العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951515
عدد الزيارات اليوم : 3857
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


بروفة مع إبراهيم جلال

عزيز عبد الصاحب
مسرحي راحل
لم يدر في خلد المخرج الكبير ابراهيم جلال ان كل تمارينه المضنية لمدة اربعة اشهر وعدة ايام لمسرحيته الموسومة (دائرة الفحم البغدادية) والتي عرقها الكاتب عادل كاظم عن مسرحية برشت(دائرة الطباشير القوقازية) ستنتهي بعرض واحد، ولليلة واحدة،


 ضجت بها قاعة المسرح القومي في كرادة مريم، بمئات المتفرجين الذين كانوا يترقبون عرض هذه المسرحية على احر من الجمر، ليس فقط لان مخرجها هو (ابراهيم جلال) بل لان ممثليها هم كوكبة جيدة ورصينة من ممثلي الفرقة القومية، وحضر الافتتاح وزير الاعلام آنذاك طارق عزيز مصطحبا بمعيته (ناصيف عواد) والذي كان يشغل عضو المكتب الثقافي حيث همس في اذن وزير الاعلام بعد انتهاء العرض بان هذه المسرحية يجب ان تتوقف عن العرض حالا لأنها كما يزعم تسيء لقضية العرب الكبرى (فلسطين) السليبة وفيها مدح ضمني لدولة اسرائيل حيث (ان الولد للام التي ربت وليس للتي ولدت) وبهذه الرؤية الشوفينية الاحادية النابعة عن طريقة فهم النظام الشمولي البعثي السائد في العراق للثقافة والفنون قيض لعرض مسرحية (دائرة الفحم البغدادية) ان تغادر احلامها في الاستمرار بالعرض لمدة اكثر من ليلتها الموعودة في 15/1/1976 وقد ركزت في اجتراح هذه اليوميات على حركية المخرج (ابراهيم جلال) ومقولاته المركزية فيما يخص طريقة تعامله مع الممثلين او مع الكتل السينوغرافية او الكومبارس.. ولإتمام الفائدة الاكاديمية في رصد هذا العرض منذ فترة التمارين وتكريسه للبحث العلمي لمن يريد ان يتعرف على تجربة ابراهيم جلال عن كثب فيما قال وما فعل..
فالتعتيم الاعلامي على هذا العرض حال دون ان يحظى بالنقد والتحليل، كما فعل النقاد العراقيون في عروض: (البيك والسايق) و (المتنبي) و (مقامات ابي الورد) و (التوأمان) و (الشيخ والغانية).. وسواها من العروض التي ابدعها المخرج الكبير ابراهيم جلال.

هذه اليوميات
لم افكر في الصياغة الادبية لهذه اليوميات بقدر اهتمامي وتتبعي للمسألة التقنية التي تجري في التمارين وخلف الكواليس، لذلك ابتعدت عن التزويق اللفظي في الاسلوب وطرحت اليوميات كما هي:
من المؤسف انني لم اواصل الكتابة كل يوم، فذلك امر يطول وانما اقتصرت على ما توفر لي تسجيله ووجدته جديرا بالتسجيل، وتوخيت كذلك السرعة والفائدة وذلك لانشغالي بتمثيل الشخصية في المسرحية المذكورة.

تاريخ الحركة:
بدأ المخرج الحركة مع الممثلين بتاريخ 14/9/1975... ويبدو ان المخرج ابراهيم جلال كان في ذلك الصباح حيويا ونشطا.. شرح كيف سيبدأ المسرحية وكيف سيمسك بالجمهور من الوهلة  الاولى فقال:
ــ “سأبدأ المسرحية باحتفال عام تتخلله الطبول والمزامير والاعلام والرقص” لكن المخرج بدأ التمرين بالمشهد الذي يلي الاحتفال، وهو مشهد هادئ.. رقيق بين كروشا (حسنة) ومثلت الشخصية الممثلة افراح عباس وبين سايمون حسن) الذي مثله الممثل عبدالجبار كاظم.
 
ما رأيكم في هذا المدخل؟:
ونحن في بداية الطريق والنصوص بالأيدي، قال المخرج للمثلة افراح عباس عند لحظة لقائها بحسن؛
ــ “انتبهي.. فمن خلال الحركة تبدأ العلاقة”
انه يؤكد بذلك اهمية الفعل، كان هذا الكلام في اول تمرين وعلينا ان نتتبع تطور الممثلة.
في الايام التالية شرح المخرج طريقته في العمل واعطى تفسيرا لبرشت... تحدث عن ذلك طويلا.. ولكن.. لا ادري لم لا ينتبه البعض من الممثلين لملاحظات المخرج وشروحه فبعضهم يقرأ جريدة و البعض الآخر (صافن)... لماذا؟
ان شروح المخرج مفيدة وتقرب الممثل للعمل.
بعد ان انهى المخرج حركة اللوحة بين (حسن وحسنة) سأل الممثلين بتواضع:
ــ “هل تفكرون بمدخل لحسنة ولقائها حسن افضل من ذلك؟”
انه يريد ان يشاركه الممثلون في ابداء آرائهم.. نعم.. فور انتهاء الضجيج من مشهد الاحتفال يبدأ هذا المشهد الرومانسي بين حسن وحسنة.
 
متى يبدأ الحفظ عند الممثل؟
حاولت الممثلة افراح عباس (حسنه) ان تلقي بعض الجمل عن ظهر قلب، لكنها تعثرت بالكلمات لعدم تمام الحفظ فقال المخرج:
ــ “لا اريد حفظا الآن.. امسكي النص وتكلمي.. ان ذلك يوحي بمراقبة الشخص الثالث”
ان المخرج يفكر كيف ستكتسب الممثلة الحالة الرشتية وهي حالة صعبة لانها حالة عقلية.
من المؤسف ان بعض الممثلين عندنا يريد ان يحفظ قبل ان يفهم وهذه الحالة خطرة لأنها تبعد الممثل عن الفهم والادراك، بل تبعده عن الاداء الحقيقي لان الدور سيكون جاهزا لديه عند الحفظ من اول وهلة فلا يفك عندئذ بالاضافة..
نعم.. يجب ان يسبق الحفظ الفهم والادراك والتقصي.
ايها الممثل فكر قبل ان تتكلم.. فكر قبل ان تحفظ.
لماذا الاقنعة؟:
قال المخرج: “كل رجال السلطة سيلبسون الاقنعة لانهم يعيشون حياة مزدوجة انهم متقلبون.. محنطون. هذا شأن السلطات البرجوازية.. نعم فلنحددهم بالاقنعة.. الحاكم وزوجته والياور والكتخدا والاقطاعيون والضباط”.
الاعادة مع مساعد المخرج ومدير المسرح: (15/9/1975):
في هذا اليوم لم يحضر المخرج، ادار العمل مدير المسرح (محمد العسل) ومساعد الاخراج (اسماعيل خليل) والاخرون. ان من الخطورة بمكان ان ينقطع المخرج ونحن في بداية التمارين.. ونحن في اول ايام العمل.
في البداية كنت لا اميل الى ادارة العمل المسرحي من قبل مساعد الاخراج ومديرالمسرح، لانه يدار بميكانيكية قاتلة بعيدا عن الطقس الفني الذي يوفره المخرج رأس الصورة المسرحية..
فالإعادة مع مديرالمسرح ومساعد الاخراج تفيد الممثل فقط في استظهار دوره وحفظه وتثبيت حركته بشكل ميكانيكي بلا روح، بعيدا عن مراقبة المخرج وترصده.
 
لنتعلم من الحيوانات 16/9/1975
في هذا اليوم بدأالمخرج كلامه في افادته من تمثيل شخصيات كليلة ودمنة، فكان يوصي طلابه دائما.. حين كان مدرسا للتمثيل في اكاديمية الفنون ــ في تقليد الحيوانات وها هو اليوم يطالب ممثليه بتقمص كل منهم هيئة حيوان من هذه الحيوانات..
ليتقمص “حسن” شخصية غزال مثلا.. كيف يمشي الغزال وكيف يتلفت؟
وليتقمص الكتخدا شخصية دب.. والاخرون ما يشاؤون من الحيوانات.
طبعا.. هذه الطريقة رائعة ولو نفذت بشكل دقيق فسوف توصلنا الى الهيئة الخارجية التي يركز عليها برشت في اغلب تجاربه مع الممثل، وكذلك سنحصل من خلالها على تباين كبير في الشخوص.
قلت للمخرج: حبذا لو تتوغل في الافادة من ذلك كأن تلغي المؤثرات الصوتية والموسيقية وتعتمد بذلك على الممثل.
اجاب: لا اريد التوغل في ذلك، لئلا أبتعد عن جوهر برشت وتستنفدنا التفاصيل.
فقلت: لم لا تتوغل في ذلك ان هذا يضعك في قلب برشت.
قال: ليت لي فرقة مسرحية، اطبق فيها هذه التجربة بكل تفاصيلها.
 
في الإعادة إفادة
في ذلك اليوم ايضا، ركز المخرج على تثبيت اداء الفعل الميكانيكي... الحركة المحسوبة المقننة، او جغرافية الحركة المسرحية.. كيف تنتقل من هنا الى هناك.. من اين تدخل ومن اين تخرج، وبعد ذلك تأتي الحياة للدور ويأتي الاسترخاء.. فالحضور في الصلاة مثلا، شرط ضروري..
ولكن حين لا يتم الحضور هل تلغى الصلاة؟ كلا طبعا.. انما حضور الفعل الميكانيكي اولا القيام والقعود والركوع والسجود ثم يأتي حضور القلب.
اذن فالتدريب مع مدير المسرح ومساعد الاخراج امرضروري ومفيد حتى لو اقتصر على اداء الفعل الميكانيكي للحركة، المهم هو التمرين. ضبط الحركة، ومقاساتها، والتمكن من خارطة الدور ومساره.. معرفة تضاريسه ومنحنياته.. وبعد ذلك يأتي الابداع وتوقد الروح.
 
لكل ممثل إيقاعه 20/9/1975
خاطب المخرج ابراهيم جلال يوما احد ممثليه قائلا:
ــ (لا تنسحب الى زميلك الممثل الاخر في الالقاء.. احذر ذلك)
من المؤسف ان بعض ممثلي المسرح عندنا ينسحب سريعا الى جو الممثل الاخر وايقاعه، بسبب عدم تركيزه وثباته علىالشخصية التي يمثلها واضاف المخرج ايضا: (حين تريد ان تقفز نهرا صغيرا.. ماذا تفعل؟ انك تفكر في المسافة.. تراقب الضفة الثانية كي لا تبتل في الماء.. تستعرض ذلك عقليا) فلماذا لا تفعل ذلك عند التمرين ايها الممثل حميد كاظم.. احسب خطواتك.. واحد.. اثنين.. ثلاثة.
افعل ذلك بشكل ميكانيكي ولا تخف..
وفي يوم عصيب آخر قال المخرج متذمرا ومخاطبا ممثليه:
ــ (اين الاكتشاف؟ حين لا يبدأ الممثل في الاكتشاف ينهي نفسه فنيا.. البارحة اعطيت ملاحظاتي فلماذا لا تنفذ؟ اذا بقينا على هذه الحال لن اخرج المسرحية لمدة سنة.. اين الدهشة؟ حين قرأت المسرحية ايها الممثل ألم تندهش بها؟ اين مواطن الاندهاش في شخصيتك، لماذا لم تفرزها عند التمثيل..
لقد تحدثت طويلا.. لن اتحدث بهذا الاسهاب مرة اخرى..
واضاف:
ــ انا أريد مساعدتكم.. تعاونكم.. لابد من ان يعشق الممثل دوره.. انا افكر في المسرحية حين اتحدث مع زوجتي.. حين اسوق سيارتي، حين اتحدث الى فتاة جميلة وحتى في التواليت.. انا محاصر في النص لأني اعشقه واحبه).
وهنا، لم ارد ان اقطع استرسال المخرج فطرحت عليه هذا السؤال:
ــ كيف يحضر ابراهيم جلال لعملية الاخراج؟ وكيف تتم عملية الخلق والابداع عنده؟
فأجاب بالحرف الواحد:
ــ انا اقرأ المسرحية.. استوعبها اولا فيولد التجاوب مع رؤيتي.. عندئذ أشخص العملية من خلال هذه الرؤى وابدأ في التطبيق.. طريقتي، انني ارسم حتى الديكور وأتخيل حركة الاشخاص ونماذجهم.. وعند اعادة القراءة لتثبيت عملية الاخراج، تبدأ عندي ظواهر الاسس للعملية.. اي عندما آتي الى التمرين، هناك ارضية في ذهني اتحرك بموجبها واحرك الممثل عليها لتكوين الجملة الفنية التي اريد ان اعبر من خلالها..
هنا يحصل عندي.. التجربة واغناء التجربة.. فأبدأ اثناء التمرين في الحذف والاضافة والابتكار من خلال تجاوب الممثل معي.. والتركيب الذي يحصل عندي من خلال تجمع الممثلين في المشهد وحركتهم لتكوين الشكل المعبر الذي يلائم المضمون. واستمر في التغيير من خلال التمارين الى يوم العرض. وبعد يوم العرض المسرحي تنتابني افكار ورؤى اخرى اكتشفها من خلال مشاهدة للعرض يوميا فأحس النواقص ومواطن الضعف فتدفعني ايحاءاتي الى ان افكر في اخراج المسرحية ثانية..
 
تأجيل
في يوم آخر ايضا، اجل المخرج العمل بأحد المشاهد لان اثاث المسرحية لم يكن جاهزا..
ان من الضروري تهيئة الاكسسوار لكافة المشاهد منذ البدء بالتمارين وضمن الخطة الاخراجية ليأخذ كل مشهد نصيبه من التدريب ويعتاد الممثل حركته فيألف ملابسه المسرحية والاثاث الذي يستعمله على المسرح.
متى يبدأ المسرح الذي تبدأ فيه الاشياء معا الضوء الديكور الملابس الاكسسوار متى؟!.
بح صوت المخرج في ذلك اليوم بصدد الاضاءة.. يا مسرحنا القومي حيث تبدأ الاشياء معا، وبمسيرة واحدة، نستطيع ان نغير ونحذف ونضيف ما نشاء.. نستطيع ان نتنفس حرية الرفض والاختيار عند عملية الابداع لاسيما وان مسرحنا القومي يمتلك كل شيء خصوصا في ادواته المادية والمعنوية.
 
عودة بعد انقطاع
انقطعت شخصيا عن متابعة اليوميات اياما طويلة، وها انذا اعود لمراقبة العمل ونحن نقترب من موعد تقديمه.. الازياء انجزت، ولكن الوانها وتصميمها لا ينتمي الى عصر معين، فالوانها فاتحة..ساطعة. تؤذي العين اذ يطغي اللون الابيض عليها،..
لقد تأخر المخرج عن الموعد الذي قطعه علىنفسه ودونه في ورقة التعاقد مع مديرية المسارح والمسرح القومي، فتجاوزت الايام مدتها وتأخر موعد الافتتاح.
يبدو ان مصمم الديكور الفنان الكبير كاظم حيدر غير متحمس لديكوره، علما بأن هذا الفنان مصمم ديكور مبدع، وهو حين يعشق عمله ينفذه بشكل رائع وعظيم، ومع هذا فقد جاء الديكور بسيطا يحمل الرؤية البرشتية في الوضوح.. ولكن من دون ابعاد..
عرفت ايضا، ان دوري في هذه المسرحية صغير لم يغط مساحة واسعة، وانا غير متحمس له. وانني لم اضف اليه شيئا يلفت النظر، فكرت به طويلا، ولكن ادائي ظل اعتياديا عابرا، فانقطعت عن مواصلة مشاهدة المسرحية بالتسلسل وبالتالي انقطعت عن كتابة اليوميات.
انني امثل شخصية الاخ (لورنتي قشنادزه) الذي تحول الى (حمد) اخ حسنه وهذه الشخصية لم تجد ايقاعها مع نفسي.. ومع هذا فقد وطنت العزم لتمثيلها وامري لله فالعمل مع المخرج ابراهيم جلال فرصة لا تعوض، والممثل يجب ان يدرب نفسه حتى على الادوار التي لا يحب.وبمناسبة الحديث عن الادوار التي لا يحبها الممثل، ان الزميل كامل القيسي هو من الممثلين المتقدمين في المسرح القومي، وله تاريخ عميق في حركة المسرح العراقي.
الا ان هذا الممثل يعترض على اغلب الادوار التي تستند اليه بحجة انه لا ينسجم معها او انه لا يحبها اوينقصها البناء الدرامي المحكم، ولكنه اخيرا يبدع في اداء الادوار التي اعترض عليها وهو في هذه المسرحية يلعب شخصية (الكتخدا) او (ارسن كازبكي).. انه توطين النفس على ما لا تحب.. فتحقق بذلك الانتصار على الدور.
 
اعتراض
اعترض معرق النص المسرحي عادل كاظم على طريقة تصرف (الراوية) الممثل سامي قفطان في التسلسل الشعري عند الالقاء باضافة    بعض    الكلمات النثرية مما اضاع ايقاع القصائد.
نعم.. من الضروري محافظة الراوية على طبيعة الالقاء الشعري عند تقديمه اللوحة..ففي حالة توظيب القصيدة للالقاء بطريقة النثر يجب الا يفرط الممثل في الايقاع الشعري (الوزن).. في هذه اللحظة وانا استمع الى اعتراض عادل كاظم صرح المخرج بمنفذ الاضاءة (عماد مهتم) اذ لا يزال متخلفا عن ملاحقة العمل.
 
أين البديل
في يوم ما لم يحضر الممثل منذر حلمي، انه مريض ومصاب بالانفلونزا.. صاح المخرج:
ــ اين البديل.. اين الممثل حسن عبد؟
ــ ولكنه يا سيدي لم يتدرب جيدا.
اجاب اسماعيل خليل مساعد المخرج، فقال المخرج بعصبية:
ــ لابد من حضور البديل ليتعلم.. لم هو هنا، اليس هو ممثل؟
طبعا لم يحضر الممثل حسن عبد فهو يفكر في فرصته ايضا.
عندها سألت المخرج: لم وضعت البديل؟
اجاب:
ــ انا وضعت الممثل حسن عبد بديلا للممثل منذر حلمي في حالات المرض او السفر او التأزم الذي يتعرض له البطل، هكذا افهم البديل.
 
التمرين الاخير
الليلة هي التي تسبق ليلة العرض.. انها الليلة الاخيرة في التمارين وفي هذا اليوم انقضت اربعة اشهر وايام من التدريب والتجريب والمعاناة. لا ادري لم لم يبدأ المخرج تمرينه من البداية حتى الختام _جنرال بروفه).. اختار مجاميع الكومبارس التي تغير الديكور، وهم مجموعة من طلبة الاكاديمية، وبدأ يتدريبها على كيفية نقل الديكور ووضعه على المسرح. وكان لسان حاله يقال:
ــ (التنسيق.. انتبهوا الى التنسيق.. تحركوا معا.. قفوا معا.. عليكم بالتنسيق الذي يشبه نظام الكون فبغيره لا يتم العمل المسرحي)
هكذا يوصي المخرج الكومبارس.. اذن لابد من تدريب كل مجموعة على حده في كيفية رفع الديكور ونصبه.. اصبح تغيير الديكور جزءا من احداث المسرحية ويتم على ايقاع الطبل الذي يحمله (الراوية).
وقال المخرج للكومبارس:
ــ (تحركوا وكأنكم ترقصون.. ليبدأ الرقص وانتم تحملون قطع الديكور وعلى ايقاع الطبل) (الانتباه هو الشرط الاساسي الذي احتاجه الان).
وتواردت على رأسي الخواطر هل الشمس منتبهة وهل تسير بوعي؟ نعم انها تسير بوعي الله منذ الازل. (انتم مثل الكواكب) هكذا يخاطب المخرج الكومبارس (اياكم والارتطام).
 
الافتتاح
الليلة سنبدأ التمثيل وسيفتح الستار.. طلب المخرج ان يجتمع بممثليه..
اجتمع الجميع لم يتخلف احد منهم قال المخرج:
ــ “ارجوكم لا تركزوا على تلك الكلمات النابية والفاحشة التي وردت في المسرحية لكي تجلبوا الضحك.. ركزوا عليها كجزء من موقف نقدي، او سخرية من واقع ينبغي تغييره ونعترض عليه.. عمقوا الجانب العقلي عند بريشت اثناء الكلام.. ختاما.. ارجو لكم حظا سعيدا.
وقبلهم واحدا واحدا، وانصرف الى القاعة ليشاهد مولوده الجديد.
ولكن ما ان بدأ التمثيل حتى بدأت بعض المزايدات في اضحاك الجمهور فالممثل (حميد دويس الجمالي) مثلا بالرغم من اضافته لكلمة “خبزها” التي لم اعثر عليها في النص المعرق.. لم يكن واعيا لتعميقها جنسيا عند الالقاء إضحاك الجمهور. وكذلك كلمة (انطيني اياه) حين يخاطب (المعنكي) عبود مشيرا الى القانون ليجلس عليه.. ولا ادري لم لم يحذف المخرج هذه الكلمات لاسيما وانها قيلت قبل العرض المسرحي على مرأى منه ومسمع، ونحن نقول للممثلين ان الاغراق في كلمات الجنس يفضح اللعبة.. ويجنح بالتمثيل الى الابتذال.. فيجب ان تأتي الاضافة متجانسة مع طبيعة المشهد وغير مبالغ بها اذ ليس اسهل من الاضحاك ايها الممثلون..
وبالرغم من نجاح المسرحية تعريقا وتمثيلا واخراجا، الا انها كانت تحتاج لمزيد من الوعي..كيف يتحقق الفن؟ وضمن اية علاقات؟!
في الفن ينبغي الرجوع الى الطفولة الواعية لان الطفولة المجردة تعني السذاجة، والفن ليس ساذجا لكن الوعي ومراقبة تطوره هو الذي يمنحنا القيمة الفنية العالية ويهبنا الجمال.
مجلة الاقلام اذار 1974



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية