طلال سلمان
فقدت الثقافة العربية، واحداً من روادها هو «صانع الكتب» المبدع محيي الدين اللباد: رسام الكاريكاتور المميز بأفكاره قبل خطوطه، وأحد المؤسسين لمجلات الأطفال والكتب الموضوعة لهم بعد دراسة وتأن واجتهاد في التوغل في عالمهم السري الغامض والمبهج والمثير للدهشة. لقد اقتحم هذا «الطفل الأسطوري» الميدان الفسيح لعالم الطفل العربي الذي لم يكن يحظى بالحد الأدنى من الاهتمام، على مستوى تثقيف وجدانه وذاكرته وعينه، بل غالباً ما كان يترك ـ كمستجد في الدخول إلى عالم القراءة ـ للمطبوعات الأجنبية، كتباً ومجلات ومسلسلات تلفزيونية عنصرية في مضمونها، ركيكة في أفكارها ورسومها، وغريبة عن وعيه وموروثه الثقافي. وهكذا صار الطفل العربي موضوعه الأثير وشاغله الدائم، إلى جانب جهده الدائم في تصحيح مفهوم الأهل وسبل تثقيف أطفالهم واستدراجهم إلى عالم الكبار بمغريات تختلط فيها أسباب المعرفة بالتسلية والترفيه والمتعة البصرية. أراد محيي الدين اللباد، وحاول، فنجح غالبا، وأعجزته الإمكانات أحيانا، وأفشله نقص اهتمام الأهل، ومن قبلهم الدولة بأجيال الغد، ثقافة ومعرفة واطلاعاً ومنظوراً مستقبلياً لموقعهم ودورهم في مجتمعهم.
كتب ورسم وأبدع فتميز في فن الكاريكاتور، ونال جوائز عالمية قيمة في أكثر من معرض مفتوح لكبار الرسامين في العالم. ثم اهتم بصناعة الكتاب فأنتج مجموعة من الأغلفة التي تضيف إلى النص فتكمله أحيانا، او تؤكد مضمونه او تشرح القصد منه وتوضح ما اكتفى الكاتب بالتلميح إليه مبتعداً عن التصريح لأسباب يمكن فهمها، بينها الخوف من السلطان سواء أكان سيافاً جاهلاً إم طاغية يقوده التعصب إلى معاداة المجتمع وإعلان الحرب عليه. لعب محيي الدين اللباد دوراً تأسيسياً في مختلف المجلات والكتب وسائر المطبوعات الخاصة بالأطفال، من مجلة «السندباد» في القاهرة، إلى «دار الفتى العربي» في بيروت التي استدرج إليها أقلام الكتّاب الكبار فأنتجت أرقى ما أنتج في هذا المجال. كذلك فهو من وضع التصميم لمطبوعة «العربي الصغير» التي كانت تصدرها وتوزعها مجلة «العربي» الصادرة في الكويت مع كل عدد من أعدادها. وحاول اللباد فنجح في تحديث أساليب كتابة الحرف العربي للصحف خاصة والمطبوعات عموماً… كما قدم إسهاماً لافتاً في تطوير الإخراج الصحافي، فكان كمن يؤسس لمكتبة عربية جديدة تستهل نشاطها بالطفل ثم تتابع نموه ـ كقارئ ـ فتقدم له نمطا مختلفاً في إخراجه وحرفه وتشكيله عن السائد المنقول أو المتبّلد بالتقادم.
وبالنسبة إلى «السفير» بالذات والتي كان محيي الدين اللباد بين من أسهموا في تطوير حرفها وصيغة إخراجها بما يضيف إلى مادتها التحريرية قيمة بصرية، فإن فقدان هذا الصديق الكبير قد أصابها بصدمة حزن عميق، إذ كنا دائماً على موعد معلق معه من أجل التحديث والتطوير. ها هو اللباد يلتحق بالرواد الكبار الذين غادرونا بلا وداع، حسين بيكار وحسن فؤاد وعبد الغني أبو العينين، وصلاح جاهين وبهجت عثمان أو دخلوا في الصمت مختارين مثل البهجوري وأحمد حجازي ونبيل السلمي ورجائي وغيرهم ممن أطلقتهم مجلة «روز اليوسف» ورعتهم مجلة «صباح الخير» ثم دار الهلال بقيادة أحمد بهاء الدين قبل ان تطفأ الأضواء في القاهرة المحروسة ليعم الظلام في الأرض العربية. لقد ترك لنا معالم طريق إلى التقدم عبر كتاباته ـ البصرية حيث يوائم بين المقروء والمنظور من أجل اكتمال المعنى، وهي فلسفة كرس لها «نظر ـ1» ثم «نظر ـ2»، قبل ان تتوقف مع «نظر ـ3» لأن من في وجوههم نظر لم يعطوها من الأهمية ما تستحق. ثم إنه كان احد قلائل العالميين من الرسامين العرب، إذ فتحت له «لوموند دبلوماتيك» صفحاتها فقدم فيها بعض نتاجه المميز، والذي سنفتقده في زمن العتمة الذي يلف منطقتنا فيعظم من شأن الجهل والجهلة ويطرد المستنيرين إلى العالم البعيد… حرصاً على نعمة الجهل في الاستقرار او الاستقرار في الجهل. إلى اللقاء يا ابن اللباد الذي فضل ان يطبب العقول والذاكرة والعيون تاركا لغيره ان يهتم بأسنان أكلة العـلم والثقافة والنور.
من ارشيف جريدة السفير
اقرأ ايضا
طيب تيزيني.. المفكر المتمرد
علي حسينكتب طيب تيزيني في مقدمة كتابه الموسوعي الشهير ” مشروع رؤية جديدة للفكر العربي …