العدد (3998) الخميس 17/08/2017 (محمود البريكان)       محمود البريكان الشاعر المتأمل الزاهد       نصلٌ فوق الماء       الوصــــية الثمينــــة...       التناص بين قصيدتي الطارق لـ(محمود البريكان) و(الغراب) لادغار الان بو..       وثيقة من الأربعينات عن الواقع الأدبي       شعر البريكان : أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها       محمود البريكان يتحدث عن تجربته مع الشعر الحر..إن تبدع أو لا تبدع.. هذه هي المسألة..       محمود البريكان.. شاعر الفكرة، والسؤال الفلسفي       قالوا في الشاعر الكبير محمود البريكان    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 16886658
عدد الزيارات اليوم : 11172
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


من المعارك الادبية حول تحرير المرأة في الشعر العراقي الحديث

محمد جواد الغبان
اديب راحل
 نظراً للدور الخطير المطلوب من المرأة أن تؤديه في تربية الأجيال بوصفها مدرسة الحياة الأولي، فقد نادي شعراء النهضة الحديثة بالعمل الجِدِّي علي تعليم المرأة وتسليحها بالمعارف العامة لتكون عضواُ صالحاً ونافعاً في المجتمع، ولتتأهل تأهٌّلاً سليماً لأداء رسالتها المُقدَّسة، وكنموذج من ذلك نُثبت الآن بعض ما قاله الشاعر معروف الرصافي في هذا الشأن


 في قصيدته (التربية والأمهات) التي استشهدنا قبل قليل ببعض أبياتها، والتي نستشهد منها هنا بشكواه إلى (أم المؤمنين) من جهل (المؤمنات) في عصره مشيراً إلي ما نصَّ عليه الإسلام من أنَّ (طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة).. فيقول :
أ (أُمَّ المؤمنين) إليكِ نشكـــو
مصيبتنا بجهـل المؤمنــاتِ
تخذنا بعـدك العـادات دينــاً
فأشقـي المسلمونَ المسلمـاتِ
وقالوا: إنَّ معني العــلم شيء
تضيق به صـدور الغانيــاتِ
أليس العلم فـي الإسلام فرضـاً
علي أبنائـه، وعـلي البنـاتِ
أ لم نرَ فـي الحِسان الغيد قبـلاً
أوانسَ كاتبـاتٍ شاعـــراتِ
وقـد كـانت نساء القوم قِـدْماً
وللشاعر جميل صدقي الزهاوي رباعية في الدعوة إلي جعل الاهتمام بتعليم المرأة كالاهتمام بتعليم الرجل لأنهما - معاً - جديران بذلك فيقول :
علِّموا المرأة، فالمرأة عنوان الحضاره
إنما المرأة، والمرء سواء في الجداره
وللسيد محمود الحبوبي قصيدة منشورة في ديوانه المطبوع عام 1948م بعنوان (يا ربة البيت) يدعو فيها إلي تهذيب المرأة وتسليحها بالعلم والخُلُق الرصين، ويعلن فيها أن الشعب الذي لا يهتم بتعليم المرأة يُضيِّع نصف شعبه - المتمثل بنسائه - سُديً، مطلعها :
سلي لِداتَك حول (النيل) أو (بَرَدَي)
هل زِدْنَ بالعلم إلاَّ عفةً وهدي
إلي أن يقول فيها :
فيا فتاة العـراق استقبلي زمنـاً
قـد جَــدَّ مَـن فيه للغايات واجتهدا
لـم يُغـنِ آنسةً حِـلْيٌ تُزانُ بـه
إنْ فاتها العلم فـي نادٍ قـــد احتشدا
ولعل أهم وأروع ما قيل من الشعر حول الدعوة إلي تعليم المرأة ثلاث قصائد خالدة أحدثت ضجةً كبيرة وصديً بالغاً بالمجتمع العراقي عامة، وبالمجتمع النجفي خاصة، وذلك في العقد الثالث من القرن العشرين، واثنتان من تلك القصائد الثلاث هما لشاعر العرب الأكبر (محمد مهدي الجواهري)، وثالثتهما قصيدة الشاعر المُجَدِّد المبدع الشيخ صالح الجعفري، ومن باب الاتفاق العجيب أنَّ الشاعرين اللذين أحدثا تلك الضجة في المجتمع النجفي المحافظ كانا ينتميان - كلاهما - إلي أسرة دينية عريقة ذات مركز ديني وأدبي واجتماعي خطير.
ومن أجل فهم واستيعاب أهمية تلك القصائد وخطورتها ينبغي لنا شرح ظروفها العامة ورسم إطارها الذي نظمت فيه، فقد كان الشباب المُتجدِّد المتنور في النجف يطالب الحكومة في تلك الآونة بفتح مدرسة للبنات، وما كان من الحكومة إلاَّ الاستجابة لذلك الطلب، وقررت فتح مدرسة للبنات في النجف، وما أنْ وصلت مديرة تلك المدرسة للنجف حتي اصطدم الأمر بمعارضة بعض العلماء والمحافظين من أبناء تلك المدينة المقدسة التي تحكمها ظروفها الخاصة بها، لِمَا يحيط بها من مهابة وجلالة لكونها مركزاً إسلامياً عريقاً تنتظم في مدارسه ومساجده أكبر حوزة علمية لدراسة الفقه الإسلامي، مضافاً إلي ذلك ما تتشرف به المدينة من احتوائها مرقد الإمام علي بن أبي طالب (ع).
وينبغي أن أسجل هنا ما حدَّثني به بعض شيوخنا من أنَّ تلك المعارضة العنيفة كانت بسبب الحرص والحفاظ علي قدسية المدينة، وليس بدافع من الوقوف بوجه تعليم الفتيات، بدليل أنَّ المدرسة - بعد تلك الضجة التي أثيرت حولها - تم افتتاحها في مدينة (الكوفة) التي لا تبعد عن النجف إلاَّ بضعة كيلومترات، فلم يلقَ فتحُها هناك أية معارضة أو مقاومة.
والمهم في الأمر انَّه تمَّ عقد الاجتماعات الاحتجاجية ضد فتح المدرسة في النجف، وعُطِّلَتْ الأسواق والحوانيت، واحتشد جمع كبير من العلماء والشخصيات النجفية في بيت آل (الجواهري) لأنه من أعرق الأُسَر الدينية، وأبرقوا من هناك إلي الملك فيصل الأول محتجين علي فتح المدرسة، وكان شاعرنا الجواهري - آنذاك - موظفاً في دائرة التشريفات في البلاط الملكي، وحين علمَ بالهَرَج والمَرَج الذي حصل في النجف ضدَّ فتح مدرسة للبنات، ثارت ثائرته الشعرية فنظم قصيدة عصماء يطالب فيها بتعليم المرأة، وقد نشرتها جريدة (العراق) البغدادية في السابع من (أب - أغسطس) عام 1929م بعنوان : ( علي المكشوف -حول مدرسة البنات النجفية). ونحن نقتطف منها قوله :
علِّموها، فقد كفاكـم شَنارا
وكفـاها أن تحسب العلم عـارا
وكفانا مـن التقهقـر.. أنَّا
لم نعالج حتي الأمورَ الصغـارا
هذه حالنا علي حيـن كادت
أمم الغـرب تسبـق الأقــدارا
أنجب الشرق جامداً يحسب
المرأة عـاراً، وأنجبــتْ طيَّـارا
تحـكم البرلمانَ مـن أمـم الدنيـا
نسـاءٌ تُمـثِّــل الأقطـارا
ونساء العـراق تُمنَـعُ أنْ ترسم خطـاً، أو تقـرأ الأسفـارا
علِّموها وأوسعوها من التهذيب
مـا يجعـل النفـوس كبارا
إنَّكم باحتقاركــم للنساء اليوم
أوسعـتمُ الـرجـال احتقـارا
إنَّ خيراً من أن تعـــيش فتاةٌ
قبضةَ الِجهل أَنْ تموتَ انتحارا
أيُّ نفع مـن عيشـة بيـن زوجينِ
فعلـي قدر ما تزيدون مـن الضغط عليها ستُوجـــدون انفجارا
أينَ عن حرمة الأمومة -
داستها وحوشٌ - المصــلحونَ الغَياري
وازدراءٌ بالدين أنْ يُحسَبَ
الدينُ بجهــــلٍ وخزيـةٍ أمَّارا
وبعد نشر هذه القصيدة الجواهرية اشتدَّتْ الحملة علي الجواهري بالبرقيات والاحتجاجات التي كانت تُرفَع إلي البلاط الملكي من التجمعات التي تُعقد في بيت زعيم آل الجواهري في النجف إمعاناً في استنكار قصيدة الجواهري، ليرغموه علي الرجوع إلي صفوفهم، أو السكوت عن تأييد فتح المدرسة وعدم انتقاد معارضيها، ولكن شاعرنا الجواهري لم تُفلِح تلك الاحتجاجات -التي اسهم فيها، حتي الزعماءُ البارزون من أسرته- في إسكاته، بل صمدَ أمامها بكل شجاعة وثبات، ونظمَ قصيدة ثانية أعنف من سابقتها بعد أقل من ثلاثة أسابيع من نظم قصيدته الأولي، وجعل عنوان قصيدته الجديدة (ليقرأها الرجعيون) ونشرها في جريدة (الرقيب) البغدادية في 26 من شهر (آب - أغسطس) من عام (1929م)، وحسبنا أن نقتطف منها ما يسمح به المجال :
ستبقـي طـويلاً هــذه الأَزَمَـاتُ
إذا لم تُقصِّر عُمْـرَها الصَدَمـاتُ
إذا لـم ينلهـا مصلحــون بـواسلٌ
جريئون - فيمـا يَدَّعـون-كُفـاةُ
سيبقي طويلاُ يحمـل الشعب مُكرهـاً مساوئَ مَنْ قـد أبقتِ الفَتَـراتُ
قيوداُ من الإرهاق في الشرق أُحكِمَتْ - لتسخير أهلـيه- لهـا حَلَقـاتُ
ألـم ترَ أنَّ الشعـب جُـلَّ حقـوقه
هـي الـيوم للأفـراد مُمتلكــاتُ
مشتْ كـلُّ جاراتِ العراق طموحـةً
سِراعـاً، وقامت دونـه العقبـاتُ
ومـن عَجَـب أنَّ الـذين تكفَّـلوا
بإنقاذ أهـليـه هُــمُ العثــراتُ
غـداً يُمنَـعُ الفتيـان أن يتعـلـموا
كمـا الـيوم ظلمـاً تُمنَـعُ الفتياتُ
أقـول لقـوم يحمـدون أَنـاتَهــم
وما حُمِدَت في الواجبات أَنَــــاةُ
بأسرعَ من هذي الخُطَا تـُدرَكُ المني
بِطاءٌ - لَعَمـري- منكـمُ الخَطَواتُ
ومـا أدَّعـي أنَّ التهـور صالـح
متي صلحُـــتَ للناهض النزواتُ
ولكـنْ أُرَجِّي أنْ تقوم جـريئـةً
لـصدِّ أكـفِّ الهادمين بُنــــاةُ
فإنْ ينعَ أقـوام عـليَّ مقالتـي
وما هـي إلاَّ لــــوعةٌ و شَكاةُ
فقـد أيقنت نفسي، وليس بضائري
بأنيَّ فـــــي تلك العيون قَذاةُ
وما النقدُ بالمُرضي نفوساً ضعيفةً
تهـدُّ قِواها هــذه الحملاتُ
وهبنيَ مـا صَلَّتْ عـليَّ معاشرٌ
تُباعُ و تُشري منهمُ الصَلَـواتُ
فـلو كنتُ ممـن يطمعون بمـاله
لعـادت قداساً تلكمُ اللَعَنــاتُ
دعـوها لـغيري عَـلَّكم تحلبونها
ستُغنيكمُ عـن مثــليَ البَقَراتُ
ومـا هِـيَ إلاَّ جمـرةٌ تُنكرونها
ستأتيكمُ من بــعدها جَمَرات:
 وتكملةً لقصة القصائد الثلاث ننتقل الآن إلي القصيدة الثالثة التي ساهمت في إحداث تلك الضجة في مجتمع النجف المحافظ، وهي قصيدة الشاعر الشيخ صالح الجعفري التي نشرها في مجلة (العرفان) اللبنانية عام 1930م حول مدرسة البنات في النجف بعنوان هذِّبوها).. وحسبنا أن نقتطف منها مقطعين يقول فيهما :
هَذِّبوهـا فإنها بَشَـرُ
لكمـال الحيـاة تفتقــرُ
النواميـس بينكم شَـرَعٌ
فهيَ أنثي، وآخَـرٌ ذَكَـرُ
أ لـكي تستحيل حامضـةً
في زوايا البيـوت تُدَّخَرُ
كيف يعطي ثماره شجـرٌ
في الحصي والتراب مُنقبرُ
وَأَدُوها وحقَّهـا غمطوا
ربِّ رُحماكَ.. إنَّهم كفروا
أهملُوها وأيَّ مدرسة
أهملُوها.. لو أنهم شعروا
انظروا المرأة التي سلفت
كيف أعـلي مقامَهـا الإِوَلُ
عن كتاب معارك ادبية
حول تحرير المرأة



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية