العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :26
من الضيوف : 26
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728939
عدد الزيارات اليوم : 4137
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » كان زمان


لا تحلق شعرك في باريس

بقلم موسى صبري
كيف كسبنا المعركة
قال  لي الاستاذ كمال عبد النبي سفيرنا في باريس ونحن نجلس في احد سالونات  القصر التاريخي الكبير المخصص لسكنى السفير.. قال لي ان مصر اليوم لا  تستجدي من عواصم الغرب.. انها تقف الان مرفوعة الهامة، موفورة الكرامة،  تسعى عواصم الغرب لارضائها. لقد عرف موقف مصر الدولي في وضوح وجلاء. انها  لا تسير في سياستها الخارجية نيلا لاحد، انها ليست محسوبة على لندن او على  موسكو، بل هي تمثل ارادة شعبها في انها تهدف الى السلام.. والسلام فقط.


وعلمت هنا من دوائر وزارة الخارجية الفرنسية، ان هذا هو السبب الاول والاخير، الذي اجبر حكومة فرنسا على العدول عن موقفها في عدم اتمام صفقة الاسلحة مع مصر بل ان ادجار فور رئيس وزراء فرسنا والمتوقع انه سيفوز في الانتخابات المقبلة التي تجري في 2 يناير – لم يكشف باعلان اتمام تنفيذ عقد الاسلحة، بل قرر ان تؤجل مصر دفع نصف المبلغ المستحق التسديد وتتحدث الدوائر العربية هنا، عن فشل جهود شاريت وزير خارجية اسرائيل، في الحصول على اسلحة من فرنسا، لقد اعلن شاريت في باريس انه لم يحضر اليها للحصول على اسلحة.. وهذا غير صحيح. بل انه قال لوزير خارجية فرنسا ان اسرائيل تطلب اسلحة اكثر من الاسلحة التي حصلت عليها مصر من تشيكوسلوفاكيا، تقديرا للقوة العددية التي تتفوق فيها مصر على اسرائيل..
وقال له وزير خارجية فرنسا: كنت افهم بامسبو شاريت ان تحضر ان هنا لتطلب مني ان اتوصل لحل الموقف بين مصر واسرائيل.. ولم اكن لاتوقع انك هنا لطلب المزيد من الاسلحة..
وفشلت كل محاولات شاريت.. ونجحت سياسة كمال عبد النبي السفير المصري الذي يشتغل بالدبلوماسية لاول مرة في حياته بعد ان تقلب في مناصب ادارية عديدة في وزارتي الداخلية والمالية المصرية..
ايدن يعتذر!
وفي البهو الواسع الانيق لفندق جراند اوثيل، العامر بأرشق الوان الجمال الفرنسي، التقيت بالدكتور محمد سليم والقائمقام المهندس سمير حلمي عضوي مجلس الانتاج. كانا قد قدما باريس من لندن منذ اربعة ايام وكانا يستعدان للعودة الى القاهرة عند الفجر. وقبل باريس كانا في لندن.
وقبل لندن كانا في واشنطن.. انهما لا يستقران في مكان منذ اعلنت الثورة عن تنفيذ مشروع السد العالي.. وفي عام واحد غاب سليم وحلمي عن مصر اكثر من ستة اشهر كاملة متنقلين بين عواصم العالم المختلفة.
كان سمير حلمي يقاوم النوم بصعوبة وانا اتحدث اليه في ليلة عيد البلاد وكانت الساعة لم تجاوز الثامنة مساء، اما الدكتور سليم فقد غفا فعلا اثناء الحديث!
- اين سهرتكما هذا المساء.. عيد الميلاد في باريس!
- يا عم.. احنا عاوزين ننام.. لقد امضينا اربعة اسابيع قاسية في واشنطن حيث انتهينا من مباحثات اشتراك امريكا في انشاء السد العالي وكان اول حديث ادلى به سمير حلمي الى مندوب النيويورك ثيمل عن المشروع العالمي، له رد فعل قوي في الدوائر الامريكية.
سئل: هل تعتقد ان العرض الروسي لانشاء السد العالي عرض جدي.
واجاب: بكل تأكيد.. انه عرض جدي.
وقال سمير ان المشروع سيتم لتنفيذ سواء اشتركت فيه امريكا او لم تشترك وانتهت المباحثات مع امريكا بالنجاح.
وقد قاما من باريس بنشاط اقتصادي ضخم، كان موضع اجتماعات عامة مع وزير  الاقتصاد الفرنسي، ستظهر اثارها في القاهرة والمحيط العالمي قريبا جدا.
وكانت مباحثات سمير وسليم في واشنطن قاسية عنيفة، وكان المعارضون الامريكان يقدمون كل يوم مفاجأت جديدة، وحدث ان تابع الاثنان العمل ليل نهار ثلاثة ايام متوالية بلا نوم.. فقد كانا يعدان نقط البحث طوال الليل لم يناقشان الوفد الامريكي فيها طوال النهار!
وفي لندن لمس بطلا قصة السد العالي، اللذان يعملان دائما بعيدا عن الاضواء، ان مصر اصبحت شيئا جديدا في ميدان السياسة البريطانية.
في اول اجتماع مع نائب رئيس وزراء بريطانيا.. كان اول ما سمعه ممثلو مصر، اعتذارا رقيقا بان الطبيب منع سير انطوني ايدين رئيس الوزراء من مغادرة فراشه ولولا هذا المنع الحازم، لما تردد رئيس الوزراء في الحضور للاجتماع بالوفد المصري!
ومرة ثانية في الاجتماع يستمر ماكميلان وزوير المالية.. كان الرجل يتحدث الى ممثلي مصر القوية، والابتسامة العريضة تملأ وجهه، والتقدير الضخم لمصر يبرز من كل كلماته.. والتمنيات العميقة بان بريطانيا تريد ان تبدأ صفحة جديدة ناصعة البياض مع مصر القوية المستقلة.. هي المقدمة الطبيعية لكل رأي يبديه.
احذر من الحلاق!
في غرفة المطبخ، من شقة صغيرة بها ثلاث حجرات فقط عند اطراف باريس البعيدة، تقف كل يوم سيدة مصرية انيقة، تعد الطعام لزوجها وطفلها، ولم اكن انا اتصور يوما ان تقف السيدة محاسن المغازي كريمة المغازي (باشا) بين الحلل والسمن واللحوم، تراقب"القدحة"حتى لا تشيط، وتخشى ان"يبوش"طبق الارز.. ولكنها اضطرت ان تمارس هذه التجربة التي اجادتها بعد اسبوع واحد من وصولها الى باريس مع زوجها الاستاذ محمود عبد القادر حمزة مدير مكتب السياحة المصري في العاصمة الفرنسية.. ولولا هذا لما استطاعت الاسرة الصغيرة ان تواجه الحياة في اغلى مدينة في العالم، ان اجرة الشقة الصغيرة مائة جنيه في الشهر!.. وهل تتصور انها لقطة! ان العامل الذي يغسل لك سيارتك بالماء يتقاضى منك 97 قرشا.. وهذا ما تفعله في مصر مقابل شلن واحد على الاكثر!
ساندويتش الجبن الذي تشتريه في مصر بقرشين او ثلاثة قروش، تاكله هنا بخمسة عشر قرشا! وقد اجريت اخيرا مسابقة بين المطاعم الفرنسية المتوسطة.. اعطيت فيها جائزة للطباخ الذي يقدم احسن الطعام بارخص التكاليف، ونالتها طباخة فرنسية قدمت طبقا قيمته 550 فرنكا اي ما يعادل 55 قرشا! الحجرة في فندق الدرجة الثالثة ايجارها في الليلة 140 قرشا قعطة"الجازئة"عند اي حلواني متوسط بثمانية قروش، علبة الكبريت الصغيرة قدمها لي الفندق باربعة قروش! والويل كل الويل لو ذهبت الى الحلاق وهذا ما وقع فيه صديق مصري.. بعد ان قص الحلاق شعره، سأله في ادب جم: هل اغسل لك شعرك ياسيدي بالماء؟.. فاجاب الصديق المصري على الفور: نعم.. وبعد ان اغرقه بالماء عاد ليسأله وهو اكثر ادبا وتلطفا: هل اجفف لك شعرك ياسيدي.. فاجاب الصديق: طبعا، وعند دفع الحساب اتضح ان غسل الشعر بالماء معناه 10 قروش، وتجفيفه من الماء معناه 10 قروش اخرى! وتكلف رأس صديقي تسعين قرشا!
ومساكين.. موظفو السفارة المصرية في باريس، ان مرتب وزير في مصر لا يكفي ان تعيش به كما يعيش موظف في الدرجة السادسة.. في هذه العاصمة التي تقدم لكل انسان كل مايريده الانسان، ولكن بالثمن القاتل.
الفيجارو تعتذر!
ومكتب السياحة المصري يحتل غرفتين متواضعتين تحلان على شارع الشانزليه الذي وصفه الاستاذ التابعي يوما بانه قطعة من الجنة هبطت على باريس، وكل دول العالم هنا تهتم بمكاتب السياحة، اهتماما خياليا الدانمرك تحتل عمارة باكملها في الشانزليه الدور الاول منها مجرد فاثر بنات لعرض النشرات السياحية، والدور الثاني مطعم تقدم فيه الوان الطعام الدانمركي ثم دور اخر لعرض منتجات ومصنوعات الدانمارك.. اسبانيا تحتل مكتب يمتد الى اكثر من 50 مترا، ولكن محمود عبد القادر حمزة مدير المكتب المصري يؤمن بان العمل الناجح يجب ان يبدأ صغيراً، وهذه الدول التي تصرف المبالغ الطائلة على مكاتب سياحتها تعمل في هذا المضمار منذ عشرات السنين.. وقد وصل المكتب المصري الى نتائج باهرة.. ان عدد السائحين الفرنسيين الى مصر كان في العام الماضي 8587 سائحا، وقد وصل عددهم هذا العام (1955) الى الضعف اي حوالي 15 الف سائح، وقد استطاع محمود حمزة ان يصل الى اتفاق مع مجلة"معارف الفنون" وهي من ارقى المجلات الفنية – على تنظيم رحلتين سياحيتين الى مصر، بين مشتركي هذه المجلة، وهم من الطبقة الفرنسية الرفيعة.
وفتحت ابواب الاذاعة الفرنسية للشاب المصري المتحدث باسم سياحة مصر، وتمكن من ان يذيع حديثا عن مصر كل اسبوع.
وحتى شهر مارس من العام الجديد ستصل الى مصر، بالاتفاق مع مكاتب السياحة في باريس 31 رحلة.
والدعاية الصهيونية لا تترك محمود حمزة ومعاونه الدكتور جورج فرنسيس يعملان في سلام.
لقد نشر المكتب المصري اعلانات للدعاية من مصر في جريدة الفيجارو، وهي اقوى جريدة يومية في فرنسا، واذا به يفاجأ بان الاعلان قد وضع تحت اعلان آخر عن مقالات سيكتبها احد محرري الجريدة عن اسرائيل! ولكن حمزة عرف كيف يحصل على اعتذار رسمي من الجريدة، ووعد قاطع بعدم نشر هذه المقالات المسمومة..
مفتاح الوجودية!
 زرت كهوف الليل في حي سان جرمان مهد الحركة الوجودية، وشاهدت المنزل المتواضع الذي كان يقطنه رائد الوجودية بول سارتر، وقال لي صديقي، كان يسكن هنا، زمان.. قبل ان يصبح مليونيرا في مؤلفاته، وكان يجب لكي احضر سهرة وجودية في احد هذه الكهوف ان احصل على"مفتاح".. فان الاعضاء الوجوديين فقط هم المصرح لهم بحضور السهرات الوجودية، وكل منهم معه مفتاح، يفتح به باب الكهف ويدخل في سلام ولم استطع ان احصل على مفتاح، ولكنني استطعت ان اعرف داخل الكهل بعد ان فتح بابه وجودي صيني، ولم يقل لي احد لماذا دخلت، ولكن احدا لم يتحدث الى طوال السهرة التي بدأت عند منتصف الليل.. واستطيع ان اقف الى جوار صديقي انيس منصور واؤكد لصديقه اللدود احمد قاسم جودة، ان كهف الوجوديين لا يختلف مطلقا عن اي كهف آخر في باريس، فمناظر الهيام والقبل واحتساء الخمر حتى الثمالة، والتحرر الجنسي التي شهدتها في الكهف الوجودي، هي هي التي تراها في شوارع العاصمة الفرنسية التي حلت المشكلة الجنسية بانها حاجة كالطعام والنوم يجب الا تقيد او يحرم منها انسان...
شات شات شاه!
كم يتمنى كثير من الشبان المصريين هنا، ان يصبغوا وجوههم باللون الاسود الفاحم، وينفخوا شفاههم، ويجمدوا شعورهم.. ان الزنوج هنا هم اسياد الموقف في ميادين النساء.. ولهم في حي سان ميشيل ناد ليل اسمه"اسود وابيض"صاحبه زنجي يشتغل في خدمته الفرنسيون البيض.. ولا تسمع في هذا النادي الا موسيقى، ولا تشاهد الا رقصا، ولا تأكل او تشرب الا خمرا.. ولكنك لن تندم على اي وقت تمضيه مع المواكب الراقصة العجيبة، كلهن شقراوات فاتنات تستطيع واحدة منهن فقط ان تعطل حركة المرور في جميع شوارع القاهرة.. وكلهم سود كالليل لا يبرق منهم الا بياض عيونهم واسنانهم.. والشقراوات الفاتنات مدلهات معذبات مرتميات على صدور السود السعداء بكبرياء رجولتهم المكتسحة.. وتدور الاسطوانات بالموسيقى الجديدة"شات شات شاه".. وترى السود راقصين ممتازين يعلمون شقراوات باريس كيف يكون الرقص..
وجلست الى واحد من هؤلاء السود السنغال، انه يدرس الطب في باريس ويجيد الفرنسية كاحد ابنائها.. قال لي انه مسلم، وقرأ لي الفاتحة تماما كما يمكن ان يقرأها فرنسي امضى في القاهرة اسبوعا او اسبوعين التقط خلالهما بعض العبارات العربية.. وضحكت وضحك.. وقال لي انه يصرف لماذا اضحك ولكن الذنب لا يقع عليه، ثم استدرك قائلا وهو يصيح في مرح: ولكننا هنا لنتمتع بالحياة.. هيا الى الرقص.. شات شات شاه..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية