العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 53
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809629
عدد الزيارات اليوم : 14183
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


مارسيل بروست بين رولان بارت وجيل دولوز

ترجمة: حسين عجة
رولان بارت*: لأنه ينبغي عليَّ أن أكون المتكلم الأول، سأركز خاصة على ما أظنه الطابع الإحراجي لكل حوار من حول بروست: لا يمكن لبروست أن يكون موضوعاً إلا لمحاورة لا تنتهي infini: لا نهائية، ذلك لأنه، أكثر من أيّ مؤلف آخر، لديه ما يقوله لنا إلى ما لا نهاية. أنه ليس مؤلفاً أبدياً éternel، لكنه، كما أعتقد، مؤلف دائم auteur perpétuel، كما يقول المرء روزنامة دائمة.


 كذلك لا أظن بأن مرد ذلك عائد لثرائه، هذا الثراء الذي يمكن أن يكون مجرد فكرة نوعية، بل بالأحرى إلى نوع من تهدم البنية déstructuration في خطابه. فهو ليس خطاباً مُستطرداً digressé وحسب، كا يقول ذلك البعض، ولكنه خطاب مثقوب troué ومفكك: كوكب يمكن أرتياده إلى ما لا نهاية، فجزئياته لا تكف عن تغيّير مواقعها ومبادلتها البعض مع الآخر. وهذا ما يجعلني أقرأ بروست، وهو واحد من المؤلفين النادرين الذين أعيد قراءتهم، باعتباره معبراً وهمياً، تنيره أضواء مُتعاقبة تخضع لنوع من المعدلة الكهربائية rhéostat المنوعةِ ومن ثم تمرر تدريجياً، وباستمرار أيضاً، الديكور عبر أحجام مختلفة، مستويات متنوعة، وأشكال مختلفة من الوضوح. أنه مادة لا تنفذ، ليس لأنه جديد في كل مرة، فذلك ما لا معنى له، ولكن لأنه يصلنا في كل مرة مُتزحزحاً عن مكانه. من هنا، يمكننا القول بأن عمله يخلق"متحرك"حقيقي، وربما يكون التجسيد الحقيقي للكتاب Livre كما حلمَ به ملارميه. من وجهة نظري، لا يمكن أن يُثير"البحث عن الزمن الضائع"(وما يُضاف إلى جواره من النصوص الأخرى) إلا أفكار للبحث وليست ابحاثاً. بهذا المعنى، يشكل النص البروستي مادة رائعة للرغبة النقدية le désir critique. أنه موضوع رغبة بالنسبة للنقاد، فكل ما فيه يتمً استنفاذه باستيهام البحث، في فكرة بحث أحدهم عن شيء ما عند بروست و، في ذات الوقت، كل ما فيه يجعل فكرة العثور على نتيجة في ذلك البحث وهميةً. أن تفرد بروست نابع من أنه لا يدعنا نقوم بأي شيء آخر سوى: كتابته ثانية le réécrire، وهذا ما يشكل نقيضاً لإستهلاكه.
جيل دولوز: من ناحيتي، سأكتفي بطرح مشكلة اعتبارها حديثة نوعما. أشعر بنوع من الحضور المهم للغاية، والمقلق تماماً للجنون في هذا العمل. وذلك لا يعني أبداً القول بأن بروست كان مجنوناً، ولكن التأكيد على أن ثمة من حضور حيّ وكبير للجنون في البحث نفسه la Recherche même. بدءاً، بوجود ذلك الجنون عند شخصيتين أساسيتين من شخوص العمل. أن حضور الجنون هذا، كما هو الأمر دائماً عند بروست، موزع بحذاقة. إذ من المؤكد، منذ البداية، بأن جارليس Charlus مجنون. فما أن يلمحه المرء حتى يقول مع نفسه: حقاً، أنه مجنون. وهذا ما يقوله لنا الراوي. أمّا بالنسبة للأربتين Albertine، فالقضية معكوسة، فنحن نكتشف جنونها في النهاية؛ أي أن جنونها لا يشكل عندنا يقينا مباشرا، بل مجرد شك، أو إمكانية. قد تكون مجنونة، وربما كانت كذلك دائماً. وهذا ما توحي به أندريه Andrée في الأخير. منْ هو المجنون إذاً؟ لا شك أنه جارليس. ألبرتين، ربما. لكن ألا يمكن أن يكون هناك طرف ثالث أكثر منهما جنوناً؟ ثالث قد يكون مُتخفياً في كل مكان ويتلاعب بيقيننا بأن جارليس مجنون واحتمالية أن تكون ألبرتين مجنونة هي كذلك؟ ألا يمكن أن يكون هناك مشرف على اللعبة؟ كل واحد يعرف ذلك المُشرفِ، أنه الراوي ذاته. بأي معنى يكون فيه ذلك الراوي مجنوناً؟ أنه غريب تماماً ذلك الراوي. غريب الأطوار تماماً. كيف يُقدم نفسه؟ أنه شخص بلا أعضاء، فهو لا يرى، لا يفهم أيّ شيء، ولا يراقب أي شيء، كما لا يعرف أي شيء؛ حينما يعرض عليه أحدهم شيئاً، ينظر إليه: لا يرى؛ يجعله أحدهم يشم شيئاً، ويقول له: لترى كم هو جميل، ينظر، وفي اللحظة التي يُقال له فيه: ولكن لترى، لتنظر قليلاً، -حينئذ يصدح شيء ما في رأسه، يفكر بشيء آخر، شيء ما يهمه، لكنه لا يخضع لنظام الإدراك، ولا للنظام الذهني. ليس لديه من أعضاء، لا أحاسيس ولا إدراك، لا شيء عنده. أنه كالجسد العاري، جسد ضخم غير مُميز.
ما هي فاعلية ذلك الذي لا يرى، لا يحس ولا يفهم أي شيء؟ أعتقد بأن من يجد نفسه في تلك الحالة لا يمكنه سوى الرد على الإشارات والإيماءات. بتعبير آخر، الراوية عنكبوت. ليس ثمة من نفع للعنكبوت، فهو لا يفهم أي شيء، كما يمكن للمرء أن يضع تحت نظره ذبابة ومع ذلك لا تتولد لديه أية ردة فعل. لكن ما أن تهتز زاوية صغيرة من نسيجه، وإذا بجسده الضخم يتحرك. لا يتمتع بمدركات، وهو بلا أحاسيس. أنه يستجيب إلى الإيماءات، هذا كل ما في الأمر. وكذلك هي الحال عند الراوية. فهو أيضاً يحيك نسيجاً، أي عمله، ويستجيب لهزاته، في ذات اللحظة التي يحيك فيها. عنكبوت-جنون، راوي-جنون لا يفهم أي شيء، ولا يرغب كذلك في فهمه، ولا يهمه أي شيء اللهم إلا تلك الإشارة الصغيرة، الموضوعة هناك في العمق. فجنون جارليس المؤكدِ وكذلك جنون ألبرتين، المحتمل، ينبعان بلا شك منه بالذات. فهو يلقي على كل مكان حضوره المعتمِ، الأعمى؛ في كل مكان أي في الأركان الاربعة من النسيج، النسيج الذي ينسجه، يفككه ويعيد نسجه ثانية. تحول أكثر جذرية حتى مما عند كافكا، ما دام الراوية نفسه قد تحول قبل أن تشرع القصة حتى.
لكن ما الذي يراه المرء حين لا يرى أي شيء؟ أن ما يجذب الإنتباه في البحث، من وجهة نظري، هو شيء واحد، ذات الشيء المُتكررٍ والمتنوعٍ، في ذات الوقت، بصورة خارقة. إذا ما حاولنا نسخ رؤية الراوي بالطريقة التي ينسخ بها البيولوجين رؤية الذبابة، سنحصل على سديم nébuleuse ترافقه، هنا وهناك، نقاط لماعة صغيرة. مثال، سديم جارليس: ما الذي يراه فيه الراوية، الذي هو ليس بروست بالتأكيد؟ يرى عينين، تتلامضان، وهما غير متساويتان، ويسمع بغموض صوتاً. هناك تفردان ينطوي عليهما ذلك الجسم الضخم، جسم جارليس. أمّا في حالة ألبرتين، فالسديم ليس فردياً، بل جماعياً، تمييز لا أهمية له من ناحية أخرى. أنه سديم"الفتيات"المُتصاحب مع تفردات بعينها، وهي واحدة منهن. هكذا يجري الأمر دائماً عند بروست. أن الرؤية الأولى العامة هي بمثابة غيمة مع نقاط صغيرة. هناك لحظة أخرى لكنها غير مطمئنة أيضاً. وفقاً للتفردات التي يتضمن عليها السديم، تتشكل سلسلة، سلسلة خطاب جارليس، على سبيل المثال، ثلاثة خطابات مبنية على نفس النمط ولها ذات الإيقاع الواحد، ففي كل مرة يبدأ جارليس بما يمكننا تسميته اليوم بالنكران:"كلا، أنتَ لا تهمني"، ذلك ما يقوله للراوية. اللحظة الثانية، بالمعكوس، منك إلي،"هناك مسافة لا يمكن تخطيها، وأنتَ لا تمثل أي شيء بالنسبة لي". اللحظة الثالثة هي الجنون: في خطاب جارليس، المُسيطر عليه حتى تلك اللحظة، ثمة شيء ما ينحرف. ظاهرة غريبة تتولد في الخطابات الثلاثة جميعها. كذلك ينبغي علينا أن نبين بذات الطريقة بأن هناك سلسلة، وحتى مجموعة سلاسل تتعلق بالأبرتين، التي تفصل نفسها عن سديم الفتيات. أن تلك السلاسل ممهورة بانفجارات سادية-مازوخية؛ أنها سلاسل مُقززة، تجاورها حالات تدنيس، حجوزات؛ ولأنها قد تولدت عن رؤية مصابة بقصر النظر، لذا فهي سلاسل ضخمة وقاسية. ومع ذلك، لا يتوقف الأمر عند هذه النقطة. في لحظة ما، في نهاية تلك السلاسل وكأننا نمر في زمن ثالث نهائي، ينحل كل شيء، يتلاشى وينفجر –ويعاود الإنغلاق- ضمن مجموعة من العلب الصغيرة. كفت ألبرتين في أن تكون. ثمة مئات العلب الصغيرة من ألبرتين، مطروحةً أمامنا، معروضةً على أعيننا، لكنهن غير قادرات على التواصل بعضهن مع البعض الآخر، وفقاً لبعد غاية في الإثارة إلا وهو البعد العرضي dimension transversale. هنا، كما أعتقد، أي في هذه اللحظة الأخيرة، يظهر حقاً موضوع الجنون. بمعية نوع من البراءة النباتية، مطوقاً بسياج هو بالدقة سياج النباتات. أن النص النموذجي، على هذا الصعيد، أي النص الذي يُظهر أفضل من غيره التركيب الثلاثي لرؤية الرواي-العنكبوت، هو النص الذي يصف القبلة الأولى التي يطبعها البطل على خد البرتين (Pléiade, 2, P.363-365). ففي هذا النص نميز بوضوح اللحظات الثلاث الأساسية (لكن بإمكان المرء العثور على العديد غيرها). نعثر أولاً على سديم الوجه، ترافقه نقطة صغيرة لماعة، ومتنقلةً. بعدها، يقترب البطل:"عبر هذه المسافة القصيرة ما بين شفتي وخدها، رأيتُ عشرة من ألبرتين". وفي النهاية، تأتي اللحظة الثالثة والأخيرة، حين يلامس فمه خدها ويصبح هو فيها جسداً معمياً، يتصارع مع ذلك الإنفجار، وحالة ألبرتين الكيئبة:"(...) وفجأة، كفت عيناي عن الرؤية، وبدوره انسحق أنفي، لم يشتم أية رائحة، ولم يتعرف على مذاق الوردة التي كان يرغب فيها، ومن ثم عرفتُ، عبر هذه الإشارات الكريهة، بأني كنتُ على وشك تقبيل خد ألبرتين".
ما يُثير أهتمامي الآن في البحث هو التالي: حضور، مثول الجنون في العمل، والذي هو ليس مجرد ثوباً، ولا كتدرائية، لكن نسيج عنكبوت على وشك أن يتم نسجه أمام أعيننا.

جيرارد جنيت: ما سأقوله استوحيته من هذه المحاورة، ومن نظرة لاحقة على عملي الخاص، القديم والحديث منه المُتعلّقِ ببروست. يبدو لي أن عمل بروست، بحكم ضخامته وتعقيده، وكذلك بحكم طابعه التطوري، وذلك التعاقب المتواصل للحالات états المختلفة لذات النص، إنطلاقاً من"الأيام واللذات"Les Plaisirs et les jours وحتى"الزمن المُستعاد"Temps retrouvé، يعرض أمام الناقد صعوبة تشكل في ذات الوقت، من زاوية نظري، حضاً: بدلاً من التأويلية الكلاسيكية herméneutique classique، التي هي تأويلية نموذجية (أو مجازية) يطرح الناقد تأويلية جديدة، قد تكون تأويلية تركيبية syntagmatique، أو كنائية métonymique إذا ما شئنا. أريد القول بأنه لم يعد كافياً حين يرتبط الأمر ببروست الإنتباه وتسجيل معاودة الدوافع ومن ثم تقديم لائحة من خلال تلك التكرارات، عن طريق التكديس والموافقة على مواد مواضعية (متعلقة بالمواضيع) يجري بعدها أقامة شبكة مثالية، وفقاً لمنهج قدمَ عنه"جارلس موران"Charles Mauran نسخته الأكثر وضوحاً، لكنه يبقى، بالعمق، منهج أي نقد مواضعي critique thématique. كما ينبغي على المرء الأخذ بعين الأعتبار تأثيرات الأقتراب والإبتعاد، أي المكان في النص place dans le texte، القائم ما بين العناصر المختلفة للمحتوى.
لقد جذبت هذه الأمور دائماً، بطبيعة الحال، انتباه محللي التقنية الروائية أو الأسلوبية؛ فقد حدثنا جان روسيه Jean Rousset، مثلاً، عن الطابع التشتتي caractère sporadique لتقديم الشخوص في البحث، كما يحدثنا ليو برساني Leo Bersani عما يسيمه"القوة المنزاحة عن المركز"،"التعالي الأفقي"لأسلوب البحث، والذي يميزه عن أسلوب"جان سونتي"** Jean Santeuil. لكن ما يصلح للتحليل الشكلي (المتعلق بالشكل) يصلح أيضاً كما أعتقد، وبشكل خاص وأكثر وضوحاً عند بروست، للتحيل المواضعي والتفسير l’interprétation. ولكي لا أخذ سوى مثالين أو ثلاثة صادفتها اثناء عملي، يمكنني القول بأنه من المفيد للمرء أن يلاحظ، ومنذ الصفحات الأولى من"إلى جانب كومبري"Combray، ظهور موضوعي الكحول والجنس المتجاورين، وهذا ما سيجعل علاقتهما اللاحقة تقوم على التعادل المجازي (على الأقل). بالمقابل، أجد تأثير الزحزحة، أو التأجيل، إذا ما طبقناه على علاقة"مارسيل"الحبية وأبنة عمه الغريبة؛ الزحزحة والتأجيل اللذين لم يجر تذكرهما إلا فيما بعد، في لحظة بيع الإريكة للعمة"ليوني"إلى بيت المتعة العائد لراشيل. أو ظهور مادة مواضعية كبرج مدينة"روسنفيل"، الذي يظهر مرتين في"كومبري"كشاهد وحافظ سر للأثارات الأيروسية المعزولة للبطل، ومن ثم ظهوره ثانية في"الزمن المُستعاد"ولكن بدلالة أيروسية جديدة، ينعكس صداها على الأولى ويحورها فجأة، حين نعرف بأن ذلك البرج كان مكاناً لممارسات فاجرة تقوم بها"جلبرت"مع فتية القرية. ثمة هنا أثر للتنوع، للأختلاف في الهوية وهو لا يقل في أهميته عن أهمية الهوية؛ لكن لا يكفي تنضيد الحدثين أحدهما فوق الآخر لكي نحصل على تفسير لهما، إذ ينبغي القيام بتأويل ما يقاوم ذلك التنضيد أيضاً. لاسيما ونحن نعرف بأن"البحث"يتولد غالباً عبر تفجر وتفكك الخلايا التوليفية البدائية: أنه كون في طور التمدد، لا تنوي فيه العناصر التي كانت في البداية قريبة تماماً من بعضها من الإبتعاد عن بعضها الآخر. نحن نعرف، مثلاً، بأن"مارسيل"و"سوان"،"جارليس"ونوربواس"كانا قريبين من بعضهم حد خلط المرء بينهما، كذلك نلاحظ بأن كتاب"ضد سانت بيف""Contre Sainte-Beuve » يضع تجربة كعكة المادلين بجانب تجربة بلاط"آل غيرمونت"، أمّا المخطوطة التي نشرها"فيليب كولب"Philippe Kolb، فتخبرنا بأن مصادر التجربة التي عاشها البطل في"الفيفون"كان قد حصل عليها منذ طفولته، وبأن كل المعمار المواضيعي"للبحث"يرتكز حالياً على ذلك التباعد العظيم ما بين مداميك الأقواس تلك، أي على انتظارنا الكبير لعملية الكشف النهائية.
كل ذلك يرغمنا، إذاً، على إعارة انتباه خاص للتركيب الزمكاني للدلالات المواضيعية، أي القوة السيميائية للقرينة. لقد شدد رولان بارت أكثر من مرة على الدور اللارمزي للقرينة، والتي يتم التعامل معها دائماً باعتبارها أداة إختزال للمعنى. يبدو لي أنه بإمكاننا تخيل ممارسة عملية لها معاكسة لتلك الممارسة، إنطلاقاً من ملاحظات على هذه الشاكلة. فالقريينة، أي مجال النص l’espace du texte، وتأثيرات ذلك المكان les effets de place المُحدّدِ، هو أيضاً مولد للمعنى. يقول فكتور هيغو، كما أظن ما يلي: « Dans concierge y a cierge »***؛ لذا يمكنني القول أنا أيضاً: « dans contexte il y a texte »****. كذلك لا يمكننا ذكر الواحد دون الإشارة سلفاً نحو الآخر، وذلك ما يخلق مشكلة في الأدب. قد يتوجب علينا بالأحرى ارجاع القوة الرمزية للقرينة، وذلك باستخدامنا لمنهج تأويلي herméneutique، أو سيميائي sémiotique، يرتكز على التحولات التركبية التعبيرية، أي النصوص، أكثر من استناده على الثبات النموذجي. ومعنى هذا –وذلك ما نعرفه على الأقل منذ سويسر Saussure- بأن الأهمية لا تكمن في التكرار répétition، ولكن في الفارق différence، في التغيير modulation، في التحوير altération، وفي ما أطلق عليه يوم أمس"سيرج دبروفسكي"Serge Doubrovskey الملاحظة المخطؤةِ la fausse note: أي التنوع، وإن كان في شكله الأكثر بدائية. إذ قد يكون من الأفضل لنا التفكير بأن دور الناقد، كما هو دور الموسيقار، هو تفسير التنوعات.

سيرج دبروفسكي: أعتقد بأن هذه المُداخلات الثلاث التي أستمعنا إليها للتو، والتي تبدو للوهلة الأولى وكأن لا جامع بينها، تلتقي ثلاثتها، بالرغم من ذلك، في نفس قماشة العنكبوت، في ذلك النسيج الذي وصفه دولوز بالدقة. أليست هذه هي خصوصية عمل بروست، فهو، في آن معاً، تشظي وعزلة كاملة، ثم، في نهاية المطاف، تواصل واجتماع؟
رولان بارت: بودي فقط أن أقول لجيرارد جنيت أنه إذا ما قمنا بتحليل المتنوعات، ببحثنا عن موضوع، فأننا نضع أنفسنا بالكامل في موقع تأويلية بعينها، ذلك لأننا نقتفي درباً عمودياً صاعدأ نحو المادة الرئيسية.
لكن (وهنا أعتقد بأن الحق إلى جانب جنيت) إذا ما أفترضنا قيام المرء بتوصيف أو حتى بكتابة تنويع وحسب، تنويع للمتنوعات، حينئذ لا يتعلق الأمر أبداً بالتأويلية، بل ببساطة بالسيميائية. أو بهذه الطريقة على الأقل أحدّد أنا مفردة"سيميائيةِ"، وذلك بأخذي لتعارض كان فوكو Foucault قد طرحه ما بين"التأويلية"و"السيميائية".
جان بيار ريشارد: أمّا أنا، فأرغب بإضافة بضع كلمات إلى ما قاله جيرارد جنيت. من المؤكد أني أتفق مع التصور الذي تناوله وطوره عن الموضوع du thème، باعتباره مجموعاً، أو سلسلة من التغييرات؛ كما أتفق معه أيضاً في أمنية حدوث أنفتاح أمام المواضعية القرينية thématique contextuelle. لكني أود الإشارة إلى أختلاف بسيط بيني وبينه بخصوص التحدّيد ذاته، الذي قدمه أو أوحى به، عن الموضوع. إذ يبدو لي، على سبيل المثال، بإن برج"روسنفيل"، عبر تحليله، لا يشكل أبداً موضوعاً.
جيرارد جنيت: أنا أسميته"مادة مواضعية""objet thématique ».
جان بيار ريشارد:... أراه، لنقل، كباعث un motif، أي مادة يستخدم بروست معاودتها بطريقة واعية تماماً لكي يخلق تأثيرات بعينها، مهمة، وهنا أتفق مع جنيت، بالنسبة للمعنى المؤجل أو المنزاح عن مكانه.
لكن ما يبدو لي بالدقة مواضعي، في مثال برج"روسنفيل"، هو شيء آخر: أنه الإمكانية التي يقدمها لنا لفتحه، لجعله ينفجر تقريباً، أو قيامنا، في كل الأحوال، بتحريكه وكأننا نقوم بعملية بعثرة تحريرية لسماته المختلفة الأساسية (صفاته أو وظائفه)، فكّها بعضها عن الآخر، لكي نعاود ربطها بمواد أخرى حاضرة وفاعلة في امتداد الرواية البروستية. من بين تلك الملامح المُحَدّدةِ –أعني التي تحدد المادة، لكن دون استنفاذها أبداً، ولا أغلاقها، بطبيعة الحال، بل على العكس من ذلك فتحها من كل جانب منها نحو ما يُشكل خارجها son dehors- من بين تلك الملامح الخاصة، إذاً، هناك على سبيل المثال مفردة شقرة rousseur (الذي يوحي بها مدلول Roussainville): تلك الشقرة التي تحيل البرج نحو ليبدو كل الفتيات الشقراوات. أو تلك الشاقولية verticalité (التي سميتموها قبل قليل عن حق بالشاقولية القضيبية phallique) التي تقرب البرج من جميع المواد المنتصبةِ، كما ينطبق الأمر أيضاً على السفليةِ infériorité: ذلك لأن كل ما يتحول من ذلك البرج لكي يصبح إيروسياً يحدث دائماً في طابقه تحت الأرضي. فبفضل تلك الخصوصية سيكون بالإمكان تحوير البرج بطريقة تحت أرضية بغية توجيهه نحو أماكن أخرى أكثر عمقاً وسريةً للبحث، وبصورة استثنائية نحو قبو كنيسة"كومبري"، ونحو السرداق الشرجي للشانزليزيه، الذي تحدث عنه أمس دوبرفسكي، وكذلك نحو مداخل مترو باريس أثناء الحرب، والتي قام"جارليس"بجولاته الغريبة فيها. بل وحتى يمكن القول بأن تحوير الموضوع يظهر هنا بمثابة تحوير أفرويدوياً بامتياز، ما دامنا نلتقي فيه، إلى جانب الحالة الطفولية والإيروسية الذاتية تحت الأرضية (Roussainville)، على تحت أرضية شرجية، والتي هي تحت أرضية الشانزليزيه، ثم تحت أرضية مثلية souterrain homosexuel، متعلقة بالمترو الباريسي. هنا يكمن، من وجهة نظري، تحوير الموضوع. لا يتمثل المواضيعي في الحقيقة بقدرته على إعادة نفسه، أو إنتاجه ثانية بمجموعه، مُتطابقاً أو مختلفاً عن نفسه، ضمن أماكن مختلفة، قريبة أو بعيدة عن النص، بل في ميله العفوي على الإنشطار، والتوزع التجريدي، أو الفئوي باتجاه كل مواد الرواية، بطريقة يخلق معها ضمنياً شبكة واحدة: أو إذا ما شئنا ولكي أستخدم بدوري مجازاً يبدو أنه لا يكف عن مراودتنا هذا المساء، ينسج معها ضمن المجال الإستباقي والتذكري للقراءة نوعاً من القماشة الواسعة لعكنبوت ذا دلالة. آنئذ تكون قراءة المواضيع باعتبارها خطوطاً توجيهيةً لغرض إعادة التوزيع اللانهائي redistribution infini: سلاسل، أجل، لكنها سلاسل مُتناثرة دائماً، مسبوكةً مع غيرها من السلاسل، متقاطعة معها دائماً، أو تعبرها.
أن فكرة العارض traverse هذه تولد لدي الآن رغبة في مساءلة جيل دولوز، الذي تحدث، في نهاية كتابه عن بروست، عن أهيمة العوارض في هذا العمل. من ناحية أخرى، قد يكون بمقدور برج"روسنفل"تقديم مثلاً رائعاً ثانياً عن ذلك: أفكر بشخصية"تيودور". أنكم تتذكرون بأن هذا الولد قد دعيَّ لزيارة قبو"كومبري"، حيث عُثرَ على فتاة مقتولةً هناك حدثنا عنها أمس دوبرفسكي، ولكنه أيضاً واحد من لاعبي اللعب الإيروسية التي تجري ممارستها في البرج، تلك اللعب التي كانت"جلبرت"تشارك فيها. وهكذا نحصل على علاقة قائمة بوضوح، تدعمها مبادلة مع شخصية رئيسية، ما بين نموذجين من التحت-أرضية البروستية، أثنتين من سلاسلنا المكانية-الليبدية spatio-libidinales. أطلب من دولوز، إذاً، أن يقول لي كيف يفهم هو بالدقة فكرة العرضانية هذه عند بروست. لماذا يفضلها على سواها من العلاقات التي تُهيكل المجال البروستي، كالعلاقة البؤرية focalité، أو التناظرية symétrique، والجانبية latéralité؟ وكيف ترتبط بالدقة مع تجربة الجنون.

جيل دولوز: أعتقد بمقدورنا تسمية عرضياً البعد الذي لا يكون لا أفقياً ولا شاقولياً، إذا ما فترضنا، بطبيعة الحال، بأن هناك خارطة ما. أنا لا أسأل نفسي إذا ما كان ثمة من بعدٍ كهذا في عمل بروست. بل اتساءل ما هي الخدمة التي يمكن أن يؤديها. وإذا ما كان بروست بحاجة له، لمَ يحتاجه. أعتقد أنه ليس لديه من خيار آخر، في نهاية المطاف. هناك شيء يحبه بروست كثيراً، إلا وهو فكرة بأن الأشياء أو الناس أو المجاميع، لا تتواصل. فجارليس علبة، والفتيات علب تحتوي على علب صغيرة أخرى. كذلك لا أظن بأن هذا يشكل مجازاً، على الأقل بمعناه الشائع. علب مغلقة، أو مزهريات لا تواصلية: يبدو لي بأننا نمسك هنا على مُقتنييّن عند بروست، بالمعنى الذي نقول فيه عن إنسان بعينه لديه الأملاك الفلانية، مقتنياته. والحالة هذه فأن هذه الملكيات، وتلك المقتنيات التي يشتغلها بروست على طول وعرض البحث، تتواصل بطريقة غريبة بفضله. في حالة كهذه، أيّ إذا ما كان هناك من تواصل لا يدع نفسه يؤخذ ضمن بعد تواصلي، يمكننا حينئذ تسميته بالتواصل الزائغِ communication aberrante. مثال شهير على هذا النوع من التواصل: اليعسوب والسحلبية le bourdon et l’orchidée. كله مطوق. عند هذه النقطة، يكمن القول بأن هناك رؤية مجنونة، وليس بروست مجنوناً، فالرؤية الجنونية تتمتع بقاعدة نباتية أكثر منها حيوانية. وهذا ما يجعل من الممارسة الجنسية الإنسانية عند بروست شأناً يتعلق بالزهور، ذلك لأن كل واحدة منها ثنائية الجنس bisexué. كل واحد خنثي hermaphrodite لكنه عاجز عن أخصاب نفسه، ما دام الجنسان منفصلان عن بعضهما. لذا فإن السلسلة العشقية أو الجنسية ستكون غاية في الثراء. وإذا ما تكلمنا عن رجل ما، ثمة من جزء ذكري وآخر أنثوي لديه. بالنسبة للجزء الذكري، هناك حالتان أو أربع بالأحرى: يمكنه الدخول في علاقة مع الجزء الذكري عند امرأة أو الجزء الأنوثي فيها، لكنه يستطيع الدخول أيضا في علاقة مع الجزء الأنثوي لرجل آخر أو جزئه الذكري. هناك تواصل، لكنه قائم ما بين مزهريات لا تواصلية؛ كما هناك من انفتاح، بيد أنه قائم بين علب مغلقة. نحن نعرف بأن السحلبية تقدم لنا، وهذا ما هو مرسوم على زهرتها، صورةً عن الحشرة، مع مجساتها، وبأن هذه الصورة هي ما تخصبه الحشرة، وبذلك تضمن تخصيب الزهرة الأنثوية بالزهرة الذكرية: لكي يشير إلى ذلك التقاطع، والإلتقاء الحادث في نمو السحلبة والحشرة، تحدث بيولوجي* معاصر عن تطور لا تناظري، وذلك ما أعنيه بالدقة بالتواصل الزائغِ.
يًقدم لنا مشهد القطار، حيث يعدو الراوية من نافذة إلى أخرى، ويمر من معبر اليسار نحو معبر اليمين وبالعكس، مثلاً آخر لذات الظاهرة. لا شيء يتواصل rien ne communique: أنه نمط من عالمٍ شاسع مُتشظ. أمّا وحدته، فهي غير قائمة في الشيء الذي تمت رؤيته. ومن ثم علينا البحث عن الوحدة الوحيدة الممكنة عند الراوية نفسه، في مقصورة العنكبوت الذي ينسج فيها قماشته، من نافذة إلى أخرى. أعتقد بأن جميع النقاد قد قالوا نفس الشيء الواحد: لقد صُنعَ البحث برمته، كعمل، ضمن هذا البعد، الذي يلاحق الراوية وحده. أمّا الشخوص الأخرى، كل الشخوص الباقية، فما هي إلا علبٌ، وضيعة أو فائقة الروعة.
سيرج دبروفسكي: هل يمكنني آنئذ طرح السؤال التالي: ما هو موقع"الزمن المُستعاد"ضمن هذا الأفق؟
جيل دولوز: أعتقد بأن"الزمن المُستعادِ"، لا يكّمن في اللحظة التي أدركَ فيها البطل، اللحظة التي يعرف فيها (أستخدم هنا مفردات غير ملائمة، ولكني أقوم بذلك لكي أسرع)، بل في اللحظة التي عرفَ فيها ما قام به منذ البداية. لم يكن يعرف ذلك من قبل. أنها اللحظة التي يعرف فيها بأنه عنكبوت، واللحظة التي يدركُ فيها بأن الجنون كان حاضراً منذ البدء، أي اللحظة التي يفهمُ فيها بأن عمله هو قماشة وعندها يسترد كل ثقته بنفسه. أن"الزمن المُستعاد"هو البعد العرضي بإمتياز. فعن مثل هذا الإنفجار، وذلك الظفر المُتحقق في النهاية، يمكننا القول بأن ذلك العنكبوت قد أدرك كل شيء. لقد فهمَ بأنه يقوم بصنع قماشة، ومن ثم فقد فهمَ بأنه شيء خارق أن يفهم ذلك.
سيرج دبروفسكي: ما الذي تفعله بالقوانين السايكولوجية الكبرى التي يقحمها الراوية على طول سرده ويطلي بها نصه؟ هل تراها كعوارض مرضية لجنونه أم تحليلات للسلوك الإنساني؟
جيل دولوز: كلا قطعاً. من ناحية أخرى، أعتقد بأنها محدودة جداً: كما قال جنيت هناك مشاكل طوبولوجية مهمة للغاية. أن القوانين السايكولوجية هي دائماً قوانين السلاسل. ولا تمتلك السلاسل، في عمل بروست، الكلمة النهائية. ثمة دائماً شيء أكثر عمقاً كتلك السلاسل المُنتظمةِ وفقاً للبعد الشاقولي، أو نحو العمق الذي لا يني عن الإتساع. فسلسلة السطوح التي نرى وجه ألبرتين يعبرها تصب في شيء آخر أكثر أهمية ويمسك على الكلمة الأخيرة. والأمر ذاته ينطبق على السلاسل المدموغةِ بقوانين الكذب أو قوانين الغيرة. لهذا ما أن يشتغل بروست القوانين، إلا ويتدخل بعد فكاهي une dimension d’humour يبدو لي غاية في الأهمية وبالتالي يطرح مشكلة التفسير، مشكلة حقيقيةً. أن تفسير أي عمل، كما يبدو لي الأمر، هو دائماً تقييم فكاهته. فالمؤلف العظيم هو ذلك الفرد الذي يضحك كثيراً. في أحدى أولى ظهوراته، يقول"جارليس"للراوية ما يلي تقريباً: أنك تستهين كثيراً بجدتك، أيها الوغد الصغير. يمكن للمرء الإعتقاد بأن جارليس يقول هنا نكتة سوقية. لكن ربما يكون جارليس قد أطلق حينها حكماً استباقياً في الواقع، أي أن حب الجدة، حب الأم، وكل هذه السلسلة، لا تمتلك أبداً الكلمة الأخيرة، فالكلمة الأخيرة كانت: تستهين كثيراً، الخ... وهنا أفكرُ، في الحقيقة، بأن كل المناهج التي تمت الإشارة إليها من قبل تجد نفسها أمام ضرورة أن يأخذ المرء بعين الإعتبار ليس البلاغة وحسب، بل الفاكهي أيضاً.

صوت من القاعة: يا سيد بارت، لقد أوحيتَ بوجود علاقة ما بين البحث والكتاب عند ملارميه، هل لك أن تُدلي بالمزيد حول هذه العلاقة، أم أنها مجرد فكرة؟

رولان بارت: أنه مشروع تقارب، مجاز، إذا ما شئت. أن كتاب ملارميه هو مجال تحول ما بين النص الذي قُرأ والمشاهدين الذين يغيرون مكانهم في كل لحظة. لقد أشرت ببساطة إلى نقطة أن الكتاب البروستي، أي مجال قراءة هذا الكتاب قد يكون، على طول التاريخ، هو الكتاب الملارمي Livre mallarméen. لا وجود لهذا الكتاب إلا ضمن نوع من المسرحانية غير الهيسترية théâtralité non hystérique، تحويلية بصورة محضة، ترتكز على تحويلات في الأماكن؛ ذلك كل ما كنت أبغي قوله.

سيرج دوبرفسكي: بودي أغتنام لحظة الهدوء القصيرة التي سادت في القاعة لكي أردُ على جنيت. سأكون على أتفاق تام مع ما قاله قبل قليل. أن كل مشاهد البحث يجري معايشتها ثانية، لكن في كل مرة بفارق نوعي يرتبط بتطور الكتاب، بالنص كما هو. لهذا، وبغية تلافي أي سوء فهم، لم أقدمُ تعقيبي الخاص باعتباره بحثاً نهائياً، بل كجهد من أجل تعييّن بعض نقاط الإستدلال في العمل والتي ستخولني فيما بعد على أقامة شبكة من المفارقات. أمّا بخصوص ما قاله دولوز قبل قليل، ربما ما كنت لأقوله بنفس المفردات. لكن كلما زادت قراءتي لبروست، كلما تيقنتُ بأنه ليس مجنوناً، بل –ولتسامحوني على هذا التعبير- كان"مخبولاً""dingue » نوعما. ولكي نبقى عند هذا المستوى، هناك جمل تبدو ظاهرياً منطقية تماماً، غير أنها، إذا ما نظرنا لها عن قرب أكبر، مُختلةً. إذا كنتُ قد أستخدمت بالأمس لغة التحليل النفسي لتوصيف هذا النوع من الظواهر، فذلك لأنها اللغة المثالية عند الشخص المجنون، أو الجنون المُشفرِ. أستعمل، إذاً، نظام سهل، لكن قد يكون ذلك من أجل تطمين نفسي ثانية.

جان ريكاردو: يمكننا مفصلة المقاربات المتبادلة هنا بسهولة نوعما. ما بودي صياغته، على سبيل المثال، يلتقي بسهولة أكبر مع ما قاله جيرارد جنيت. لذا سأسله إذا ما كان يعتبر التباعد écartement خاصاً ببروست وحده، أي ذلك التناثر الذي يحرك حالياً رغبته النقدية. من ناحيتي، لدي شعور بأن هذه الظاهرة (التي سأطلق عليها طواعية اسم"الجهاز الأوزيرزي""dispositif osiriaque ») تخصُ كل النصوص. هنا، أفكر بصورة خاصة بأحد الكتاب المعاصرين لبروست (الذي يجري تناوله، للأسف، بشكل أقل بكثير)، أعني"روسل"Roussel. فهو يمارس الكتابة بطريقة يمكننا مقارنتها بتلك التي يستخدمها بروست، بمعنى أن البعض من نصوصه، مثل"انطباعات جديدة عن أفريقيا"، تتركب عبر التكاثر الواضح للعبارات الإعتراضية المقحومة والموضوعة بين هلالين، المتداخلة فيما بينها والتي تباعد ما بين المواضيع، وتنثرها بطريقة لا تكف عن التوسع. بيد أننا نستطيع رؤية ذلك بوضوح أكبر في تركيب نصوص أخرى لروسل. من جانب آخر، ما يُقلقني قليلاً هو أن يتمّ فهم ظاهرة التبعثر تلك وكأنها تشير إلى أنه كان ثمة من وحدة حاضرة في البدء ثم جرى بعثرتها. بتعابير أخرى: يَفْترضُ الجهاز الأوزيرزي، قبل التفكك، حضور جسد ما، جسد أوزرز Osiris. من جهتي، أعتقد أنه من المجدي تصحيح ذلك الجهاز بفكرة أخرى: فكرة"المُربكة المستحيلةِ""puzzle impossible » (نوع من ألعاب الورق المُعقدةِ. م.م). وهكذا، هناك مجموعة من القطع المفصولة بعضها عن الآخر عبر فاعلية الأقواس الإعتراضية المُتجددةِ دائماً، ولكن، في ذات الوقت، إذا ما إنطلاقنا من هذه القطع المتناثرةِ سنلاحظ، في نهاية المطاف، بأن تركيب تلك الوحدة التي أفترضناها مشطورة، سيوصلنا إلى الشعور بالمربكةِ المستحيلةِ، أي أن تلك القطع لا تتراكب بصورة صحيحة مع بعضها، وقد لا تحصل على هندسة ملائمة لها. ما يُثير أهتمامي، إجمالاً، هو التشديد على أن حالة تلك الوحدة: ليس فقط (كما برهنتم على ذلك) التمدد والإنتشار espacement et dispersion، بل وأيضاً الأتحاد المُستحيل: ليس ثمة من وحدة أصلية pas d’unité originelle.

* بخصوص هذا السؤال، غالباً ما يستشهد دولوز بعمل "رمي شوفان"Rémy Chauvin،"محاورة من حول الجنس"Entretien sur la sexualité, Paris, Plon, P.205

ملاحظة:
أديرت هذه الطاولة من قبل"سيرج دبروفسكي". الحاضرون هم: رولان بارت، جيرار جنيت، جان ريكاردو، جان بيار ريشارد. دفاتر مارسيل بروست، السلسلة الجديدة، رقم 7، باريس، منشورات غاليمار، 1975، ص 116-87. تمت قراءة النص وتدقيقه من قبل جاك برساني، بموافقة المشاركين. أمّا ترجمتنا لهذه الطاولة المستديرة فهي مأخوذة عن الكتاب الذي صدر بعد وفاة الفيلسوف جيل دولوز والذي يحمل عنوان:"نظامي المجانين".Deux Régimes de fous



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية