العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991244
عدد الزيارات اليوم : 7497
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


إبراهيم جلال: ذاكرة وبورتريت

عدنان منشد
ما زال المسرحيون العراقيون يتذكرون التشييع المهيب لجنازة الفنان إبراهيم جلال في صيف 1991 بعد ان وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها قبل أشهر معدودات، ومازالت ذاكرة الكثير من العراقيين الذين شاهدوا هذا التشييع من خلال تلفزيون بغداد، ينتابها الكثير من الشعور بالذهول وعدم التصديق،


 اذ يظفر الموت بفنان كان له العديد من الظهور في ميادين المسرح والسينما والتلفزيون، ناهيك عن الحضور الأكاديمي المعروف في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة منذ فجر تأسيسها الاول.
ولم يكن غريباً ان يبعث رحيل مثل هذا الفنان مشاعر الرهبة والاحترام لدى الأنصار والخصوم على السواء، وهؤلاء وأولئك كثيرون، ففي حين ذرف الأنصار دموعاً حارة على فقده، طأطأ الخصوم الرؤوس له احتراماً.
ومن الصعب على المرء ان يصدق ان هذا الرجل الذي ترك هذا الأثر في نفوس العراقيين، خصوصاً الأجيال الفنية التي تتلمذت على يديه في الدرس الاكاديمي، او على خبراته الفنية في منصات المسرح وفي دوائر التلفزيون والسينما والإذاعة، لم تستغرق الفترة التي كان فيها مطلق اليد في حكم الدائرة الفنية في العراق من خلال معهد الفنون الجميلة، وكانت لديه فيه حرية حقيقية للحركة والنشاط، اكثر كثيراً من الرائد الاول للفن المسرحي “حقي الشبلي” وهي تلك الفترة الممتدة بين بعثة الأخير الفنية للمسرح في باريس، وبين عودته لاحقاً في بواكير العقد الخمسيني من القرن الماضي، فكان من تجلياتها ان يتلمذ يوسف العاني وسامي عبدالحميد وبدري حسون فريد والكثير من الفنانين الرواد بين أحضانه.
في هذه الفترة القصيرة، امتدت إنجازات إبراهيم جلال الى مختلف ميادين السياسة والمجتمع والثقافة والفن، ففضلاً عن دوره اليساري المعروف في انهاء سلطة الاحتلال البريطاني والنظام الملكي في العراق، وفي وضع حد لسيطرة الإقطاع على السياسة والاقتصاد والمجتمع، من خلال عروضه المسرحية في ذلك الوقت، فضلاً عن طروحاته الثقافية والفنية في أي محفل وطني، كان له الفضل في وضع خطة اقتصادية طموح في تأسيس فرقة مسرحية حملت عنوان “الفن الحديث” وفي تنفيذها بنجاح، وفي فتح أبواب المسرح امام الشرائح الدنيا من المجتمع، الامر الذي أدى بدوره الى فتح أبواب كانت مغلقة أمام وسائل جديدة للتعبير في الأدب والشعر ومختلف الفنون.
 وكان من تجليات ونتائج هذا السعي المحموم، انضمام الفنانين الرائدين التشكيليين فائق حسن وإسماعيل الشيخلي لهذه الفرقة.
 وقد ألهم كل ذلك الكثير من تجمعات المسرحيين في مواقع أخرى لتأسيس فرق مسرحية الى غرار فرقة إبراهيم جلال الرائدة، بادر على تأسيسها على مرور السنين، الفنانون جاسم العبودي وجعفر السعدي واسعد عبدالرزاق وسعدون العبيدي، ضمن أسماء ومواقع معروفة لقارئ المسرح العراقي اللبيب، ساهم جلال في تقديم يد العون الثقافي والفني والاقتصادي لكثير منها.
ومن المؤكد انه قد ساعدت إبراهيم جلال على تحقيق هذه الإنجازات ظروف شخصية ومحلية ودولية مواتية، فقد كان هذا الفنان سريع البديهة، طليق اللسان، بعد إنجازات رياضية حافلة في الركض والملاكمة قبل انتمائه الى معهد الفنون الجميلة، وكانت ظروف العالم فيما بين أواخر الأربعينيات ومنتصف الخمسينيات من القرن العشرين، تسمح بظهور هذا النوع من القادة والزعماء في الفن في بلاد العالم الثالث، شأنهم في ذلك شأن القادة والساسة، لظروف موضوعية وذاتية كثيرة، وبسبب احتدام الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
كان من حسن حظ المشهد الفني في العراق، ان توافرت في إبراهيم جلال الشروط اللازمة للقيام بهذا الدور، ومنها الذكاء اللازم لفهم ما يدور في العالم، والدرجة الكافية من الفن والوطنية التي تجعله يستثمر ظروف العالم لصالح وطنه، لا لصالحه الفردي، والشجاعة الكافية لاتخاذ قرارات غير مضمونه النتائج، والثقة الكافية بالنفس التي تسمح له بتحدي من هو أقوى منه.
وقد كان إبراهيم جلال مجلياً في كل ذلك، بعد ان قدم مسرحيات يوسف العاني الشهيرة في ذلك الوقت، ثم رحل الى ايطاليا لدراسة السينما في “روما” ليلتقي برواد السينما الواقعية، أمثال فيلليني وروسيني وبارسكوليني، من دون ان يجد هوى للسينما في نفسه، فقطع دراسته متوجهاً الى أمريكا لدراسة المسرح، أما الأسباب التي أدت به الى الشك في دراسة السينما، فهي ما فيه من تناقض وتشويش، وعموميات وعبث لفظي حار الجميع في ايجاد مخارج لها، وأخرى علمية وشخصية أربأ بهذا الفنان الكبير ان يقع فيها.
وكانت حصيلة هذا الفنان الرائد بعد العودة من أمريكا مسرحية “الطوفان” التي كتب نصها الأستاذ عادل كاظم، ومسرحية “البيك والسايق” ذات الملفوظ البريشتي بتعريق الشاعر صادق الصائغ، ومسرحية “أبو الطيب المتنبي” لعادل كاظم التي قدمت على هامش مهرجان المتنبي في بغداد عام 1977، ومسرحية “رحلة الصحون الطائرة” باعداد وتعريق فيصل الياسري ثم مسرحية “مقامات ابي الورد” لعادل كاظم..
وكان مسك الختام لاعمال إبراهيم جلال مسرحية “المومس الفاضلة” لجان بول سارتر.وقد يقال ان كثيراً من اعمال إبراهيم جلال قد جار عليها الزمن، فلم ينبثق منها في وقتنا الراهن الا مجرد ذكريات، او ان مرور الزمن قد أثبت عدم واقعيتها فاستحقت ما لقيته من مصير.
ولكنني شخصياً أجد في هذه الأقوال من الخفة والتهور اكثر مما فيه من الحقيقة، وهو على أي حال لا يجدي في إصدار حكم أخلاقي او جمالي على الحقبة التي عاشها إبراهيم جلال.
 فمازالت منصات المسرح التي أنشأها إبراهيم جلال قائمة تشغل العاملين وتنتج العروض، سواء ظلت مملوكة للدولة أو بيعت للأفراد.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية