صفحة مثيرة من تاريخ العراق الحديث..نهاية طالب باشا النقيب

قاسم محمد داود
كانت خطوة تأسيس وزارة الداخلية بوصفها ضرورة ملحة من ضرورات تشكيل الحكم الوطني في العراق كسبب رئيس، فضلاً عن كونها مؤسسة أمنية ضرورية تستطيع الحكومة بوساطتها إدارة الشؤون الداخلية والحفاظ على الهدوء وإشاعة الاستقرار السياسي في البلاد وتحقيق الوحدة الوطنية المتماسكة. وحاولت وزارة عبد الرحمن النقيب الأولى إصلاح أوضاع العراق الداخلية المتردية، فقامت باستحداث وظائف خدمية وإدارية فضلاً عن طلبها بإرجاع المبعدين السياسيين في هنجام (جزيرة تقع على مسافة كيلومترين مقابل السواحل الجنوبية لجزيرة قشم في مضيق هرمز) إلى وطنهم بعد إعطائهم عهوداً مكتوبة تتضمن عدم العبث أو تعكير صفو المناخ السياسي الجديد في العراق، قبل ان يلتئم المجلس التأسيسي الذي سيسن الدستور (القانون الاساسي) للبلاد. ومما يدلل على أهمية وزارة الداخلية ووزيرها هو موافقة برسي كوكس بجعل راتب وزير الداخلية خمسة آلاف روبية (عملة هندية استخدمت في العراق لغاية عام 1932) في الشهر وبقية الوزراء يتقاضون ثلاثـة آلاف روبية بل ان مجلس الوزراء زاد ذلك المبلغ الى ستة آلاف روبيـة بتاريخ 27 شباط1921، ويروي خيري امين العمري ان معظم الوزراء لم يكونوا موافقين على زيادة راتب وزير الداخلية بداية الأمر، إلا ان إصرار النقيب وثباته في موقفه اضطر الوزراء الى التراجع عن اتفاقهم وقبلوا في النهاية على راتب وزير الداخلية الذي اقترحه طالب النقيب.
بعد ان شعر طالب النقيب ان الانكليز لا يريدونه حتى انهم لم يختاروه عضواً في الوفد الذاهب الى القاهرة لتحديد مصير العراق، بينما اشترك فيه ساسون حسقيل وجعفر العسكري والمس بيل، التي قالت عنه في إحدى المرات: (نجاحه سيكون شيئاً قاتلاً بالنسبة لنا)، وكلهم ميالون لترشيح فيصل بن الحسين للعرش. وقد ذهب الوفد للمشاركة في المؤتمر الذي عُقد في المدة الواقعة بين 12-23 مارس 1921، في فندق سميراميس بالقاهرة، لبحث شؤون الشرق الأوسط، برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وبحضور أربعين موظفًا إداريًّا وسياسيًّا وعسكريًّا من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في مختلف أرجاء الوطن العربي آنذاك. تحدد خلال المؤتمر المستقبل السياسي لعديد من دول الشرق الأوسط كالعراق وشرق الأردن وفلسطين، ويعتبر من أهم المؤتمرات التي بحث فيها مصير العرب بعد سقوط الدولة العثمانية واحتلال بريطانيا للمنطقة في الحرب العالمية الأولى. وحضره وفد عراقي يضم: برسي كوكس المندوب السامي البريطاني، والجنرال إلمر هالدن قائد القوات البريطانية في العراق، وجعفر العسكري وزير الدفاع، وساسون حسقيل وزير المالية، وسليتر مستشار وزارة المالية العراقية، وهربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين، والعقيد توماس ادوارد لورانس الضابط البريطاني المعروف، العميد جيلبرت كلايتون ضابط استخبارات الجيش البريطاني في القاهرة، وقد ناقش المؤتمر العديد من الأمور التي تخص العراق، ومنها شخصية من يتولى حكم العراق، ووفقاً لما قاله برسي كوكس؛ فقد رأى أن ترشيح أحد أبناء الشريف حسين من شأنه أن يحوز رضا أغلبية الشعب العراقي إن لم يكن أجمعه، ومن هنا وقع الاختيار على فيصل ليكون ملكاً على العراق.
اندفع طالب النقيب – وزير الداخلية – في ممارسة نشاط واسع استهدف معارضة ترشيح الأمير (فيصل) ملكاً على العراق،ومضى رجاله وأعوانه يطوفون علـى الناس في البصرة وبغداد بمضابط تدعو الى المطالبة بتعيينه ملكاً على العراق، وكان شعاره (العراق للعراقيين)، وقام بنفسه بجولة واسعة في اذار 1921 زار خلالها مدن الكوت والعمارة والناصرية والديوانية والنجف والبصرة للنهوض بدعاية سياسية تجمع له الأنصار منتهزاً فرصة غياب برسي كوكس والمس بيل لمشاركتهم في مؤتمـــر القاهرة، واحيطت جولته تلك بمظاهر التبجيل ورافقه فيها العديــد من اعوانه وانصاره منهـــم معاون مديـــر شرطــة العاصمــة (احمــد الـراوي)، وكان يصحبه العديد من رؤساء العشائر وعمداء العوائل العراقية المتنفذة. وكان انصاره يقيمون له في كل بلدة استقبالا حافلا وولائم كبيرة وكان هو يخطب في الناس محببا نفسه إليهم، ويبشر بالمبادئ التي توافق معتقداتهم. ففي النجف خطب قائلا: ((ادعو الله بحرمة اجدادي الطاهرين ولاسيما جدي الاعظم امير المؤمنين (عليه السلام) اعاهدكم على تحقيق آمالكم امام حضرته المقدسة)). وفــــي الكــــوت قــال مخاطبــاً الحاضرين: ((إنَّ جُل مقاصد حكومتنا إسعاد العباد ورقي البلاد وإنها ساهرة على مستقبل الأمة آخذة العدة للذود عن حياضها تؤازرها في الشؤون حكومة بريطانيا العظمى وعما قريب تنشر قوانين الانتخابات وسيلتئم المؤتمر العراقي العام وكل فرد منكم حرُ في رأيه…)). وفي طريق عودته الى بغداد عرج على الحلة وزار سجن المعتقلين السياسيين وطمأنهم بقرب الإفراج عنهم.
في نيسان 1921 وصل بغداد مندوب جريدة (الديلي تلغراف اللندنية) برسيفال لاندن (P.Landin) فاغتنم طالب الفرصة وقرر ان يقيم لمندوب الجريدة وليمة عشاء كبرى في بيته، ودعا اليها القناصل ورؤساء عشائر ربيعة واسد محمد الامير وسالم الخيون وعددا من الوجهاء. خطب السيد طالب وكان فحوى ما قال ان شائعات تعيين فيصل ملكا اخذت تملأ الاندية، وهو يريد ان يوضح للحكومة البريطانية ان اهالي العراق لا يريدون فيصل، ولا يتساهلون في فرضه ملكا عليهم، وان الحكومة البريطانية قد وعدت بأن العراقيين سينتخبون الحكومة والملك الذي يريدون. ان اهل العراق مصممون على ان تفي الحكومة البريطانية بوعدها وإذا لم تفعل فإن العشائر لديها أكثر من ثلاثين ألف بندقية ومسلح رهن الاشارة. كما ان السيد عبد الرحمن النقيب سوف لا يتردد من أن يبعث شاكياً الى الهند وإستانبول وباريس. اعتبر المندوب السامي البريطاني برسي كوكس والمس بيل كلمة السيد طالب بمثابة تهديد بإعلان الثورة، وأنه يشكل خطورة على فرص نجاح فيصل في العراق فقررا اتخاذ التدابير اللازمة لاعتقاله وأخارجه من البلاد. وضع الانكليز خطة الاعتقال وجرت الرياح بما تشتهي سفنهم، فقد كان السيد طالب مدعوا في عصر 15 نيسان 1921 لتناول الشاي عند زوجة كوكس في بيتها، وهو نفس بناية السفارة البريطانية في محلة الكريمات على شاطئ دجلة في جانب الكرخ. لم تكن زوجة كوكس تعلم بخطة الاعتقال، فدعت للحفلة المس بيل لتقوم بالترجمة. اما كوكس فلم يحضر وادعى انه سيشاهد سباق الخيل. وصل السيد طالب في الساعة الرابعة والنصف وشرب الشاي مع زوجة كوكس والمس بيل. بعد فترة قصيرة نهض السيد طالب شاكرا ومودعا. وعندما خرج من البيت نحو سيارته في الشارع اعتقله الجنود الانكليز واقتادوه الى شاطئ النهر خلف البيت، حيث كان في انتظاره زورق بخاري تحرك به الى الكوت. وفي الكوت اركبوه باخرة سارت به الى الفاو التي وصلها في مساء 16 نيسان 1921، ومن هناك اصعدوه بارجة حربية حملته منفيا الى جزيرة سيلان فأودع فيها رهن الاعتقال.
وقد جاء في البيان الذي أصدره برسي كوكس بأن أسباب الإبعاد تعود لكون طالب النقيب قد صرح بتصريحات خطيرة تهدد سلامة القوات البريطانية في العراق وتحرض على رفع السلاح ضدها من شخص يشغل منصباً مهماً وخطيراً في الحكومة العراقية وهو بذلك يكون (مقصراً)– على حد تعبير البيان – نحو سكان هذه البلاد والحكومة البريطانية.
انتهت رغبة السيد طالب بتولي العرش بالفشل لان الانكليز كانوا يفكرون بالأمير فيصل ووضعوا الخطط لتنصيبه، لأنه كان هادئا طيِّعا عكس المشاكس المشاغب السيد طالب. لم يرجع النقيب من جزيرة سيلان للعراق إلا في الأول من أيار/ العام 1925.. بعد أن قضى 4 سنوات في المنفى.. عاد الى البصرة مقيما في قصره في منطقة السبيليات في أبي الخصيب في البصرة مشرفاً على أملاكه ومصالحه التجارية.. حتى مرضه حيث سافر إلى ألمانيا بمدينة (ميونخ) للعلاج.. فأجريت له عملية جراحية وتوفي أثرها في 16 حزيران / يونيو/ عام 1929.. ونقل جثمانه إلى مدينة البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في مدينة الزبير.
عن موقع (كاردينيا)

اقرأ ايضا

كيف نشأت مدينة الرمادي؟ .. اسسها مدحت باشا والي بغداد سنة 1869م

د.حسن كشاش الجنابيأهتم الباحثون وجغرافيو المدن بدراسة المدينة باعتبارها ظاهرة بشرية تختلف عن باقي الظواهر …