العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951391
عدد الزيارات اليوم : 3733
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


إبراهيم جلال ..المجدد الحقيقي

لطيف حسن
اذا اردنا ان نعرف شيئا عن التجديد في المسرح العراقي ، سنجد ان المسرح العراقي كله منذ وفادته اليه بدءا من تاريخ غير محسوم تماما بدقة من القرن التاسع عشر ، وحتى الوقت الحاضر ، هو سلسلة غير منقطعة من التحول والتغير والتجريب ،


 وابو التجديد (بمفهوم قدم جديدا لما هو غير مؤسس قبلا) هو حقي الشبلي مؤسس قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة و الذي يعود اليه الفضل في تربية اجيال متعاقبة من بعده من الرواد الاكاديميين ووضع الاسس العلمية للمسرح في العراق .
الا ان المجدد الحقيقي في المسرح العراقي هو ابراهيم جلال ( 4 192 - 1991 ) الذي صحح من وضع المسرح العراقي ، واوقفه على قدميه كما يقولون بعد ان كان مقلوبا على رأسه ويديه، هو اول ثورة فنية ومنهجية على جوهر ودور المسرح النخبوي عند استاذه الشبلي ، وانزل المسرح المحلق من برجه السماوي ، الى ارض الواقع ومجتمعات القاع المسحوقة..
ولد ابراهيم جلال في الأعظمية عام 1924 ابن المحمود جلال المحامي ، احد اعيان بغداد ومن موظفيها الكبار ، تقلد العديد من المناصب الحكومية الهامه، وتنقل بين مختلف ألوية العراق
(مدن العراق) واستقر في فترة دراسة ابراهيم جلال للمرحلة الابتدائية، متصرفا للواء الحلة  .
برز ابراهيم جلال في المدرسة بتفوقة على اقرانه في درس المحادثة والخطابة، واجاد تقليد اصوات الحيوانات والطيور ، كان والده اكبر المعجبين بمواهبه المبكره ، شجعه على المواصله بحماس ، مع معلميه في المدرسة ، الذين كانوا يبرزونه في مناسبات واحتفالات المدرسة ويختارونه لإلقاء الخطب والكلمات واستعراض قدراته في تقليد اصوات الطيور والحيوانات.
في عام 1930 تعرف بشكل مباشر على المسرح عند زيارة فرقة حقي الشبلي مدينة الحلة، وعرضت فيها مسرحية (مجنون ليلى) لأحمد شوقي .
استأجرت الفرقة احد مقاهي المدينة ، وبنت فيه مسرحا مؤقتا من الحصران والبردي كعادة ماتعمله الفرق المسرحية الزائرة في ذلك الزمان الذي لم تكن دور المسارح والسينما مبنية ومتوفرة بعد في مدن العراق ، عدا بغداد والموصل والبصرة .
ويذكر ابراهيم جلال عن هذا العرض الذي شاهده وساهم فيه فيما بعد، ان منادي المدينه الشهير ( عباس حلاوي) قد استخدم في الترويج والاعلان لهذه المسرحية ، ودار هذا الاخير في شوارع الحله على عربة ( ربل ) مع فرقة موسيقية شعبية تستخدم في الافراح الشعبية ، واناس في ملابس ملونه غريبه يقومون بحركات بهلوانية ضاحكة ويهرجون ويهزجون على اصوات الطبول والموسيقى والغناء،
دعي والده بصفته من اعيان المدينة لحضور افتتاح المسرحية ، ورافق ابراهيم والده في حضور هذه الحفلة العجائبيه التي ربطته الى النهاية بفلك المسرح فيما بعد ، وبدفع من والده اشترك في العروض اللاحقة للمسرحية ضمن الاطفال الذين يضربون مجنون ليلى بالحجارة، ويلاحقونه وهم يرددون:- ((قيس كشفت العذارى وانتهكت الحرمات )).
ويصف تقاليد ذاك الزمان في العرض المسرحي، فيقول ان عفيفة اسكندر رافقت الفرقة و قد قدمت بعض اغانيها الخفيفة في فواصل المسرحية ، واستخدم راقصة كانت تقدم وصلاتها في باب المقهى لجلب الزبائن ، والقى حقي الشبلي ايضا في هذه الحفلات بعض المنولوجات التي تحمل مضامين تاريخيه وذلك في فترات الاستراحة .
ويذكر عن الجمهور الذي حضر الحفلات انها كانت للرجال فقط ، وخصصت حفلة من حفلات الفرقة لحضور النساء .
في فترة المراهقة وماتلاها من مرحلة الشباب والتوهج ، انشغل كما هي العادة الشائعة عند معظم الشباب انذاك، بممارسة الرياضة والعاب الساحة والميدان بمختلف انواعها ، طفر عريض ، ورمي القرص ، والركض ، والقفز ، والملاكمة، وحقق ارقاما قياسية فيها ، وحصل على بطولة في الملاكمة على مستوى العراق، وكانت الفعاليات الرياضيه التي يشترك فيها تقام في حفلات تقيمها جمعيات ونواد وطنية وخيرية ترسل ريعها لنصرة فلسطين .
في عام 1939 عندما كان طالبا في السنة الاخيرة من الثانوية ، اشترك في مسرحية ( فتح الاندلس ) بدور العاشق، وقد مثل امامه دور المعشوقة كما يذكر ابراهيم جلال ، طالب آخر في صفة ، كما كان شائعا بسبب التحريم الاجتماعي الصارم آنذاك على صعود المرأة لخشبة المسرح ، لاسيما في المدارس .
المسرحيه كانت من اخراج حقي الشيلي الذي عين اولا بعد عودته من باريس ، كمرب ومشرف على نشاط المسرح المدرسي، قبل ان يؤسس قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة . .
دخل قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة عام 1940 في اول دورة افتتحت لها، بدفع وتشجيع من حقي الشبلي الذي اشركه معه منذ ان كان طفلا في مسرحية (قيس وليلى) وبعدها بفعاليات مسرحيه مدرسية عديدة قام باخراجها الشبلي، وتلمس فيه منذ ذلك الوقت المبكر المواهب والقدرات والميزات التي خلقت الفنان ابراهيم جلال لاحقا .
وفي المعهد ادى تقريبا كل الادوار الرئيسيه للمسرحيات التي اخرجها حقي الشبلي، التي كانت تتطلب من الممثل الاول في المسرحي في مقياس ذالك الزمان، الحضور المسرحي والوسامة والرشاقة والجسم الرياضي المكتمل .،.
قبل افتتاح قاعة مسرح الملك غازي في بداية الاربعينيات ، والتي سميت لاحقا بقاعة الملك فيصل الثاني ثم استقرت في العهد الجمهوري باسم قاعة الشعب التي تقع في منطقة باب المعظم من بغداد، بجوار وزارة الدفاع ، وكان طلاب المعهد في بداية تأسيس القسم يقدمون عروضهم في (صالون المعهد) مستخدمين (هول البيت) المستأجر كاداره لمعهد الفنون وفي نفس الوقت يحوي صفا مخصصا لتدريس الطلاب. وكان قد شهد هذا الصالون الاعمال التي شارك فيها ابراهيم جلال كطالب ، حتى تاريخ افتتاح قاعة الملك غازي في اوائل الاربعينات بمسرحية (شهداء الوطنيه) من اعداد واخراج حقي الشبلي، وبطولة ابراهيم جلال، تلتها عروض المعهد مثل (مصرع كليوباترا) لشوقي و(المثري النبيل) لمولير شارك فيها جميعا بالادوار الرئيسية، حتى سنة تخرجه من المعهد عام 1944 ..
كان من ابرز طلاب الدورة الاولى معه جعفر السعدي وعبدالقادر ولي وعبد الجبار ولي وكريم هادي الحميد، وخليل شوقي، ويحيى فائق ، وعبدالله العزاوي وآخرون ، وكان معظمهم يقودون فرقا مسرحيه او يعملون فيها ، ويشكلون بمجموعهم خيرة فناني المسرح العراقي آنذاك ، الزمالة واللقاء اليومي في المعهد قوت فيما بينهم اواصر الصداقة والتعاون وانخلق نوع من التناغم الفكري والعاطفي الذي كان متجاوبا بشكل عام مع الشارع السياسي واحداثة الساخنة في الاربعينات .
اسس كريم هادي المحامي وعبد القادر ولي وجعفر السعدي، ومعهم ابراهيم جلال وخليل شوقي وباقي خريجي الدورة الاولى ، فرقة جديدة تختلف في توجهاتها عن توجهات مسرح حقي الشبلي النخبوي، (الفرقة الشعبية للثمثيل) 1947 ، مثل بطولة مسرحيتها الاولى (شهداء الوطنية) واخرجها ايضا ابراهيم جلال بمشاركة عبدالجبار ولي .
شكلت عروض الفرقة اللاحقة اول خروج لطليعة الرعيل الاول من الطلاب عن النهج الفني لاستاذهم ، ولم يكن هذا الخروج بمعزل عما كان يصل العراق ، من مصر بشكل خاص من ترجمات للمسرحيات العالمية وبعض الدراسات عن المسرح المنشورة هنا وهناك في المجلات العربية التي كانت تصل اليهم كمجلة الهلال وسلسلة ومجلة (كتابي) التي دأبت على نشر ملخصات للمسرحيات العالمية الكلاسيكية ، والرسالة والاديب والكواكب وغيرها التي وسعت من افاق ثقافتهم المسرحية والفنيه، التى تأسست في البداية على ماكان يقدمه لهم حقي الشبلي من ملازم المحاضرات المترجمة عن الفرنسية التي كان يعدها و يلقيها عليهم ، اضافة لترجمات حقي عن المسرح الفرنسي الخاصه لطلابه في المعهد .
تعرف في عام 1950 بيوسف العاني كطالب متميز في معهد الفنون الجميله ، وكان يوسف العاني يقود جماعة (جبر الخواطر)، فنشأت بينهما من يومها علاقة صداقة وتعاون حميمين اثمرا عن تأسيس (فرقة المسرح الحديث) 1952 التي كان لها دورها المميز لاحقا في الانفتاح على كل التيارات والتجارب المسرحيه العالمية المعاصرة والحديثة التي جائتنا وترسيخها .
سافر عام 1952بعد تأسيس الفرقة مباشرة الى ايطاليا في بعثه لدراسة السينما في (معهد السينما التجريبي الحكومي) بعد ان انجز بطولة ثلاثة افلام في العراق خلال الفتره 1946-1948 هي (قاهره وبغداد) و( ليلى في العراق) و(عليا وعصام) .
وكانت شروط القبول في هذا المعهد صعبة اذ كانوا لايقبلون فيه الا طالبين في السنة الدراسية من مجموع الاجانب المتقدمين للدراسة وبعد تصفية دقيقة اثناء تقديم امتحان القبول، وقد اجتازابراهيم جلال الامتحان بنجاح ، وكان من اساتذته في المعهد المخرجان المشهوران روسليني ، وديسيكا. وحضرأثناء تواجده هناك ، اول مؤتمر عالمي لحركة الواقعية الجديدة ، واستمر المؤتمر لمدة شهر ناقش فيها طروحات الانكليز باعتبار الفيلم التسجيلي هو اساس الواقعية الجديدة التي يجب اعتمادها بالضد من الطرح الايطالي للواقعية في السينما التي ترى ان الكامرة يجب ان تترك الاستوديوهات وبهرجتها المزيفة والتي هي اصلا كانت مدمرة في ايطاليا اثناء الحرب وتخرج الى الشارع والبيوت العاديه وتصورها كما هي عليه بدون تدخل كبير ، وبما هو ممكن من ادوات ، وقد انتصرت طروحات الواقعيه الجديده للايطالين في هذا المؤتمر على طروحات السينما التسجيلية الانكليزية ، واخرج ابراهيم جلال في المعهد المذكور فيلما وثائقيا قصيرا على اساس سيناريو مسرحية العاني ( تؤمر بك ) باسم (الباب). قطع الدراسه في عام 1954 وعاد الى العراق ليعمل في فرقته لقناعته بان ماكان يقدمه المعهد من معلومات يكاد يعرفها ويحس بانها قد مرت عليه وليس هناك من جديد يضيفه المعهد من معلومات لم يسبق له ان اطلع عليها ، كان يشعر بانه يضيع الوقت في المعهد ، وانه قد تجاوز بكثير ماكان يدرسه في المعهد السينمائي الايطالي الا ان فهمه للواقعية الجديدة تعمق ورسخت عنده في هذه الفترة ميوله الى مذهب الطبيعة..والجدلية في الطبيعة.
في نفس الفتره عاد جاسم العبودي من الولايات المتحده الامريكيه حاملا معه طريقة ستانسلافسي والمنهج الواقعي الروسي في الاخراج كما درسها في امريكا، وحقق الاثنان منذ عام 1954 في معهد الفنون الجميلة ، دفعة مهمة في تجديد مناهج الاخراج في العراق بتعميق الطريقة العلمية في تفسير الفن وفي تحليل الشخصيات ارتباطا بتاريخها الظرفي اي المكاني والزماني . كان هذا جديدا تماما على المسرح العراقي .
في سنة 1959 عاد و سافر مجددا لاكمال دراسته التي قطعها في ايطاليا ، وهذه المرة الى الولايات المتحده الامريكية ،ودرس المسرح في هذه المرة ، وانهى دراسة الماجستير بتفوق عام 1963 وكانت اطروحته في نظرية التغريب البريشتي ، وحصل على توصية بدراسة سنة اضافية لنيل العالمية ، الا انه اهمل هذه التوصية وقفل عائدا للعراق مسرعا بعد ان حدث انقلاب شباط ، وزج معظم اعضاء الفرقة بمن فيهم سكرتيرها يوسف العاني في المعتقلات ، وفصلوا من دوائرهم ، والغيت اجازة عمل الفرقة ، وصودرت ممتلكاتها.
وكان موقفه شجاعا في اعادة لم شمل اعضاء الفرقه، من (جماعة المسرح الفني ) التي اسسها خليل شوقي للعمل في التلفزيون ، وكان جميع اعضائها من الشباب الجدد من خيرة طلاب وخريجي المعهد والاكاديميه ، واعضائها القدامى الذين انقطعوا عن العمل المسرحي ، والظهور بهم في فرقه جديده لاحقا لم يتهيب ان يعلن انها امتداد لفرقته السابقه ومواصلة لنهجها مما دفع بالعديد من الشباب من الذين كانوا يعملون في جماعة خليل شوقي الانسحاب من الفرقه، ومنهم من سجل اعتراضه على ان تكون الفرقه امتدادا لماسبقها من منطلق فكري غير منسجم لما تشكله الفرقه السابقه من رمز للمسرح والفكراليساري ، ومنهم من واصل العمل معها رغم تسجيل تحفظه ، ككريم عواد على سبيل المثال .
كان ابراهيم جلال ديناميكيا كتلة من الحركة واللاهدوء في عمله وفي مجال تنشيط فرقته ، فبعد ان اعاد تأسيس ( فرقة المسرح الفني الحديث ) بأداء التمارين على مسرحية طه سالم ( فوانيس ) 1966 فورا في الوقت الذي كان فيه محسن العزاوي يطبق في الفرقه اخراج مسرحية ( مسرحيه في القصر) لمورلنياك لمعهده في جيكوسلوفاكيا، وما ان قدمت مسرحية محسن العزاوي بنجاح حتى تلتها مباشرة في العرض مسرحية طه سالم، وفي اثناء عرض الفرقة للمسرحية الاخيرة كان ابراهيم جلال يدرب الممثلين على مسرحية عادل كاظم (عقدة حمار) الى جانب انشغال بدري حسون فريد كضيف فى الفرقة بتدريب الفرقة على مسرحية عبد الجبار ولي (مسألة شرف)، استعدادا لتلبية دعوه من وزارة الثقافة الكويتية للفرقة لتقديمهما على مسارح الكويت ، وسافرت الفرقة في نفس السنه (1966) الى الكويت وقدمت المسرحيتين بنجاح كبير .
وابراهيم جلال شخصيا يؤكد اكثر من مره في احاديثه وتصريحاته ميله الى المذهب الطبيعي وديالكتيك الطبيعة في حياته ، فهو يسجل تصوره عن فن المسرح في منهاج مسرحية ( مصرع كليوباترا)1964 (( الفن تقليد الطبيعه ومحاكاتها ، وغرضه اثارة الفكر والوجدان ، العقل والعاطفة ، أثارة العقل لتنويره ، واثارة العاطفة لتثقيفها وتشذيبها ، انت مدعو ايها المشاهد لترى وتحكم ، لتفكر وتنقد لا لتسحر وتغفو اغفاءة المنوم مغناطيسيا بسحر الايهام الواقعي الذي يعرض امامك ، .. انت دائما في المسرح ولست في حلم ..(..) وفن المسرح تقليد للطبيعة ومحاكاة للواقع وليس الطبيعة كما هي ، ولا الواقع منقولا كما هو طبقا واصلا، انما الذي يعرض امام عينيك وبصيرتك هو من صنع العقل يعالج فيها الكاتب فكرة ويفسرها المخرج بوسائل الفن المسرحي لكي يجعلك تعقل عما يحدث ، لتشارك الحقيقه الراسخة بعين مبصرة وليس بعدسة مصور))، ويؤكد على هذا المنحى في احد لقاءاته الصحفية اللاحقه فيقول ((... ان اهمية حركة الحياة وما يحيطها زادته وعيا واقعيا وادراكا للفعل وقيمته التغييرية، وان ذاكرته ومطالعاته وتراكم الخبرة الفنية كانت لها الاثر الكبير في بنائه كأنسان اقرب الى الطبيعة، الطبيعة كما يفهمها في حركتها وهارمونيتها ، فهو ضد كل من يقف امام وجه هذه الحركة بهدف التعويق وارجاع او تجاوز الزمن، ويدعو الى الانسجام مع الحياة والتلاؤم في صيرورتها ، وهو مقتنع ان كل شيء يتغير في آخر المطاف نحو الافضل ، لأنه قانون الطبيعة ، وما هو مشوه من ظواهر نصطدم بها يوميا ما هي الا عوارض طارئة سرعان ما تسحقها عجلة ديالكتيك الطبيعيه، وتصفو الامور في النهاية لصالح الانسجام والتناسق في الحياة . ومفهوم ابراهيم جلال عن التجديد ينطلق من ان المسرح العراقي ، كما هو مفترض ، انه وافد حديث ، او منقول كما هو معروف من المسرح العالمي الذي سبقنا منذ ارسطو ولم يصلنا الافي نهايات القرن التاسع عشر، وان كل ماقدمناه لحد الان فى مسرحنا العراقي او العربي يعتبر جديدا على مسرحنا المحلي الذي يعاني من ضآ لة التراكم في الخبره المسرحية، وليس تجديدا، التجديد يعني الاضافة الى تراث المسرح العالمي، وهذا ما لم يتم التوصل اليه لحد الآن، ان كل ما يطلق عليه انه تجديد ، هو في نظره تكرار لما توصل اليه العالم في مجال المسرح منذ سنين طويلة، انه محاكاة وتقليد بهذا الشكل او ذاك لموديل المسرح العالمي، ويعتقد اننا متخلفون عراقيا وعربيا عما توصل اليه المسرح في العالم بمسافة شاسعة .
فمفهوم التجديد عند ابراهيم جلال هو تجديد لشيء موجود اصلا ، وعندما لانملك شيئا اصيلا اسمه المسرح ، فكيف لنا ان نجدده ؟ يمكن ان نقول اننا نضيف الى رصيدنا خبرة ما لم يسبق ان مرت علينا من تجارب المسرح العالمي لاول مرة ، وهذا نسميه جديدا وليس تجديدا على مسرحنا المحلي ، انه تكرار من وجهة نظر المسرح العالمي.
من هذا المنطلق كان ابراهيم جلال يقف ضد كل من كان يدعي به طلابه بالتفرد والريادة في المعهد وبياناتهم من انهم مجددون ويمتلكون رؤى خاصة غير مسبوقة، ويهزأ ببياناتهم الثورية عن المسرح التي كانوا يكتبونها وهم على مقاعد المعهد الدراسية، كان يحرص على طلابه اتقان الصنعة اولا ، ان يتعلموا اصولها كما هي في المعهد والمناهج الدراسيه ويطبقوا ماتعلموه فقط، ويتركوا الحذلقة ودعوى اكتشاف الجديد ويؤجلوا اعلان افكارهم الى ما بعد الممارسة التي تأتي بعد التخرج
بدايات اسلوب ابراهيم جلال في المسرح، كانت في اول الامر تحت تأثير اسلوب استاذه حقي الشبلي، الذي سرعان ما ابتعد عنه نحو المسرح الواقعي الشعبي تحت تأثير مفاهيم الواقعية الاشتراكية، ثم تعمقت الواقعيه عنده اكثر بعد دراسته القصيرة في ايطاليا، ومنهج ستانسلافسكي والطريقة في الاخراج بعد عام 1954عند عودة جاسم العبودي من دراسته للمسرح من الولايات المتحده عام 1963 ، ثم اخذ يجرب المنهج البرشتي الملحمي في اعماله منذ عام 1963 ، بعد ان حصل على الماجستير ، وظل مخلصا ومتحمسا لهذا الاسلوب الى ان غادرنا .
ومنذ ان تولى رئاسة قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة عام 1950 من بعد استاذه حقي الشبلي، تربت على يديه قافلة طويلة من الرواد المهمين في المسرح العراقي في دورات المعهد التي توالت بعد الدورة الاولى، من امثال يوسف العاني ويعقوب الامين وشكري العقيدي وكارلو هاريتيون، وبدري حسون فريد ، ومحمد القيسي، وعادل الشيخلي، وراسم القيسي، وسامي عبد الحميد، ومجيد العزاوي، وعبد الواحد طه ، وغيرهم .
ترك ابراهيم جلال فرقته (فرقة المسرح الفني الحديث) عام 1971 بدافع التمرد الدائم في داخل ابراهيم جلال على الساكن والجامد والمألوف من الاطر ، التمرد حتى على قواعد ونظام الفرقة التي ساهم هو بصياغتها وتأسيسها ، والتي أحس بانها ماعادت تستوعب انطلاقاته المتجددة التي لاحدود لها. تحدث زميل دربه يوسف العاني في الصحف عن ابراهيم جلال واصفا اياه بانه مبدع ((لايقف عند حدود ، يكبر في كل لحظة ، لم يكن يقنع بأي عمل مسرحي تام، سواء انتهى من تقديمه هو ، او قدمه الاخرون، فتصوره للعمل لايتوقف عند افق، وحتى عندما يصل عمله الى العرض، فانه يتجاوزه في كل يوم جديد، يضيف اليه في كل مرة شيئا، ويعدل احيانا ، فليس من السهل على الممثل الذي يعمل معه ان يفهم او يستوعب كل مايريد، فهو نفسه لايعرف مايريده على وجه الدقة، لانه يريد حالة الصيرورة المتواصلة في الصورة، في اللاشعور ، ويفترض ان كل من حوله يشاركه رؤياه...))
كان ابراهيم جلال ، متنوع المواهب قدم للسينما والمسرح والتلفزيون والاذاعة، طوال أكثر من خمسين عاما من النشاط في الوسط الفني ، تمثيلا واخراجا وتدريسا في معهد الفنون والاكاديمية وفرقته المسرحية وفرقة المسرح القومي، قدم في حياته الحافلة بالنشاط حتى اخر لحظة ، المئات من الاعمال الهامة التي تشكل علامات مضيئة في المسرح العراقي،منها، (اغنية التم) لتشيكوف 1956 و( ست دراهم) ومسرحيات اخرى ليوسف العاني في اوقات مختلفة اهمها ( اني امك ياشاكر) 1958 و(عقدة حمار) لعادل كاظم 1967و(فوانيس) لطه سالم 1967 و(البيك والسايق) لبرخت 1973 و(الطوفان) لعادل كاظم 1972 و(مصرع كليوباترا) لاحمد شوقي 1964 وغيرها الكثير.
حصل على جوائز تقديرية وتكريمية عديدة، محلية وعربية هامة، وكرم اكثر من مرة، ولم يتوقف عن النشاط رغم المرض وكبر السن، وبترساقيه نتيجة استفحال مرض السكر في سنينه الاخيرة.
أخرج آخر اعماله السينمائية في 1986 (حمد وحمود) وآخر اعماله المسرحية 1991 (الشيخ والغانية)، و توفي مباشرة بعد ان انجز آخر لقطات عمل تلفزيوني من بطولته (الوداع الاخير) في آب 1991.
*مسرحي عراقي مغترب
هذه المقالة جزء من دراسة مطولة عن تاريخ المسرح العراقي ستصدر في كتاب  
     



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية