العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991230
عدد الزيارات اليوم : 7483
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


إبراهيم جلال .. امتزاج تجارب الحداثة والتفاعل مع الواقع

د. فاضل خليل
الإخراج العربي إما تقليد للتجربة الغربية ، ومنذ [البخيل1847/موليير- النقاشف . أو محاولات التخلص منها باللجوء إلى التراث كواحد من الحلول في أشكاله ومضامينه . ومثلما أثار الجزائري عبدالرحمن كاكي في المغرب العربي،


أن محاولات التأصيل عند العرب تسقط دائما في [البرختي نسبة إلى الألماني بر تولد بريخت -، كذلك أثارها في المشرق العربي ، إبراهيم جلال المولع، كباقي العرب بالموسيقى والراوية التي تترك للذهن العربي أن ينطلق في الخيال الأسطوري الميثولوجي لخلق كائناته الخرافية التي يريد.
ومن خلال شخصية الراويف الأزلية في الملاحم العربية المتداخلة في العرض بين :الرواية ، والتعليق ، والتمثيل أحيانا ، كما في شخصية أبو الفتح السكندريف بطل المقامات . حين يدخل الأحداث ممثلا إضافة إلى كونه راويا ، ولأسباب الدلالة نورد مثال [المغنيف في مسرحية [ دائرة الطباشير القوقازية n بريختف يقابله [الراويف في مسرحية [مقامات أبي الورد - جلالف . ومن مدخل فالتغريب المشاكس للمألوف الثابت في التفكير العربي ، نؤكد أن في المداخل العكسية للأشياء ، تحريك للذهن وإثارة لتحفيز العقل في أن يفكر . والمشاعر لأن تتصرف بحكمة ، وهي دعوة جدلية، مثيرة للنقاش ، مثل طريق علمي يبغي الوصول إلي الحقائق المتوارثة كمتحولات مثيرة تستحق إعمال الفكر فيها . فمن عكس المضامين المألوفة في إعطاء الحق في أن الابن لمن يربيه ، وليس لوالديه : كما في مسرحية [دائرة الطباشير القوقازية-برخت المأخوذة أصلا من الموروث العربي ، لحكاية شهيرة تروي سيرة الإمام علي فرض. لم يقف هذا التأثير في عمل المخرجين بل انتقل حد التطابق شبه التام في عمل المؤلفين . حيث أطلق الكاتب الفريد فرج على مسرحية كتبها بعنوان علي جناح التبريزي وتابعه تيمنا بمسرحية لـبرخت عنوانه غ السيد بونتولا وتابعه ماتيف مثلما تماثل معها مضمونا ونوعا وأحداثا وشخصيات .قدمها إبراهيم جلال باسم [البيك والسايق بعد أن عرقها [حولها إلى اللهجة العراقية الشاعر صادق الصائغ وقد أبعدت " كل شكوك المسرحيين العرب في العراق حول إمكانية التطبيق العملي لمبادئ مسرح بريخت واصبح معياراً لكل مسارح البلاد العربية الأخرى". إن انحياز المخرجين والمؤلفين في خلق مسرح عربي نقي- وهم محقون في هذه الدعوة وغير محقين أيضا - لأن المسرح في عمومه إنساني بعيد عن مثل هذا التعصب ، ولكن لأنهم أدركوا إن عالميتهم تكمن في خصوصيتهم وفي اختلافهم عما يتميز به الآخرون كخلاص من بداياتهم البدائية المقلدة التي حاكت التجربة الغربية ، انطلقوا في البحث عما يميزهم . ومن المفاهيم العربية اكتشفوا الحالة [الاحتفالية: ومعناه أن المسرح حفل يقيمه اثنان هما المتلقي والفنان الذي يقيم الاحتفال . شرط احتوائه علي مكونات الاحتفال [الموسيقى ، والغناء ومن عشق العرب وشغفهم بالموسيقي استقبلوا الرسول الكريم محمد (ص) عندما دخل المدينة بالأهزوجة الشهيرة :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

تأثيرات متنوعة:
انطلق إبراهيم جلال هو الآخر من ولعه بالموسيقي وإيمانه بها عنصرا مهما في إيصال رسالته المسرحية الى الجمهور . ومن تصوره أن في غناها وعدم الاستسهال مع مكونات المسرح الأخري انطلاقة جديدة وتجاوز للفهم البسيط للمسرح الذي لا يتعدى غير الحفظ المتقن للنص ، والخلفية المرسومة بسذاجة نحو بناء المشهدية الرصينة المنحوتة فكرا وشكلا . إن في بحثه المخلص عن خفايا المسرح أملا في الوصول إلى قيم تمتلك ثبات الأفكار العظيمة تخلق نوعا من التوازن بين ما هو سائد وبين ما يجب أن يكون . ومن تجاربه السينمائية المبكرة فلم [القاهرة بغداد 1947 ومن ثم بطلا مطلقا لأول فلم عراقي [ عليا وعصام 1949، وفيلم [ ليلي في العراق 1949 وغيرها من ألـ 14فلما حصيلة عمله في السينما . إلى تجاربه المبكرة في المسرح ابتداء من مسرحية [شهداء الوطنية 1948 ومجمل حصيلته البالغة 30 مسرحية إخراجا عدا التمثيل في المسرح والسينما والتلفزيون . ومن تجربة سفره للدراسة في أمريكا عام 1958-1963 ، التي عاد منها بحصيلة ميزته عن غيره سواء في التدريس في معهد الفنون الجميلة ، أم في ممارسته العمل الفني . وبالتبشير بمسرح [بريختف كوافد جديد علي المسرح العراقي . مازجا بين كل التأثيرات التي خلقت أسلوبه الخاص الذي ميزه عن غيره ، فمن تأثيرات أستاذه حقي الشبلي ، الذي يقول فيه " إن التحول قد تحقق في مسارنا [ علي يدي استاذنا حقي الشبلي" ، و تأثير زميله جاسم العبودي ، أي بين الكلاسيكية و الستانسلافسكية الممزوجة بتأثيرات مسرح بريخت ، وما أخذه عن أساتذته الأمريكيين مضافا إليها مشاهداته واشتراكاته بأعمال مسرحية هناك منها [الطريق الى الهند 1963. لكنه يؤكد دائما حسب قوله " إنني لست برختيا ، ولا فاختانكوفيا ، ولا مايرخولديا ، ولا ستانسلافسكيا ، ولا حقي شبليا . إنني تتلمذت علي هؤلاء لأنهم كانوا في الحياة اسبق مني ، وتأثيراتهم موجودة ، ولكني عندما اخرج المواضيع ، أطرحها علي طريقتي الخاصة ". لقد سارت تجربة إبراهيم جلال بخطى وئيدة ومتسارعة أحيانا باتجاه التمييز دائما . لم تعرف التراجع إلا في سنواتها الأخيرة بسبب المرض والتعب والعجز الذي أصابه . فبعد أن بترت إحدى ساقيه بسبب مرض السكري - صار يلهث وراء لقمة العيش ، مما أحدث له إرباكا أثر سلبا على بعض أعماله . منها الفلم السينمائي [حمد وحمودف الذي أخرجه لحساب شركة بابل للإنتاج السينمائي والتلفزيوني والذي أثار الكثير من السخط ، والنقد السلبي حد التندر والتجريح أحيانا. إن الذي أثار المتابعين لعمل جلال فنانا مرموقا هو هذه المفاجآت التي شاهدوها والتي لم يعودهم عليها طوال مسيرته الفنية ، فمنهم من أعطاه العذر بسبب الظرف الصعب الذي يمر به ، والضائقة المالية.
لكن هناك من لم يسامحه عليها ، بل وجد فيها سقوطا لا مسوغ له شكل نقطة الضعف في مسيرته الفنية النظيفة على طول الخط . إن التراجع الذي بدأه منذ قبوله السفر ، لأغراض مادية لأن يعمل في دولة الإمارات ، وكان في قمة عطائه [كنت حاضرا وقائع وتفاصيل الدعوة التي قدمها له الراحل صقر الرشود ليكون بديلا عنه في تأسيس مسرح الشارقة. هذه الموافقة جعلته يقدم أعمالا لا ترقي لمستوى أعماله التي قدمها في العراق ، ومنها مسرحية الفخ 1979 للكاتب محفوظ عبد الرحمن التي عرضت في مهرجان دمشق المسرحي من نفس العام ، فلم تلاق النجاح المعهود في أعمال إبراهيم جلال ، بعد أن قارنوها بسابق أعماله التي شاركت في مهرجان دمشق السابقة . أعقبتها مسرحية فالتوأمان 1986 التي قدمها لحساب شركة بابل للإنتاج السينمائي والتلفزيوني ، وكان يرى فيها نوعا من المصالحة مع الجمهور الذي قاطع المسرح ، لاسباب كثيرة أهمها انشغاله بالحروب التي عاناها العراق فبررها أنصاف المسرحيين وأرباعهم على انه يطالبهم بما يخفف عن معاناتهم بالكوميديا السهلة ، التي أطلق عليها [المسرح التجاري. وفي الجانب الآخر حين وجد المسرحيون الحقيقيون أن في هذا التوجه سقوطا وأصروا على عدم الاستجابة إلى شعار [الجمهور عاوز كده . ولم يكن تبرير جلال منطقيا للدفاع عن تجربة أخفقت . وما كانت يوما الكوميديا السهلة المشبعة بالنكات اليومية البذيئة أحيانا ، طريقا لعودة الجمهور إلى المسرح الذي اصبح ثانويا في ظل الحروب 

تجربة دزدمونة:
أما عن إخفاقه في مسرحية [دزدمونة 1989 فالإجماع يقول عنها : لا لم تخفق . ولكن هناك وجهة نظر خاصة بصاحبها [المسرحي والناقد اللبناني عبيدو باشاف الذي قال عنها: " ففي دزدمونه انتقل إبراهيم جلال من هندسة علم الجماليات ومزجه بين بريخت و ستانسلافسكي إلى العمل على منصة تخضع إلى شروط الإذن . بدا ميكرفونيا "(7) . هي إذن - حسب عبيدو باشا - لم تكن بالمستوى المعتاد لجلال ، الذي كان فيها قريبا من جماليات الصوت بعيدا عن جماليات الصورة [السينوغرافياف التي تميز بها في كل أعماله بلا استثناء - وهذا لا يقلل من شأن التجربة كثيرا ، علما أنها هي الأخرى تميزت بشكل مدهش .في [دزدمونة أراء أخرى معها وتتفق على أنها تجربة رائدة واكثر إيجابية ، لنقاد بذات الأهمية ولا يقلون شأنا عن [باشاف . فهناك د .جميل نصيف ، الذي وضع لها عنوانا وحده يكفي للدلالة على أنها شكلت مرحلة جديدة في المسرح العراقي وتجربة تستحق التقدير حين يقول : " دزدمونة : إيذان بولادة مسرح عراقي حقيقي "(8) . وكلنا يعرف الدكتور جميل نصيف ،واحدا من أهم النقاد العرب ، وله آثار قيمة تأليفا وترجمة . وهو أستاذ نظريات الأدب والنقد في كلية الآداب جامعة بغداد .
أما أنها ربما لم تكن بأهمية ما تقدم من أعمال إبراهيم جلال ، في نظر البعض فتظل وجهة نظر فيها ولها ما يستحق النقاش . أما اتهام العرض كونه جامل السلطة ، فهذا يجعلنا نسأل : من هي هذه السلطة ؟ انها من وجهة نظر [الناقد باشاف هي الجهة التي قدمت المسرحية ، ويعني بها [الفرقة القومية للتمثيل ، في كونها فرقة تابعة للدولة . وكاتب النص هو ، يوسف الصائغ المدير العام للدائرة التي تنتمي إليها الفرقة الحكومية ، وهذا ما دعاه لأن يقول : " قارع الجمهور ما شاهده من ثقل النص ومن اكتشافه إن صاحب النص يوسف الصائغ جاء إلى المهرجان وجائزته في جيبه . ذلك أنه أعلن في ملخصها أن مسرحيته درامية ذات منحى بوليسي نفسي "(9) . لاسيما وان مصادر باشاف ومراجعه كانت بشرية وهم من زملائنا الفنانين الذين تركوا العراق لأسباب سياسية أو خاصة وكانوا ناقمين - وهم محقون - على بعض الناس الذين جاملوا وهادنوا علي حساب حياتهم - وهؤلاء أيضا محقون - ولكن آراءهم الساخطة علي أعمال البعض ممن هم في الداخل لاسباب موضوعية - نسبة لهم - تجانب الحقيقة بل وفي الكثير من الأحيان غير موضوعية . لاسيما وان [جلال والصائغ ، المحسوبين حتى وقت طويل علي فئة ذات المصادر التي قيمتهم عند [باشاف . فـ[الصائغف الذي كان محسوبا على حزب ما ، والخارج عنه طوعا ، اعتبره الآخرون مرتدا ، وان خروجه على الأفكار كان لاسباب نفعيه - محق هذا الرأي نوعا ما - باتجاه النظام الذي كافأه فجعل منه مديرا عاما . و [جلال - مؤسس فرقة المسرح الفني الحديث - المعروفة بنزعتها التقدمية ، وكان من أول الداعين لمسرح [ برخت ذي النزعة الماركسية ، والساعي لتثبيت أركان مسرح يدعو إلى التغيير والتحريض . من المؤكد إن أعمالا إبداعية لمثل هؤلاء ، لن تلاقي قبولا حتى لو كانت تستحقه عند من كان يعتبرهم مرتدين . ولذلك جاء الرأي في دزدمونه قريبا من الاستنكار عن موقف مبدئي منه إلى نقد فني لعرض مسرحي ناجح نصف قرن من الابداع: إن تجربة إبراهيم جلال الممتدة إلى ما يزيد على النصف قرنً استطاعت أن تبلور أسلوب عمله مع الممثل بدءا من اختياره الشخصية التي يمثلها وانتهاء بأبسط المستلزمات المكونة للعرض ، لينتهي بكامل التفاصيل المكونة له . فـ "المخرج الذي يملك طموحات أبعد من الحاضر يحتاج إلى ممثل مستعد على الفور لالتقاط رؤياه"(10) . وقد يبالغون - من وجهة نظر بلدان العالم الثالث - حين ينعتون البلدان المتقدمة ، أن لديها ممثلين متقدمين . وان واحدا من أسباب تأخر المسرح في تلك البلدان هو أن ممثلها يعتمد الحوار بعيدا عن اللغات الأخرى الأكثر إبداعا : كلغة الجسد والتعبيرات الداخلية وما يعتلج بالروح يفترض إيصاله بسهولة إلى الجمهور . بعيدا عن الممثل الاتكالي غير الجاهز ، الذي يعتمد كليا على قاعة التمرين بصحبة المخرج ، يلقنه ما يريد كالببغاء . في حين أن عليه التمرين خارج قاعة التمارين التي يجب أن يتعامل معها قاعة لاختبار ابتكاراته ، والممثل الذي لا يعتني بصوته ولا يعتني بجسده هو الممثل الذي يعتبره إبراهيم جلال خارج حدود الإبداع وعليه مغادرة المسرح .
فسعيه كمخرج نحو الممثل المتكامل ينطلق من " إن المشاهد الأصم ، والمشاهد الأعمى يستطيعان فهم المسرحية التي يخرجها إبراهيم جلال بوضوح شبه تام "(11) .
ويعود ذلك أن صحت المبالغة إلى أسلوب إبراهيم ذي التدريبات المضنية مع الممثل الذي يقاوم العناء ويتحمل أعباء تدريباته المضنية التي من الصعب أن يقاومها الممثلون الذين لا يمتلكون المواصفات التي يريدها جلال من الممثل والتي هي مدعاة لشكواه الدائمة منها بقوله : " إننا نقضي نصف وقت التدريبات في تعليم أوليات المسرح" . وهو يصر أن لا يصعد الممثل علي خشبة المسرح ليتمرن ما لم يكن مهيأ قبل الدخول إلى قاعة التمارين ، وهو السبب الذي يجعله يتدخل تدخلاً مباشراً حتي في أبسط الإيماءات لديه .
والممثل طالما يدخل ضمن رؤى المخرج فما عليه إلا أن يقتنع ، ويسعى إلي التنفيذ ، فهو يبغي من عمله مع الممثل "ضرورة تغيير العلاقات المتغيرة للإنسان التي أساسها الموقف الاقتصادي والسياسي والاجماعي الذي يسعي الإنسان لتغييره ، وهو أن يراعي في عمله مع المجموعة أن تكون متماسكة ساعية إلى الإبداع في كل واحد لا يتجزأ ، تتجه ، تتحرك ، تنفعل ، تقاوم تفعل فعلها وصولاً إلى الهدف الأعلى الذي يشكل أهمية كبيرة بل بالغة الأهمية عند إبراهيم جلال ، انه يبدأ بالمسرحية ، باستخلاص (فكرتها الأساسية) ويوجه كل الجهود باتجاهها ونادراً ما كان يخفق في الوصول إلى تلك الفكرة ... انه في عمله مع المسرحية يعد (الفكرة) هي مركز دائرة العمل التي يربطها بالمحيط أوتاراً كثيرة يبدأ بشدها وتراً بعد آخر ، لتعزف بالنهاية سمفونية العرض المسرحي المطلوبة ، إن لكل جزء من أجزاء الخشبة فعلها ومدلولاتها في أسلوب جلال فهو " يراعي في توزيع الممثلين داخل الكتل " الانتماء والموقع الاجتماعي".

تشكيل العرض المسرحي:
حيث يبدأ إزميله في نحت تشكيل العرض ، بإزالة كل ما هو زائد من الصخرة - حسب النحات [رودانف - الذي يقول : إن العمل الفني هو إزالة الزائد من صخرة العرض الصماء ليظهر الشكل المرسوم في ذهن المبدع ، نحاتا كان أو مخرجا .
ومن نحت المكان في المنظر الموحي غير المستغني عن شكل الأرض التي يظهر فوقها التصاق الإنسان محركها والسابر أغوارها والذي يجعلها تنطق بالذي يريده ، أن وضوح السماء وحجمها الأكبر من الأرض في مسرح إبراهيم جلال كما عند [ايزنشتاينف في أفلامه [الكسندر نيفسكيف أو [ المدرعة بوتمكينف . أن نسبة الأرض إلى السماء تشكلان ثلث المرئي على المسرح وفي صورة الفيلم .
ذلك كي يظل الإنسان عملاقا في الطبيعة علي الدوام مقتدرا علي الإفادة من كنوز الأرض والسماء . إن اهتمامه بالمكان ، يتبعه بالضرورة الاهتمام باللون ، ونوع المادة ، والضوء ، والظلام ، والصوت ، والسكون ، والسكوت ، والصمت ، وكل ما يشكل له العرض بواقعية سحرية تتكامل فيها الصورتان : كالإنسان و كالمكان . إن نحته للممثل هو نحته لآلة المكان ، للمحرك الأساس فيه : الممثل ، هو من لا يحق له -في نظام إبراهيم جلال- أن يتحرك أو يحرك أي ساكن حوله دون إذن منه خوف أن يخلخل الصورة المحسوبة في نظامه . هو ينحته مع المكان ليصبح جزءا منه أو قل [نحتا في الطبيعة يخلقها المخرج - وفق نظام رودان - كما أسلفنا . انه يتماثل في عمله مع الممثل من ديكتاتورية [كوردون كريجف ، الذي بعد أن يئس من وجود الممثل الدمية ، فاستبدله بالدمية marionet . ومن ثم وعبر إحساسه ، بالنظرة الجمالية الثاقبة للصورة المسرحية التي يمتلكها فطرياً- هكذا يصفه البعض - من أنه إنما يستعين بإدراكه الحسي هروبا من قصوره في التدوين الذي هو نوع من القصور الثقافي في تكوينه المنهجي . وهو رأي مبالغ فيه - ففطرية إبراهيم جلال كما يسمونها لهي أهم بكثير من ادعاءات آخرين بالثقافة الكذابة . هو يقول : " عندما أقرأ نصّاً مسرحياً أبداً بسماع نغم .. وأرى صورة تعبر عن هذا النغم .. فأحاول أن أصنع الهارموني في الصورة ، الحركة ، النغم ، كل ذلك لإعادة ترتيب الواقع ، لإضاءة العقل والروح لدي المتلقي " . إذا هو يسعي إلى التكامل في العرض بقصدية ، وليس بالفطرية التي ألصقت به ، قصدية تبدأ من اختياره للنص الذي يتناوله ، وصولا إلي القضايا الأساسية التي تشغل باله من هموم شعبه .
 وهو ما يؤشره لنا من خلال دأبه وبحثه المستمر عن النصوص المحلية التي تابع تأليف بعضها ، انه يتعامل مع كل العناصر التي تعقب اختياره للنص ، يقول: " أنني في أكثر أعمالي أضع ، أو أسهم في تصميم الديكور ، ومثلها الملابس ، الإضاءة ، الموسيقي،الخ . لأنني مثلما أريد إمتلاك مضمون العمل ، أسعى إلى امتلاك شكله " . ويسعي بعد أن يتمكن من امتلاك العرض إلى إيصال أفكاره وأفكار فريق عمله إلى الناس. أن إبراهيم جلال يبالغ في المبالغة والتهويل في تجسيد أفكاره ولا يهمه من يرضي عن هذا أو من لا يرضي ، في منهجه المهم أن يرضى هو ، وحين يكون راضيا سيرضى الآخرون لأنه وهذا ثابت في المناهج الإخراجية فأن المخرج هو عين القاعة أي عين الجمهور . انه بالمبالغة إنما يبقي المسافة بين الواقع والتعبير عنه ، يبقى الاحترام للواقع والاحترام للواقع المصنوع في المسرح والتي يحاكيها (أرسطياً) . عبر مزيجه الراقي بين نظامي (تغريب بريخت) ، و(إيهام ستانسلافسكي ) ، ولكن بأسلوب إبراهيم جلال البعيد عنهما مفترقين .
وهذا سعيه إلى امتلاك أسلوبه الخاص الذي تميز به حتى أن من يرى مسرحية دون أن يعرف من هو مخرجها يدرك من أسلوبها أنها لإبراهيم جلال وليست لغيره . فمسرحه هو فن أدراك الواقع والتعبير عنه . وبالرغم من معادلة المزج بين (أرسطو - ستانسلافسكي - بريخت) في أسلوبه إلا انه ينطلق من خصوصيته التي تستخلص من النص ونوع المسرحية نوع الخطاب الذي يتوجه به إلى الجمهور . ففي مسرحية (الطوفان) ومسرحية فالبيك والسائقف كان (ملحميا) وفي مسرحية فوانيس قدم (الواقعية الرمزية في مسرحية فالملحمة الشعبية اعتمد أسلوب (ألاحتفالية) وهكذا يكون لكل عرض عنده شكله الخاص وتقنياته المتفقة مع نوع النص والحاجة الاجتماعية إليه . ومن هنا يمكننا أن نطلق عليه ، أنه مدرسة الإخراج في المسرح العراقي المعاصر.

***
انطلق إبراهيم من مجموعة من الحقائق في تعزيز تجربته وفرادتها في المسرح لتلمسه أخطاء التجربة العربية القريبة من الاستسهال الذي لايتعدى الحفظ المتقن للنص والخلفية المرسومة بسذاجة الى غير ذلك بعيدا عن الرصانة لما يجب أن يكون عليه المشهد المسرحي الذي يجب ان يكون منحوتا فكرا وشكلا.من بحثه المخلص هذا، في خفايا تلك الأشكال والأفكار بحثا عن القيم التي لا تقبل الجدل وفي الفترة المبكرة من عمره وعمر المسرح في العراق، استطاع أن يخلق نوعا من التوازن بين ما هو سائد وبين ما يجب ان يكون عليه المسرح. هكذا كانت بدايته مع الفن عموما. فمن تجاربه السينمائية المبكرة فيلم القاهرة ــ بغداد 1947 ومن ثم بطلا لأول فيلم عراقي عليا وعصام وفيلم ليلي في العراق 1949 وغيرها من ألـ 14 فيلما حصيلة عمله في السينما. ومن تجاربه المبكرة في المسرح ابتداء من مسرحية شهداء الوطنية 1948 ومجمل حصيلته البالغة 32 مسرحية. إلى سفره لدراسته في أمريكا، التي عاد منها بحصيلة مهمة من الأفكار، منها انه عرف بتجربة بريخت في المسرح العراقي مازجا ــ بسبب تأثره بأستاذه حقي الشبلي وزميله جاسم العبودي ــ بين الكلاسيكية وستانسلافسكي ممزوجة بتأثيرات مسرح بريخت كما أسلفنا. ان تجربته سارت بخطى متسارعة لم تعرف التراجع إلا في سنواتها الأخيرة بسبب المرض والتعب والعجز حين بترت إحدى ساقيه ــ بسبب مرض السكري ــ مما جعله يلهث وراء الكسب من اجل العيش.هذا التصدع الذي شهدته حياته أثر سلبا على أعماله الأخيرة ــ واحد منها سينمائي هو حمد وحمود الذي أخرجه والذي أثار الكثير من النقد سلبا عليه مثلما أثار دهشة المهتمين بتجربته مخرجا مسرحيا، فمنهم من سامحه عليها بسبب ظرفه القاسي، ومنهم من لم يسامحه لأنها شكلت نقطة الضعف في مسيرته. هذا التراجع الذي بدأ في حمد وحمود 1986 . ومنهم من يرى إن هذا التراجع بدأ من قراره السفر للعمل في الخليج ــ حضرت تفاصيل الدعوة التي قدمها له الراحل صقر الرشود ليكون بديلا عنه في مسرح الشارقة ــ وكان ذلك. فقدم أعمالا لا ترقي لمستوى أعماله في العراق، ومنها مسرحية الفخ 1979 للكاتب محفوظ عبد الرحمن التي عرضت في مهرجان دمشق المسرحي من نفس العام من قبل فرقة الإمارات العربية المتحدة، والتي لم تلاق النجاح، حيث بدأوا بمقارنتها بأعماله السابقة ومنها الذي شارك في دورات سابقة من مهرجانات دمشق. أما في العراق فبدأ العد التنازلي مع مسرحية التوأمان لحساب شركة بابل للإنتاج الفني والتي كان يطمح من وراء تقديمها، الكسب المادي أولا. وربما تكون طريقا للمصالحة مع الجمهور الذي قاطع المسرح ــ هذا جوابه حين يدافع عنها كتجربة أخفقت ــ إن اعتقاد جلال بأن الكوميديا السهلة المشبعة بالنكات اليومية قد يكون بإمكانها أن تعيد الجمهور إلى سابق عهده مع المسرح متابعا ومساهما ذكيا كما كان عليه في سبعينات القرن العشرين. وثاني إخفاقه ــ وهي وجهة نظر خاصة بالبعض فلم يتفق على إخفاقها الآخرون ــ هي مسرحية دزدمونه 1989 التي يقول عنها الناقد عبيدو باشا: " ففي دزدمونه انتقل إبراهيم جلال من هندسة علم الجماليات ومزجه بين بريخت وستانسلافسكي إلي العمل علي منصة تخضع إلي شروط الإذن. بدأ ميكرفونيا حين رفضت عساكر المخيلة عن مساحله في اضمحلال مداها لديه "(1). هي إذن حسب عبيدو باشا كانت دون مستوى جلال الذي كان فيها قريبا من جماليات الصوت بعيدا عن جماليات السينوغرافيا ــ وهي وجهة نظر لا تقلل من تجربة جلال كثيرا. ربما تكون دون مستوي ما تقدم من أعمال إبراهيم جلال، لكنها ليست أهمهما فهم من وجهة نظر الناقد كان قد جامل من خلالها السلطة ــ والسلطة من وجهة نظره التي ثبتها في موضوعه (2) هي جهة تقديمها الفرقة الرسمية العراقية وكاتبها يوسف الصائغ مدير عام الفرقة، وهو ما دعاه إلى القول " قارع الجمهور ما شاهده من ثقل النص ومن اكتشافه إن صاحب النص يوسف الصائغ جاء إلي المهرجان وجائزته في جيبه. ذلك أنه أعلن في ملخصها أن مسرحيته درامية ذات منحى بوليسي نفسي ". جيدة من العلوم المسرحية ومن أول الداعين بمسرح برخت وكأنه بذلك أراد أن يثبت انه الآخر ــ أسوة بالعبودي الداعية الأول بستانسلافسكي ــ يدعو إلي ما هو جديد برتولد بريخت ودعوته إلي المسرح الملحمي و التغريب متوجا دعوته تلك بمجموعة من الأعمال يقف على رأسها البيك والسايق المعرقة عن السيد بونتيلا وتابعه ماتي . إن تجربة إبراهيم جلال التي امتدت إلى ما يقرب الخمسين عاماً استطاعت هذه المسيرة أن تنضج من أسلوبه في العمل مع الممثل أولاً ومن ثم وعبر الحس الذي يمتلكه في النظرة الجمالية الثاقبة للصورة المسرحية التي يمتلكها فطرياً ــ هكذا وصفه البعض من متابعيه الذين اعتبروا قصوره في التدوين النظري لتجربته قصور ثقافي في تكوينه المنهجي وهو رأي مبالغ فيه ــ أو من خلال مخزونه الفكري والثقافي وما خلقه من تكوينات جمالية على المسرح.هو ينطلق من ضرورة الإنسجام بين المخرج وفريق العمل، هذا الانسجام الذي هو أساس لكل إبداع واعتبر أي اختلاف في وجهات النظر بين المخرج وفريقه سببا في نقص الإبداع في أية تجربة ــ وهو رأي يتفق معه الكثيرون فيه ــ وواحد من أهم أسباب في إنجاح أهم التجارب وفي تحقيق الهدف الذي من أجله تتضافر الجهود. الإخراجية الطويلة أولا والتي هي حصيلة من تأثرا ته فيما شاهده من أعمال مسرحية عراقية اكتشف ما ينقصها في حينه وسعى لأن يتلافى تلك النواقص. وكذلك من عمله مع حقي الشبلي وانقلابه على نوع العمل الذي كان الشبلي يمارسه لاعتقاد جلال أن عمله في المسرح خال من اللمسات الحديثة المعاصرة ــ وهذا النزوع جعل من إبراهيم جلال يخضرم زمنيا مع أجيال تتابعت وكان فيها موقع جلال فيه في المقدمة لا يزاحمه أحد فيه -. كذلك ما شاهده من الأعمال التي قدمها جاسم العبودي الذي سبقه في الرجوع من الدراسة والرجوع منها ليكون مؤثرا في الوسط المسرحي بما حمله من أفكار ــ وكان يحسب للعبودي انه أول من نادى بنظام ستانسلافسكي الذي لم يكن وقتها معروفا في العراق. هذه التأثيرات المحلية مضافا لها ما قام به من أعمال سينمائية رائدة في العراق ومصر من خلال التعاون المشترك فيما بين البلدين وما حقق له ذلك من إفادة في مجال التمثيل في الأقل. يضاف إليها مرونته الجسدية كونه كان من الرياضيين المهمين في العراق له بطولاته التي أبرزها الملاكمة. هذا إلى جانب دراسته وتأثيراتها الايجابيةعليه عندما كان طالبا في أمريكا. أما عن تكوين الصورة لديه فتتولد نتيجة التأمل... والحوافز التي يثيرها بالتجارب المخزونة كما أسلفنا فيتولد لديه الإيقاع الصوري المسند بالإيقاع الصوتي، حواراً، شعراً، موسيقى، غناء، رقصاً... يقول إبراهيم جلال: " عندما أقرأ نصّاً مسرحياً أبداً بسماع نغم... وأرى صورة تعبر عن هذا النغم... فأحاول أن أصنع الهارموني في الصورة، الحركة، النغم، كل ذلك لإعادة ترتيب الواقع، لإضاءة العقل والروح لدى المتلقي "(4) إذن هو يسعي إلى التكامل في العرض مع تناول القضايا الأساسية للشعب، الحال الذي جعلهُ يتجه في بحثه المستمر عن النصوص المحلية التي تابع تأليف البعض من نصوصها بإبداء الرأي والنصيحة والملاحظة، فهو يرى إن في النص المحلي شيئاً ما يمكنه أن ينمو ويتطور، ويتوازى بالأهمية مع النص العالمي في المحصلة النهائية تأليف العرض المسرحي. لقد أكد جلال أكثر من مرة إن ثقته بالمؤلف المحلي ثقة كبيرة لكن النقص، أو قلة الوعي المسرحي العالمي، وإدراك المفاهيم الإخراجية وأسسها لديه تدعوه كمخرج لأن يساهم في كتابة النص الأدبي ويضفي عليه الشكل. وكما يفعل مع النص... كان يفعل مع بقية العناصر الأخرى هو يقول: " انني في أكثر أعمالي أضع ــ أو أساهم في تصميم الديكور ــ ومثلها الملابس، الإضاءة، الموسيقى... الخ، لأنني مثلما أريد إمتلاك مضمون العمل، أسعى إلى إمتلاك شكله "(5). وعن تعامله مع الممثل لم يكن ليعطيه الحرية المطلقة في الحرية المطلقة في الحركة بل كان يقيده في أكثر الأحيان، أنه يبرر ذلك كون الممثل المحلي لا يمتلك موهبة(الأداء التمثيلي) وإنما أكثر ما يعتمد عليه هو الإلقاء المبالغ فيه مع توظيف الحركات الإيمائية ذات المعاني الخاصة في الدور المسرحي، أما عن المهمة التركيبية للتمثيل والعرض فلا يمتلكها غير المخرج، وهو المسؤول الأول عن الصورة النهائية التي تحسن التكوين العام للمسرحية إضافة إلى التمرين وهو غير متهيئ وبالتالي عليه أن يلقن الممثل كل شيء لأن "المخرج الذي يملك طموحات أبعد من الحاضر يحتاج إلى ممثل مستعد علي الفور لالتقاء رؤياه"(6)، يعتقد المخرج إبراهيم جلال إن واحد من أسباب تأخر المسرح العربي هو الممثل الذي يعتمد الحوار بعيداً عن التعبيرات النفسية الخالية من الفعل الفيزيقي (العضلي) ــ إن الممثل الجيد بالنسبة إليه هو المتمكن من جسده ــ كلغة تعبير هائلة عنده فالممثل لا يسعى إلى تطوير جسده كما لا يسعي إلي تطوير إلقائه أيضاً.

هوامش:
1ــ عبيدو باشا: ممالك من خشب ــ المسرح العربي على مشارف الألف الثالث، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الاولي، كانون الثاني/يناير1999، ص430.
2ــ الفصل السابع: المسرح في العراق ــ الانقلاب الدراماتيكي عبيدو باشا ــ ممالك من خشب .
3ــ عبيدو باشا: مصدر سابق،
 ص 430.
4ــ إبراهيم جلال: المسرح بلاغة الحياة، جريدة الجمهورية، العدد4845، بغداد 1982، ص6 .
5ــ عامر بدر حسون: رحلة الصحون الطائرة، جريدة الفكر الجديد، بغداد 15/10/1982، الصفحة الأخيرة.
6ــ نفس المصدر السابق: الصفحة الأخيرة



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية