العدد (3199) الخميس 23/10/2014 (يوسف عز الدين)       الدكتور يوسف عز الدين       الدكتور يوسف عز الدين.. من علماء الأدب ونقده       الدكتور يوسف عز الدين.. شاعراً وأديباً       شاعرية يوسف عز الدين       د. يوسف عــز الدين رحيــل مغتـــرب       التجديد في الشعر الحديث       د. يوسف عز الدين.. أوجاع شاعر       يوسف عز الدين.. مسيرة حافلة بالعطاء       المرحوم الدكتور يوسف عز الدين العلامة والأنسان    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :12
من الضيوف : 12
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 5372675
عدد الزيارات اليوم : 1065
أكثر عدد زيارات كان : 22276
في تاريخ : 15 /08 /2014
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


مرقد الإمام الحسين (ع) في كربلاء


محمد الكرباس 
 أخذت كربلاء أهميتها التاريخية منذ استشهاد الإمام الحسين في واقعة الطف بكربلاء عام 61 هـ/ 680م، حيث دفن في أرضها مع أهله وأصحابه، ولم تكن كربلاء، قبل هذا التاريخ غير ارض زراعية منبسطة مع بعض التلال والمنخفضات وقد دعيت كربلاء (الغاضرية)، كما سميت (الطف) لوقوعها على جانبي نهر العلقمي، وهو فرع من الفرات كان يسقي كربلاء قديما. وقد اندثر ومحيت آثاره، وكان نهر العلقمي يمر إلى الشمال الغربي،


من المدينة حيث ضريح العباس بن علي الذي استشهد مع أخيه الإمام الحسين قربه.
من الناحية التاريخية كانت كربلاء عبارة عن مجموعة من القرى البابلية القديمة التي اندثرت وعفا عليها الزمن ولم يبق منها سوى أطلال وتلال وقد سميت آنذاك كربل وكرب ايلا، اي حرم الله باللغة البابلية، كما سميت كوربابل باللغة العربية، وقد عفرت ارض كربلاء بـ(تلول نينوى) اما الأطلال الواقعة في الشمال الشرقي منها فكانت مقبرة بابلية قديمة، والحائر هو موضع قبر الإمام الحسين، وهو من الحير اي الحِمى، وقد سميت كربلاء والحائر أيضا لان الماء كان قد حار حول قبر الحسين على عهد المتوكل العباسي (236هـ 851م) حين أمر بهدم قبر الحسين وإغراق المكان بالماء. وقد عرفت كربلاء أيضا بـ(ام القرى) لوقوعها على شاطئ (اكوباسي) وهو الاسم القديم لمجرى نهر الفرات القديم الذي يمر فيها، وقد عثر علماء الآثار في تلك المنطقة على هياكل عظيمة قديمة داخل أوان خزفية يعود تاريخها إلى السلالات البابلية المتأخرة، كما ازدهرت قرى كربلاء ايام الكلدانيين والتنوخيين واللخميين والمناذرة يوم كانت الحيرة عاصمة ملكهم.. ويشير المؤرخون إلى أن الذين دفنوا الامام الحسين واهل بيته واصحابه كانوا من تلك القرى القريبة، وهم الذين اقاموا لقبر الحسين رسما ونصبوا له علامة ورمزا، كما يذكر أن اول من زار قبر الحسين في كربلاء هو عبيد الله بن الحر الجعفي لقرب دياره منه، وبحسب الخطيب البغدادي، فان عبيد الله الجعفي حين وقف على المكان الذي دفن فيه الحسين استعبر باكيا ورثى الإمام بقصيدة ندرج بعضا من أبياتها..
يقول امير غادر وابن غادر
 الا كيف قاتلت الشهيد ابن فاطمة
 فوا ندمي ان لا اكون نصرته
 الا كل نفس لاتسدد نادمه
 وما ندمي ان لم اكن من حماته
 لذوي حسرة ما ان تفارق لازمه
 الى ان يقول:
سقى الله ارواح الذين تآزروا
 على نصره سقيا من الغيث دائمه
 وقفت على اجداثهم ومحالهم
 فكاد الحشى ينفض والعين ساجمة
 وكان الصحابي الضرير جابر بن عبد الله الأنصاري قد زار قبر الحسين في العشرين من صفر عام 62هـ مع عدد من الأفراد وقابل في السنة نفسها الإمام علي ابن الحسين قرب القبر، وحينا وصل القبر قال: المسوني القبر، ثم بكى وترحم عليه.. وفي القرن الثاني للهجرة صرّد وبعض أتباعه من التوابين زاروا قبر الحسين وقضوا يوما وليلة بقربه. وكانت أم موسى، والدة الخليفة المهدي العباسي، من أوائل من صرف الأموال، في تاريخ مبكر، على القائمين بالعناية بالقبر. وخلال تولي أبي العباس السفاح الحكم في العراق كان المجال مفتوحا لزيارة قبر الحسين، غير أن هارون الرشيد ضيق الخناق على زوار القبر وقطع شجرة السدرة وكرب موضع القبر وهدم ما حوله من بيوت. وعندما تولى المتوكل العباسي الحكم كانت القبة قد أعيد بناؤها وكذلك بعض البيوت حولها، واخذ الزوار يتكاثرون لزيارة مشهد الحسين، مما اغضب المتوكل، فأمر بهدم القبر وما حوله من منازل، ومنع الناس من زيارته، ثم حرث أرضه وأفاض الماء عليه فحار حول القبر من كل جانب. غير أن المنتصر بن المتوكل العباسي أعاد بناء القبر عام 247هـ/ 862م، وأحسن الى اهل البيت وقربهم إليه وأجزل لهم العطاء، مما شجع بعض العلويين إلى الإقامة بالقرب من مشهد الحسين، وكان في مقدمتهم إبراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن الإمام موسى الكاظم، وهو أول علوي وطأت قدماه ارض كربلاء بعد استشهاد الحسين وأول من استوطنها مع ولده، وكان ذلك عام 247هـ/ 862م.. وقد تفقد المنتصر العباسي مشهد الامام الحسين وأمر ببناء ضريح له وظل يرعاه، وأذن للزوار بزيارته. وبعد أن تداعت عمارة المنتصر قام بتجديدها محمد بن محمد بن زيد القائم، ثم قام الداعي العلوي بتشييد قبة على القبر عام 280هـ/ 896م، كان لها بابان، ثم بنى حولها سقفين، وأحاطهما بسور. وعند قيام الدولة البويهية قام عضد الدولة عام 379هـ/ 979 م، ببناء ضريح من العاج ذي أروقة وعليه قبة، ومع قيام الضريح الجديد بدأ بتشييد البيوت والأسواق حول المشهد، وقد أحيطت المدينة بسور كبير. وفي عام 399هـ/ 1009 م، توفي أبو العباس الكافي، الوزير بالري، وكان قد أوصى قبل وفاته أن يدفن في كربلاء إلى جوار الإمام الحسين، فدفن هناك.. وقد قام الوزير ابن سهلان عام 403هـ/ 1013 م، ببناء سور جديد حول المشهد، ثم قام السلطان السلجوقي ملك شاه ووزيره نظام الملك بتجديد السور عام 479هـ/ 1082م. وقد أصبحت كربلاء منذ القرن العاشر الميلادي عتبة مقدسة يتردد عليها كثير من المسلمين لزيارة الإمام الحسين والتبرك به، بعد أن ازدهرت فيها الزراعة والتجارة والعلوم والآداب. لقد وصف السائح العربي المعروف ابن بطوطة كربلاء عند زيارته لها عام 726هـ/ 1307 م، قائلا: زرت كربلاء في أيام السلطان سعيد بهادر خان بن خدابنده بعد أن تركت الكوفة سنة 726 قاصدا مدينة الحسين، وهي مدينة صغيرة تحصنها حدائق النخيل ويسقيها الفرات، والروضة المقدسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحجاب والقومة، لا يدخل احد إلا بإذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة، وعلى الأبواب أستار الحرير.. وعندما فتح الشاه اسماعيل الصفوي بغداد توجه الى كربلاء لزيارة قبر الامام الحسين وامر بتذهيب الضريح واهدى اثني عشر قنديلا من الذهب، كما أمر بصنع صندوق للقبر من الفضة دقيق الصنع، وقد تم نصبه عام 932هـ/ 1544م كما فرش الحضرة الحسينية بأنواع من المفروشات القيمة، وقد اعتكف الشاه اسماعيل الصفوي في حضرة الإمام ليلة ثم توجه لزيارة الإمام علي في النجف الاشرف. وضريح الإمام الحسين يقوم على مصطبة من الخشب المرصع بالعاج يعلوها مشبكان، احدهما من الفولاذ الثمين، وهو الداخلي، والآخر من الفضة، وهو الخارجي الكبير، وتعلو الضريح الحسيني أوان، ومزهريات ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة، وفي كل ركن من أركان الضريح الأربعة رمانة من الذهب الخالص يبلع قطرها نحو نصف متر.. والى جانب شباك الإمام الحسين الخارجي يقوم مشبك آخر لا يختلف عنه ولا يفصل بينهما سوى متر واحد وفي داخله قبر الإمام علي بن الحسين، الذي استشهد معه يوم عاشوراء، كما يوجد أمام المشبك مرقد آخر يضم رفات الآخرين الذين استشهدوا مع الإمام الحسين بوم عاشوراء. في بداية القرن السابع عشر الميلادي زار كربلاء الرحالة الاسباني بيدرو تكسيرا في العام 1604م- 1024هـ.. وقد وصفها ببلدة تحتوي على أربعة آلاف بيت، وسكانها من العرب، وبعض الإيرانيين والأتراك، وفي المدينة اسواق ذات بناء محكم بالطابوق وهي ملأى بالحاجات والسلع التجارية ويتردد عليها أناس كثيرون.. وقد بنيت فيها خانات عامرة تم بناؤها للزوار وهي من الأعمال الخيرية، وقد كتب تكسيرا عن الروضة الحسينية وذكر أهميتها الدينية وتوارد المسلمين لزيارتها من جميع الجهات كما تطرق إلى ذكر السقاة الذين يسقون الماء للناس في سبيل الله وطلبا للأجر والثواب او إحياء لذكرى الإمام الشهيد الذي قتل عطشان في هذه البقعة من الأرض، وكانت فيها امكنة ومخيمات كانت تنصب للزوار في موسم الزيارات الكبيرة. كما زار الرحالة الالماني المعروف كارستن نيبور في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1765م مدينة كربلاء، ويذكر نيبور بأن للبلدة خمسة أبواب في وسطها يقع المشهد الحسيني، وقد رسم نيبور مخططا تقريبيا استقى بتفصيلاته من ملاحظاته الخارجية وفي دخوله اليه في احدى الامسيات لفترة وجيزة، بصحبة (الملا بغدادي) الذي اصطحبه معه بعد أن تزيا بزي تركي ولبس عمامة تركية. وقد قارن نيبور مدينة كربلاء بمدينة النجف من حيث كثرة النخيل في الاولى وازدياد سكانها، لكنه يقول بأن بيوتها لم تكن متينة البنيان لأنها كانت تبنى باللبن غير المشوي. وقد وصف نيبور الحضرة الحسينية فقال بأن أطراف الحضرة والصحن كانت متنورة للشبابيك الكثيرة التي كانت موجودة فيها، وقد كان ذلك شيئا غريبا في بلاد يقل فيها زجاج النوافذ يومذاك وتحيط بالصحن من أطرافه الأربعة مساكن السادة والعلماء، كما ذكر نيبور أيضا وجود جامع كبير آخر للإمام العباس بن علي تقديرا لبطولته التي أبداها في يوم عاشوراء وتضحيته بنفسه من اجل أخيه الحسين. كما أشار أيضا إلى وجود مزار خاص خارج البلدة في أول الطريق المؤدي إلى النجف، ويقول انه شيد في الموضع الذي سقط فيه جواد الحسين. أما في العهد القاجاري فقد تم تذهيب الحضرة الحسينية ثلاث مرات، كما تم صنع صندوق فضي ثمين. وفي عام 1358/ 1920م/ قام السلطان طاهر سيف الدين الاسماعيلي بتجديد الشباك وقد تم صنعه من الفضة الخالصة في الهند. وفي الواجهة الأمامية من الروضة الحسينية تقوم خزانة الروضة الحسينية التي تحوي ذخائر وكنوز نادرة لا تثمّن منها مصاحف خطية قديمة نادرة، واحد منها مصحف شريف بخط الإمام زين العابدين وهو مكتوب بالخط الكوفي على رق غزال، ومصحف آخر فيه نقش ابيض وبين أوراقه رق غزال حتى لا تتلف صفحاته، وهما نفيسان للغاية. وعلى بعد ثلاثمائة متر تقريبا، من الجهة الشمالية الشرقية يقع ضريح العباس بن علي الذي استشهد مع اخيه الامام الحسين في واقعة كربلاء، وقد شيدت فوق قبره عمارة فيها قبة كبيرة ومنارتان، وقد عمرت وجددت في عهد القاجاريين ايضا. ولايقل ضريح العباس ضخامة عن اضرحة الائمة الاخرين، غير ان المنائر لم تطل بالذهب كلها، وفي حضرة العباس خزانة فيها ذخائر واشياء نفيسة جدا.. وهناك قبور مقدسة اخرى، منها ضريح الشهداء، وقبر علي بن الحسين وعبدالله الرضيع، ويرقدان الى جانب ابيهما الحسين. ويقع شرق ضريح الامام الحسين ضريح القاسم ابن الامام الحسن والى جانبه قبر السيد ابراهيم المجاب. وعلى بعد ثلاثة اميال تقريبا من الحضرة الحسينية يقع ضريح حبيب بن مظاهر الاسدي وكذلك قبر الحر الرياحي اللذين استشهدا مع الامام الحسين يوم عاشوراء. كما توجد في كربلاء قبور اولياء صالحين، منهم الحمزة وابن الكاظم وعون ابن عبدالله وغيرهم. وتشتهر كربلاء، الى جانب الزراعة والتجارة والحرف اليدوية والشعبية، كصناعة القاشاني الملون والمنقوش بالصور الجميلة والخطوط العربية باساليبها المختلفة كالخط الكوفي والرقعي والديواني، وكذلك النقش على النحاس والصياغة والوشي والتطريز وصناعة الترب الحسينية. والواقع اتخذت كربلاء شهرة عظيمة في تاريخها السياسي والعلمي والادبي لم تحصل عليها العتبات الاخرى في العراق، حيث تطورت فيها حركة ثقافية واسعة كان من نتائجها دخول اول مطبعة حجرية اليها عام 1273هـ/ 1856م، وبحسب سلمان هادي الطعمة فإنها أول مطبعة دخلت العراق، وكان من أهدافها طبع الكتب الدينية وقد تم فعلا طبع أول كتاب في العراق فيها، هو (مقامات الآلوسي) وكذلك خلاصة الأخبار عام 1879م. وكان لموقع كربلاء بالقرب من نهر الفرات دور لا يستهان به ساعدها بالتزود بالمياه منه بشكل أفضل نسبيا من النجف، حيث كان هناك فرع من فروع الفرات يسقي حقولها وبساتينها. ولما كان الفرات يغير مجراه مرات عديدة، فقد أمر السلطان سليمان القانوني عام 1533 بشق قناة الحسينية لنقل الماء إليها، التي كانت مشروعا هندسيا كبيرا، زودت الحسينية من مياه الفرات عند مدينة المسيب. وقد ساعد الإهمال وعدم الصيانة على ازدياد شحة المياه في القناة مما اثر على وضع كربلاء الاقتصادي والاجتماعي غير أنها استعادت بعض عافيتها بعد أن أمر الوالي حسن باشا ببناء سد في صدر القناة وكذل بناء واصلاح عدد من الخانات على طول الطريق الرابط بين بغداد وكربلاء، التي ساعدت على ازدياد عدد الزوار إليها وكذلك تقوية مركزها الديني في منتصف القرن الثامن عشر. وقد أخذت كربلاء تفقد موقعها الديني- الاقتصادي بعد مجيء المماليك إلى الحكم في العراق وذلك بسبب فرضهم عوائل سنية لسدانة العتبات المقدسة وسيطرتهم على إدارة المدينة وكذلك على جباية الضرائب فيها. غير ان ضعف المماليك، في بداية القرن التاسع عشر ساعد المدينة من جهة أخرى على حصولها على استقلال جزئي، بحيث لم يعد للسلطان العثماني أي ذكر فيها، وقد ساعد على ذلك تحالف تم بين بعض العشائر العربية وعدد من العوائل الدينية والتجارية المتنفذة في كربلاء ضد السلطات العثمانية، مما أثار قلق العثمانيين فحاولوا استعادة سلطتهم فيها وتقوية الحكم المركزي في العراق، ما ادى بدوره الى مقاومة كربلاء واعتصام اهاليها بالسور المحيط بها. وكان الوالي نجيب باشا قد أرسل إليهم قوة عسكرية لتأديبهم واعطاهم مهلة شهر كامل للتراجع عن تمردهم، غير أنهم لم يذعنوا لتهديده، مما دفعه لان يقود بنفسه القوة العسكرية، وان يهاجم المدينة ويضربها بالمدافع. وقد تم إخضاع كربلاء واحتلالها يوم 11 ذي الحجة سنة 1258هـ/ 1843م.. والخلاصة يمكننا اجمال اهمية ودور العتبات المقدسة في العراق، التي شهدت منذ بداية القرن التاسع عشر، نهضة ثقافية واجتماعية جديدة، ولعبت دورا هاما في تاريخ العراق السياسي.. وخصوصا منذ بداية هذا القرن، واخذت تمارس تأثيرا دينيا واجتماعيا وسياسيا تخطى في احيان كثيرة، حدود العراق، وكان للمدن الدينية المقدسة مساهمة فاعلة في تكوين الوعي الوطني وتشكيل العراق السياسي الحديث، وبخاصة في حركة الجهاد وثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق. وفي الوقت الذي لم تشارك العتبات المقدسة الشيعية في الاحداث السياسية العامة خلال العهد العثماني فانها شكلت مراكز معارضة للسلطات العثمانية وقد اتسم موقف المرجعية الدينية وكذلك مواقف المجتهدين الشيعة، ولفترات طويلة بالسلبية والانصراف الى الأمور الدينية الصرفة، وقد استمر ذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر. أما على الصعيد الاجتماعي- الاقتصادي.. فقد شكلت المدن مراكز جذب واختلاط وتفاعل دائم مع مختلف الفئات والطبقات والجماعات، وكذلك مع الدول العربية والإسلامية، مما ساعدها على توطيد علاقاتها الدينية والتجارية مع المدن العراقي، وبخاصة الوسط والجنوب، وكذلك مع القبائل العربية المتنقلة على حافة الصحراء الغربية. كما شكلت زيارة المسلمين من ايران والهند وتركيا والدول العربية قاعدة اقتصادية اجتماعية مهمة لهذه المدن ودعما ماليا لا يستهان به. ومن المعروف ان المورد الرئيسي الذي يحرك نشاطها الاقتصادي كان يعتمد الى حد كبير، على ما يدفعه المسلمون من حقوق شرعية وهبات ونذور، وما يصرفونه خلال الزيارات المستمرة الى العتبات المقدسة، وما يتبرعون به اليها وكذلك مايصرفونه على مراسيم التشييع والدفن، وبخاصة من إيران والهند وجنوب العراق وغيره من البلدان الإسلامية. وبحسب تقرير بريطاني، فان ما دخل النجف وحدها من حقوق شرعية وأموال خيرية ووقفية وغيرها، ومن إيران فقط، يقدر بحدود مليون جنيه استرليني عام 1918.. وكانت الموارد الخيرية التي وردت من مؤسسة اوذة الهندية الى العتبات المقدسة وبخاصة كربلاء والنجف قد بلغت حوالي عشرة آلاف جنيه استرليني سنويا، وبدأت عام 1825 واستمرت حتى عام 1953.. وقد ارتبط عدد الزوار إلى المدن المقدسة في العراق عادة بسياسة الحكومات العراقية والحكومات الإسلامية الأخرى. وهذا ما يوضح انخفاض عدد الزوار من إيران والهند إلى العراق بالتدرج منذ بداية هذا القرن، وبخاصة منذ أن اخذ الشاه رضا بهلوي يفرض قيودا مشددة على زيارة العتبات المقدسة في العراق، ومنع نقل الجنائز إلى النجف، وكذلك انفجار الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مشاكل واضطرابات كما انقطعت زيارة الإيرانيين الى العراق ثانية منذ بداية السبعينيات، وخاصة بعد قيام الحرب العراقية – الإيرانية. وهناك موارد مالية أخرى تصل إلى العتبات المقدسة، منها رد المظالم، وهو ما يدفعه البعض للمجتهدين من أموال تكفيرا عن منكر ارتكبوه، وحق الوصية وهو مبلغ يدفع عن ثلث الأملاك الموروثة من المتوفين ويقوم المجتهد بتخصيص هذه الأموال لإغراض محددة، وكذلك دفع مبالغ محددة لقيام أشخاص آخرين يؤدون الصلاة أو الصيام نيابة عن أشخاص متوفين، إلى جانب الهبات والتبرعات الخيرية الطوعية من الهيئات او الأفراد وكذلك النذور التي تدفع إلى السادة وسدنة العتبات المقدسة وغيرهم. وبالإضافة إلى هذه الموارد المستمرة كانت هناك هبات توزيع الماء على الزوار وإنارة الأضرحة والعناية بقبور الأولياء الصالحين، وقد بذلت جهود كبيرة لتنظيم الزيارات في العتبات المقدسة حيث أنجزت الحكومة العراقية عام 1924 بناء ثلاثة خطوط للسكك الحديد تربط بين خانقين وبغداد والبصرة وبغداد والهندية وكربلاء، من اجل تلبية حاجات الزوار الإيرانيين والهنود وكذلك العراقيين غير أن هذه الخطوط أخذت تفقد أهميتها بالتدريج بعد الحرب العالمية الثانية لتحل محلها طرق المواصلات الأخرى. وفي الواقع فقد كانت هذه المواد المالية سببا في قوة العتبات المقدسة الاقتصادية من جهة، وضعفها وتذبذب موقعها الاقتصادي من جهة أخرى، وذلك لافتقارها الى مصادر دخل اخرى ثابتة، وتذبذب العلاقات السياسية بين العراق والدول الاسلامية الاخرى وبخاصة ايران.. ومن الطبيعي ان تعزز هذه الموارد الطائلة قوة المجتهدين الشيعة ودورهم القيادي، غير أنها أثرت، من جهة اخرى، على توجهاتهم ومواقفهم السياسية، وعلى تنظيماتهم الاقتصادية والاجتماعية والإدارية ايضا. ومن الملاحظ أيضا غياب مؤسسة أوقاف شيعية كبيرة ومتطورة في العراق يمكن أن تدر موارد ثابتة للعتبات المقدسة كما هو الحال في إيران وتركيا او مؤسسة الأوقاف في العراق التي تدار اليوم من قبل وزارة الأوقاف العراقية، وقد يعود هذا إلى أسباب عديدة منها ان النجف وكربلاء لم تظهرا كمراكز شيعية كبرى الاّ في منتصف القرن الثامن عشر، ولأنهما كانتا حتى ذلك التاريخ مدنا دينية صغيرة ليس لها شأن اقتصادي كبير كما هو في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. فقد كانت النجف من بداية القرن السابع عشر مدينة صغيرة خربة تقريبا شحيحة المياه ولم يتجاوز عدد سكانها الخمسمئة شخص. ومن الملاحظ ايضا، ان اعتماد العتبات المقدسة على الموارد الخاصة بها كان قد عزز من استقلاليتها وكذلك من استقلالية المجتهدين الشيعة وحوزاتهم العلمية. ومن الناحية الثقافية فقد عملت العتبات المقدسة في العراق، وخصوصا مدينة النجف، على الحفاظ على اللغة والثقافة العربية- الاسلامية ونشرها وترسيخها خلال قرون التخلف والظلام التي مرت على العراق، كما عملت على تأسيس المدارس والمراكز العلمية والجمعيات الثقافية والسياسية ورفدها بعدد كبير من العلماء والادباء والشعراء كمحمد سعيد الحبوبي والشيخ محمد رضا الشبيبي وباقر الشبيبي وعلي الشرقي وجعفر الخليلي ومحمد مهدي الجواهري وعشرات آخرين.

عن كتاب كربلاء في التاريخ



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية