسية الخلابة!
تجارياً، كان على صديق مونيه متداول الفن الفرنسي ديوران رويل، بيع لوحات جفرني الأولى التي كانت بانتظاره، لأن موسم الصيف لم يكن ناجحاً في لندن، أو تم تقليصه لجعل أعمال مونيه معروفة بشكل أفضل في الخارج، بغية العثور على مشترين جُدد. عندما توسع عمل رويل التجاري إلى الولايات المتحدة سنة 1886، اشترى جامعو اللوحات هناك جزءاً صغيراً فقط من أعمال مونيه الجديدة ما جعل مونيه مضطراً لتكرار التواصل مع مؤسسات فنية أخرى كمعرض Petit في بروفانس ومعرض Adolphe Portier في باريس، وكان ذلك تكتيكاً تجارياً مذهلاً ولعباً جزئياً لعدم إضاعة الوقت، بغية كسب الكثير من المال من خلال نصائح قدمها المعرضان آنفا الذِكر لجامعي اللوحات، فقَدِم تجار الفن والحمَّالون للبحث عن الفنان في جيفرني والشراء منه مباشرةً، وقتها باع أول عملين، بعد أن سعَّر كل منهما مبدئياً بمبلغ وصل إلى 12000 لترتفع قيمة كل منهما إلى 15000 فرنكاً للعمل الواحد. كان صدى زيارة كليمنصو إلى جيفرني قد عزز بالفعل من شهرة مونيه في فرنسا، وعمق صلاته بالأرستقراطيين!
ما فعله مونيه كان أشبه ما يكون بانفصال عن الواقع، توقَّعه الروائي والمفكر السياسي إميل زولا مبكراً عبر روايته L›Œuvre «العمل»- المقصود بذلك العمل الفني- أو «التحفة» (حسب الترجمة الإنكليزية للعنوان). الرواية التي نُشِرت لأول مرة سنة 1886 ودارت أحداثها حول كفاح بطل الرواية كلود لانتييه لرسم عمل رائع يعكس موهبته وعبقريته، اعتُبرَتْ سرداً خيالياً لصداقة زولا مع بول سيزان وتصوُّراً دقيقاً لعالم الفن الباريسي في منتصف القرن التاسع عشر، كما لعب فيها كلود لانتييه دور فنان ثوري أُسيءَ فهم عمله من قبل جمهور الفن، نظراً لالتصاقها بالموضوعات والتقنيات والتمثيلات التقليدية.
لدى قراءة الرواية بِتَمعُّن سيُلاحَظُ أن العديد من الخصائص المنسوبة إلى كلود لانتييه هي مُرَكَّب مأخوذٌ من حياة الكثير من الرسامين الانطباعيين، بما في ذلك كلود مونيه وإدوارد مانيه وكذلك بول سيزان، الأمر الذي استثار الانطباعيين فوَجّهَوا لتلك الرواية ملامة إنهاء الصداقة بين سيزان وزولا مبررين ذلك أن قصة فنان رائد غير قادر على الارتقاء إلى مستوى إمكاناته بدت لسيزان شخصنةً إلى حد بعيد و هو ما يفسر عدم وجود مراسلات بين الاثنين ما عدا رسالة شكر فيها سيزان زولا على إرسال الرواية له. تغطي الرواية خمسة عشر عاما في الفترة بين عامي 1855 – 1870 وأدى نشرها إلى قطع الخيط الأخير الذي ربط بين الصديقين زولا وسيزان، وكانت بمثابة فزاعة أخافت مونيه فكتب إلى بيسارو: «هل قرأتَ الكتاب الذي نشره زولا؟ أخشى بشدة أن يتسبب ذلك في ضررِ كبير لنا!». من المهم هنا الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار لوحات مونيه كان بمثابة «نجاح مُدَوٍّ» في سوق الفن، وهو ما ذكره غوغان برسالته إلى زوجته هيث كول: « يكسب كلود مونيه من بيع لوحاته أكثر من مئة ألف فرنكاً في السنة الواحدة». مونيه الذي بدأ رسام كاريكاتير، أدهش الفنان الفرنسي يوجين بودان فعلَّمَهُ أساسيات الرسم في الهواء الطلق، كان قد خضع بطريقة أو بأخرى لما أفرزته جيفرني من تناقضات رافقها فساد سياسي اخترقه كفنان، بينما انزلقت رؤيته على سطوح الظواهر الاجتماعية، مكتفياً بالوقوف لساعات فَضَّلَ تسعيرها بعد أن سَعَّر سلوك زنابق الماء، وغطى بأكوام القش الكثير من الأسئلة ليضع كل ما هو مهم في جوارير بلا عنوان، ويهرب مع ريح الفصول المختلطة.
عن القدس العربي
اقرأ ايضا
لماذا تُعتبر لوحة( زنابق الماء ) اجمل ما رسمه مونيه
ستار كاووشيُعتبر كلود مونيه (١٨٤٠-١٩٢٦) من أعظم الرسامين الإنطباعيين، وعندما نتتبع حياته التي قضاها مخلصاً …