العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979536
عدد الزيارات اليوم : 8063
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


صفحة من تاريخ التعليم العالي في العراق..جامعة الحكمة

عبد الستار محمد علوش
أدركت الجمعية العلمية الأمريكية العراقية القائمة على إدارة شؤون ثانوية كلية بغداد، مدى الاحتياج لإنشاء جامعة يتلقى فيها الطلبة التعليم العالي. كما أن الآمال الطموحة نحو التفكير بمشروع للتعليم الجامعي لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت لها جذور عميقة تمتد لسنوات طويلة، إذ كان هذا الموضوع حلماً بقي يراود الكثير من القائمين على كلية بغداد منذ مدة بعيدة بعد أن ظلوا يترقبون كيف ستكون كلية بغداد ذات يوم جامعة كبيرة ومتى يصبح أساتذتها قادرين على إدارة تلك الجامعة.


 وما أن دخلت الكلية عقد الخمسينات حتى صارت مؤهلة تماماً لإدارة مؤسسة جامعية بما وصلت إليه من كوادر تدريسية وإدارية كافية لذلك. وبمرور الزمن وبعد نمو إمكانيات الكلية فان الآباء شعروا بضرورة التوسع ودخول مجال التدريس العالي، ونتيجة لذلك النمو ولاتساع نشاطها ضمن المشهد التعليمي العراقي فان الآباء اليسوعيين بدأوا يتسلمون طلبات من عوائل مسيحية ومسلمة تطالب فيها أنشاء مؤسسة للتعليم العالي. ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذه المشاريع مساندون ومعارضون. فأما المعارضون رأوا أن إقامة مثل هكذا مشروع سيؤثر في أحوال الآباء اليسوعيين في الولايات المتحدة، يعدهم المّمول الرئيسي لمهمة الآباء في العراق عن طريق استنزافهم مالياً. بينما وجد المؤيدون أن أنشاء مثل هكذا مشاريع علمية عالية سوف تعود بنفع كبير على الكنيسة العراقية ومسيحيي العراق عموماً وعلى جميع الراغبين في الدراسة فيها. من جهة أخرى كان للطلبات التي تلقاها الآباء من لدن عدد من المثقفين والأصدقاء في العراق دافع آخر نحو توسيع كلية بغداد لتشمل الدراسة العالية.
بناءً على ذلك، فقد تقدم الأب توماس هسي اليسوعي رئيس كلية بغداد إلى وزارة المعارف العراقية في السابع والعشرين من نيسان 1955 وفي عهد وزيرها خليل كنة، لغرض منح كلية بغداد الأذن رسمياً للقيام بمباشرة التعليم العالي، وأحداث دورات دراسية تستغرق أربع سنوات تشتمل على مناهج دراسية عالية في الأقسام التجارية والعلمية تنتهي هذه الدورات بمنح المتخرجين فيها درجة البكالوريوس بالتجارة والعلوم، إلى جانب ذلك طلب الكلية من الوزارة المذكورة السماح للإدارة اليسوعية بمنح الشهادات والدرجات الدراسية التي تعطى عادة في مختلف مراتب التعليم العالي.
على ذلك وافقت وزارة المعارف على طلب إدارة الكلية إليها في الخامس من نيسان سنة 1955 بخصوص منح كلية بغداد الأذن للمباشرة بالتعليم العالي، فعاود الأب توماس اليسوعي بدوره مرة أخرى تقديم طلب جديد في الثلاثين من نيسان سنة 1956 بعد مرور عام كامل على طلبه السابق لنفس الجهة، لغرض البدء رسمياً بالتعليم العالي والموافقة على تسمية مؤسسته الجديدة باسم(جامعة الحكمة) ، ففي حزيران 1956 جرى استحصال موافقة جميع  الجهات المختصة حول ذلك.ويبدو أن اختيار الآباء اليسوعيين (للحكمة) اسماً لجامعتهم الجديدة جاء تيمناً بإحدى المرافق العلمية التي كان يطلق عليها اسم (بيت الحكمة) ، وهو مركز ثقافي قديم أسس في زمن سابق بالعاصمة بغداد.
جدير بالذكر، أن مؤسسة اليسوعيين هذه تمتعت ومنذ المراحل الأولى لتأسيسها بدعم كبير من لدن بعض القيادات السياسية التي هي في مركز السلطة أمثال رئيس الوزراء نوري السعيد، إذ أبدى الأخير ترحيبه بفكرة أنشاء جامعة أهلية تحت رعاية الآباء، كما أنه سعى إلى تشجيع المسؤولين في كلية بغداد على تحقيق هذا المشروع الذي نال إعجابه كثيراً إلى درجة أنه قدّم لهم أرضاً حكومية قدر ثمنها بمليون دينار على سبيل المنحة لتقام عليها الجامعة الجديدة. ففي عام
1955-1956 تقدمت الحكومة العراقية رسمياً إلى الآباء اليسوعيين بمنحة شملت قطعة من الأرض تقدر مساحتها بـ(272) دونماً من الأراضي الأميرية لبناء الجامعة المذكورة وذلك في منطقة الزعفرانية، وهي ضاحية حديثة النشوء تقع عند الطرف الجنوبي لمدينة بغداد.
بعد الانتهاء من أعمال اللجنة المتعلقة بتسليم الجامعة إلى الحكومة العراقية تم تعيين الدكتور فاضل حسين رئيساً لها، تبعها إصدار القانون المرقم (190) في الثلاثين من كانون الأول عام 1968 الذي تضمن عدداً من النقاط التي كان من أهمها اعتبار هذه المؤسسة عراقية مقرها مدينة بغداد، ويجوز أنشاء فروع أخرى لها في أماكن أخرى من البلاد أن أراد مجلس الجامعة ذلك وبموافقة مجلس الوزراء، وجعل اللغة العربية هي لغة التدريس المعتمدة في الجامعة بدلاً من الانكليزية وعد الجامعة شخصية ذات كيان مستقل في حدود القانون يمثلها رئيسها أو من ينوب عنه.
لم يدم هذا الحال طويلاً، فسرعان ما صدر قرار جديد عمل على إلغاء جامعة الحكمة إلى الأبد وذلك في الخامس من آب عام 1969 بعد أن ألحقت جميع كلياتها بجامعة بغداد طبقاً للقرار المرقم (342) الذي تكون من مادتين رئيستين: أكدت الأولى على ضم جامعة الحكمة إلى جامعة بغداد وعد أموالها المنقولة وغير المنقولة جزءاً من أموال جامعة بغداد، فضلاً عن تحويل المنحة المقررة لجامعة الحكمة في الميزانية العامة إلى المنحة الخاصة بجامعة بغداد. أما المادة الأخرى، فقد نصت على نقل هيأة التدريس (عدا الآباء اليسوعيين) في جامعة الحكمة وطلابها إلى الكليات المختصة في جامعة بغداد، وتطبق بحقهم القوانين والتعليمات المرعية فيها. وبناءً على أحكام هذا القرار تم تأليف لجنة من قبل وزارة التربية للأشراف على استلام موجودات وممتلكات جامعة الحكمة الملغاة التي آلت أخيراً إلى جامعة بغداد.
بهذه الصورة، تم إلغاء هوية هذه الجامعة العلمية التي أسسها الآباء اليسوعيون منذ عام 1956 بعد خدمة طويلة في ميدان التعليم العالي قدمتها لجيل كبير من الشباب العراقي وصارت استناداً للقرار الأخير، جامعة حكومية يطبق على طلابها ما يطبق في شروط القبول لجامعة بغداد بعد أن يتم ترشيح طلابها المتقدمين إلى كليات اللغة الانكليزية والهندسة المدنية وإدارة الأعمال، إلى كليات الآداب والهندسة والإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد.
وفي تشرين الثاني سنة 1957 وضع الحجر الأساس للجامعة في منطقة الزعفرانية جنوب العاصمة بغداد، ولم يتم انجاز مبنى الحرم الجامعي إلا عام 1959 الذي شهد انتقال الجامعة إليه بصورة كاملة.
على أية حال، فان الدراسة في جامعة الحكمة ابتدأت فعلياً عام 1956 في حرم كلية بغداد الواقع في الصليخ وتحديداً في أحدى مباني الكلية المسمى مبنى كرونن الذي شيد منذ عام 1954 حتى وقت اكتمال بناياتها في منطقة الزعفرانية.
بعد مباشرة الجامعة بأعمالها التدريسية عام 1956 في أحدى مباني كلية بغداد وحصول الآباء على تخويل رسمي من وزارة المعارف العراقية بذلك، انتهت جميع الإجراءات المطلوبة التي أسهمت أخيراً في منح الجامعة أجازة رسمية لها، فضلاً عن استحصال موافقة الجهات المعنية بإدارتها من قبل الآباء اليسوعيين بعد تعيين الأب جوزيف آل. راين اليسوعي عميداً لها عام 1956.
تكونت التشكيلة الإدارية في سنواتها الدراسية الأولى من الأب ميخائيل جي. مكارثي رئيساً للجامعة والأب آل راين اليسوعي عميداً لها والأب بي بانكس اليسوعي معاوناً للعميد، فضلاً على الأب جي ولياس اليسوعي أميناً للصندوق ومسؤولاً عن إدارة شؤونها المالية. بهذه الصورة فان جامعة الحكمة نظمت على وفق الأسس الإدارية للجامعات الأمريكية، إذ تشكلت من ثلاثة مجالس، الأول مجلس الأمناء والثاني مجلس الإدارة ثم المجلس الأكاديمي (الهيئة التدريسية).
أن النظام الذي سارت عليه الجامعة شجع على تمكين خريجيها لاحقاً من العمل في المؤسسات الحكومية التي تحتاج إلى أفراد ذوي كفاءة عالية، والباحثة دوماً عن كوادر أشراف لائقة وكفوءة لإدارة أعمالها في مختلف المجالات من مشاريع إسكان ومدارس ومستشفيات وبناء طرق والمهن التي تتعلق بقطاع التجارة وقطاع الصناعة والزراعة فضلاً عن حقول البحث العلمي والإحصاء. كما لا يمكن إغفال رغبة عدد منهم في إكمال دراساتهم العليا للحصول على شهادة الماجستير والدكتوراه، إذ أن التعليم الأهلي في العراق وكما هو معروف لم يتوقف عند حدود الدراسات الأولية بل امتد إلى مجال الدراسات العالية أيضاً، وهو بهذا خطي خطوات إيجابية نحو الأمام وكانت له انجازات مهمة وواضحة في تأثيرها المباشر على الحياة الثقافية والعلمية في العاصمة بغداد.
الواقع أن جامعة الحكمة لم تعش في ظل النظام الملكي سوى عامين دراسيين فقط قبل أن يحصل التغيير المفاجئ في نظام الحكم بالعراق أثر الثورة التي قادها عبد الكريم قاسم في الرابع عشر من تموز 1958، إذ عملت إدارة الآباء كل ما بوسعها للتكيف مع المتغيرات الأخيرة التي فرضها الواقع على الساحة العراقية، وبقيت الجامعة تمارس نشاطها التعليمي على النهج نفسه الذي رسم لها منذ تأسيسها عام 1956.
وفي غداة الأحداث التي واكبت انقلاب الثامن من شباط عام 1963، بعد تغيير المشهد السياسي القائم في العراق والمتغيرات التي طرأت لاحقاً في بغداد فأنه لم يحصل ما يمنع الجامعة من مواصلة أعمالها، فضلاً عن أن الطريقة التي أتبعها الآباء اليسوعيون في مجاراتهم للأحداث الجديدة ومسايرتها لم تتغير أبداً. إلا أن الشيء الوحيد الذي عكر صفو هدوئها الدائم هو اصطدامها بتوجهات عدد من طلابها، السياسية المؤيدة والمعارضة للتطورات الجديدة. وكان الخلاف الذي نشب بين إدارة الآباء وبين عدد من الطلبة المنتمين إلى جهاز الحرس القومي، واحداً من التحديات التي اعترضت سياستهم التي بنيت على أساس الابتعاد دائماً عن كل ما له علاقة بالسياسة، إذ عدت إدارة الجامعة بأن الأنشطة التي يقوم بها الطلاب المنتمون لهذا الجهاز هي أنشطة معادية لنظامها القائم ويؤدي إلى الإخلال بأمن الجامعة. تطورت المشكلة بعد تفاقم الوضع مما اضطر رئيسها إلى استدعاء عدد من الطلبة المنتمين لذلك الجهاز وتم إبلاغهم رسمياً بعدم إمكانية وجدوى الجمع بين قيام الطلبة بواجباتهم السياسية من جهة وبين واجباتهم والتزاماتهم الدراسية من جهة أخرى، وطالبهم صراحة بترك الحرس القومي. هذه المشكلة تطورت إلى الحد الذي أدى إلى تدخل نقابة المعلمين في بغداد والاتحاد الوطني لطلبة العراق بالأمر والمديرية العامة للتربية نتيجة قيام أولئك الطلبة برفع كتاب استغاثة لتلك الجهات.
بقيت جامعة الحكمة مبعث اهتمام ورعاية من قبل موظفي الدولة خلال العهود السابقة، وظلت تحت إدارة الآباء اليسوعيين تمارس أعمالها على أتم وجه وتعمل على تخريج كوادر هندسية وفنية جيدة من الشباب العراقي المثقف، استطاعت هذه الفئة فيما بعد أن تشغل وظائف علمية ومهنية وإدارية عديدة في مختلف المؤسسات الحكومية التي كانت بدورها بحاجة ماسة إلى من يدير أعمالها.
أن هذا الحال لم يستمر طويلاً، فبعد قيام ثورة تموز 1968 وسيطرة حزب البعث على الحكم في البلاد، شرعت الحكومة الجديدة ولدواعي وأسباب سياسية بعيدة كل البعد عن الواقعية إلى إنهاء أعمال جامعة الحكمة التي دامت ما يقارب الاثني عشر عاماً وتحويلها إلى جامعة حكومية.
جاء قرار حكومة الثورة في الثاني عشر من أيلول سنة 1968 تحت وطأة تبريرات عديدة لا تنسجم مع ما قدمته هذه المؤسسة من نتاجات علمية متميزة ولا تتفق مع توجهات القائمين عليها.على هذا الأساس تم تشكيل لجنة خاصة بناءً على القرار وجعلها تحت أشراف الحكومة المباشر، تلخصت وظيفة هذه اللجنة على استلام الجامعة المذكورة وكافة موجوداتها من الإدارة اليسوعية التي يرجع إليها الفضل في تأسيس وإدارة هذه المؤسسة العلمية لمدة تزيد على الاثني عشر عاماً.
بعد الانتهاء من أعمال اللجنة المتعلقة بتسليم الجامعة إلى الحكومة العراقية تم تعيين الدكتور فاضل حسين رئيساً لها، ولم يدم هذا الحال طويلاً، فسرعان ما صدر قرار جديد عمل على إلغاء جامعة الحكمة إلى الأبد وذلك في الخامس من آب عام 1969 بعد أن ألحقت جميع كلياتها بجامعة بغداد طبقاً للقرار المرقم (342) الذي تكون من مادتين رئيستين: أكدت الأولى على ضم جامعة الحكمة إلى جامعة بغداد وعد أموالها المنقولة وغير المنقولة جزءاً من أموال جامعة بغداد، فضلاً عن تحويل المنحة المقررة لجامعة الحكمة في الميزانية العامة إلى المنحة الخاصة بجامعة بغداد. أما المادة الأخرى، فقد نصت على نقل هيأة التدريس (عدا الآباء اليسوعيين) في جامعة الحكمة وطلابها إلى الكليات المختصة في جامعة بغداد، وتطبق بحقهم القوانين والتعليمات المرعية فيها. وبناءً على أحكام هذا القرار تم تأليف لجنة من قبل وزارة التربية للأشراف على استلام موجودات وممتلكات جامعة الحكمة الملغاة التي آلت أخيراً إلى جامعة بغداد.
بهذه الصورة، تم إلغاء هوية هذه الجامعة العلمية التي أسسها الآباء اليسوعيون منذ عام 1956 بعد خدمة طويلة في ميدان التعليم العالي قدمتها لجيل كبير من الشباب العراقي وصارت استناداً للقرار الأخير، جامعة حكومية يطبق على طلابها ما يطبق في شروط القبول لجامعة بغداد بعد أن يتم ترشيح طلابها المتقدمين إلى كليات اللغة الانكليزية والهندسة المدنية وإدارة الأعمال، إلى كليات الآداب والهندسة والإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد.
ـ تحولت ابنية الجامعة الى الجامعة التكنولوجية في منطقة الزعفرانية .

 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية