العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :69
من الضيوف : 69
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31809606
عدد الزيارات اليوم : 14160
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


التعددية في المجتمع البريطاني..قراءة نقدية في ثلاثية العزلة والتأقلم والذوبان

لندن / عدنان حسين أحمد
صدر  عن"دار الحكمة"بلندن كتاب"التعددية في المجتمع البريطاني مع دراسة ميدانية  خاصة بالجالية العراقية في لندن"للباحث عبد الحسين صالح الطائي. وهذا البحث  هو أطروحة أكاديمية قدّمها الطائي للجامعة العالمية للعلوم الإسلامية  بلندن ونال عنها درجة الدكتوراه في 22 / 8 / 2012.


ينقسم الكتاب إلى بابين حيث يضم الباب الأول"أصول فلسفة التعددية"أما الباب الثاني فيتناول موضوع"الجالية العراقية بلندن". يشتمل الباب الأول على ثلاثة فصول وهي"الإطار المنهجي والنظري للدراسة"،"مراحل تطوّر مفهوم التعددية"و"أنواع التعددية". فيما يتألف الباب الثاني من فصلين حيث يضم الفصل الأول"العلاقات بين بريطانيا والعراق"فيما يتناول الفصل الثاني"الدراسة الميدانية الخاصة بالجالية العراقية بلندن"ويتألف هذا الفصل من تسعة مباحث رئيسة وهي"خصائص عيّنة البحث"،"الهجرة"،"الجالية العراقية"،"التعددية الثقافية والسياسية"،"الاندماج"،"المشاركة السياسية"،"النشاطات"،"العلاقات الاجتماعية"و"الديانة". كما يشتمل البحث على خاتمة، ونتائح الدراسة العامة والتوصيات، إضافة إلى المصادر العربية والإنكليزية.
إرساء التعددية
لا شك في أن الطائي قد شيّد هيكلية هذا الكتاب على ركنين أساسيين وهما التعددية في المجتمع البريطاني من جهة والجالية العراقية بلندن من جهة ثانية، ولكنه توسّع في منهجه البحثي إلى درجة الإسهاب التي أوقعته في"مطّب"الإفاضة والتكرار في كلا البابين الرئيسين وكان بإمكانه أن يلجأ إلى المقصّ النقدي ليشذّب كل الزوائد والتورمات التي أثقلت كاهل البحث الذي يُفترض أن يكون رشيقاً وسليماً ومعافى من مرض الإطناب الذي لا يفضي إلّا إلى الرتابة والملل بينما يقتضي البحث العلمي الإيجاز والأدلة الدامغة التي يستحسن أن تُصاغ بتقنية"ما قلَّ ودل".
يناقش المَبْحث الأول من الفصل الأول"فلسفة التعددية"التي استلهمها من أربعة فلاسفة مشهورين وهم هوبْز ولوك ومونتسكيو وروسو، حيث كان هوبْز يفضِّل السلطة المطلقة التي يمثلها الحاكم. ويهاجم الكنيسة هجوماً عنيفاً، ويرى أن الكنيسة يجب أن تخضع للدولة، وأن الملِك يجب أن يجمع بين السلطتين السياسية والدينية. أما جون لوك فيرفض السلطة المطلقة التي نادى بها هوبْز، ويسمح بالثورة إذا عجز الملِك عن الحفاظ على حرية شعبه، كما يؤكد على فصل الدين عن السياسة، فالسياسة للجميع والدين للأفراد، وليس من سلطة الدولة أن تتدخل في الشؤون الدينية للأفراد، وهذا يعني من بين ما يعنيه قبول الآخر والاعتراف به. أما مونتسكيو فقد أكدّ على أن العقد هو اتفاق الفرد مع الآخرين لتكوين المجتمع، ويُلزم الفرد باحترام رأي الغالبية والخضوع له، كما أنه يمجِّد الحرية ويسعى إليها. فيما يذهب روسو إلى أن الإرادة العامة هي أساس العقد الاجتماعي.
يرى الطائي أن آثار التعددية تتمثل في خمس نقاط أساسية وهي"الآثار الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والفلسفية وآثار الفكر الاشتراكي"حيث حصر الآثار الفكرية بثلاثة فلاسفة وهم لوثر الذي رفض صكوك الغفران وسعى إلى خلاص الإنسان من هيمنة الكنيسة. وأدموند بيرك الذي اعترف بأهمية الرأي العام واعتبره أقوى سند للدولة، كما أطلق على الإعلام تسمية"السلطة الرابعة". أما الفيلسوف الثالث فهو جيرمي بنثام الذي دعا إلى إلغاء مجلس اللوردات، وطالب بإلغاء النظام الملكي وإبعاد كنيسة إنكلترا عن الشؤون السياسية.
أما الآثار الفكرية فقد حصرها الطائي بفيلسوفين مهمين وهما بنجامين فرانكلين الذي يُعّد ممثل التنوير الأميركي في الدفاع عن استقلال الولايات المتحدة الأميركية ومناداته بإلغاء الرق ودعوته إلى المساواة بين المواطنين، كما تجدر بنا الإشارة إلى اهتمامه بالعلم والتكنولوجيا حيث ساهم في فهم المجال الكهربائي، واختراع مانعة الصواعق، وأثبت أن البرق هو الانحلال الكهربائي، وله مساهمات أخرى في تنظيم الأنشطة العامة مثل المكتبة العامة والشرطة والإطفاء. أما الفيلسوف الثالث فهو جون ستيوارت ميل الذي اقترح تعميم التعليم وجعله إلزامياً ومجانيا.
حصر الطائي الآثار الاجتماعية بستة فلاسفة وهم دينس ديدرو الذي كرّس نضاله ضدّ طغيان الإقطاع ودافع عن الملكية المستنيرة. وسكوفورودا الفيلسوف الديمقراطي التنويري والشاعر الأوكراييني الذي تألق في نقده للكهنوت والعقائد القطعية، كما دعا إلى اكتساب العلم والقضاء على الجهل، ويرى بأنّ إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الفرد. ولسينغ أفرايم الذي كان حلقة الوصل من التنوير في فلسفة الفن إلى التنوير في فلسفة التاريخ. وكوندرسيه الذي نقد الدين على أساس الربوبية وحركة التنوير. وهو القائل بأن المعرفة ترجع إلى الحواس. ويرى حرية التفكير بأنها أغلى حق طبيعي، وقد أسهمت أفكاره في فضح أساليب رجال الدين والسحرة والمشعوذين. أما إيمانويل جوزيف سيس الذي ساهمت كتاباته في إشعال الثورة الفرنسية فهو الذي شبّه القانون بمركز كرة كبيرة وكل المواطنين يقفون على أبعاد متساوية من المركز. الشخصية السادسة هي برتراند رسل الذي دافع عن السلام ووقف ضد الحرب فقد أقام محكمة للضمير العالمي بغية محاكمة مجرمي الحرب في كل مكان، لكن هذا الموقف لم يمنع من مساندته للحرب الثانية بحجة أنها موجهة ضد قوى شريرة!
تتبّع الطائي الآثار الفلسفية عند ثلاثة كُتّاب وفلاسفة معروفين وهم فولتير وروسو ومونتسكيو، حيث انصبّ اهتمام فولتير على تجسيد فكرة التسامح الديني، وقد وضع المسيحية في إطار تاريخ الأديان، ونزع عنها قدسيتها. أما روسو ومونتسكيو فقد أشرنا إليهما في المبحث الأول. وفيما يتعلق بالفكر الاشتراكي الذي نشأ في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فقد أكدّ على الملكية الجماعية، والعدالة الاجتماعية، وضرورة تأسيس المجتمع العقلاني، كما منح الشعب حق الثورة إذا كان يعاني من الاستبداد وظلم القوانين وقد انتقى الباحث ثلاثة مفكرين وهم راديشيف وبافوف وكارل ماركس حيث دعا الأول لثورة الشعوب للخلاص من ظلم الملوك، فيما حاول الثاني تطبيق الفكر الاشتراكي وتحويله إلى ثورة على الثورة، أما الثالث فقد دعا إلى العلم والتكنولوجيا والصناعة.
تضمن المبحث الثالث قوانين الإصلاح العديدة لعل أبرزها إلغاء قانون الاسترقاق الذي نجح في تحقيقه رئيس الوزراء جارلس جيمس فوكس عام 1807، ثم صدر قانون آخر يفعِّل قانون الإلغاء عام 1811، ثم تُوِّج بقانون آخر صدر عام 1833 يلغي الاسترقاق في جميع المستعمرات البريطانية. كما يجب الإشارة إلى أن قانون تمثيل الشعب قد أعطى المرأة حق التصويت عام 1918 وأن تكون عضواً في مجلس العموم.
لا شك في أن الصراع الطويل للفلاسفة والأدباء والكُتّاب والمفكرين مع أركان السلطة على مرّ العصور قد أسفر في خاتمة المطاف عن إحلال النظام اللامركزي محل السلطة المطلقة ثم توصل أخيراً إلى دولة الرفاه الاجتماعي التي ترتكز على التعليم المجاني، والعلاج المجاني، والتأمين الاجتماعي. وعلى الرغم من أنّ الحكم الملكي هو أقدم أنظمة الحكم المعروفة في التاريخ إلا أن هذا الحكم قد اتخذ أربعة أشكال كما حدّدها الطائي وهي الحكم الملكي المطلق، والحكم الملكي المقيّد أو الدستوري، والحكم الملكي الوراثي، والحكم الملكي الانتخابي. وجدير ذكره في هذا الصدد أن بريطانيا لا تمتلك دستوراً مكتوباً بخلاف الولايات المتحدة الأميركية والهند اللتين تتوفران على دستور مكتوب، لكنه قابل للتعديل بين أوانٍ وآخر.
توقف الطائي طويلاً عند نشأة الأحزاب السياسية البريطانية ودورها في إدارة المملكة العظمى على مدى عقود طويلة وقد أوفى الباحث هذه الأحزاب حقها، فقد تحدث عن حزب المحافظين، والعمّال، والديمقراطيين الأحرار، والحزب الوطني البريطاني، وبيّن بوضوح أهداف هذه الأحزاب وبرامجها الحالية والمستقبلية. ولا يمكننا بطبيعة الحال الوقوف بشكل تفصيلي عند هذه الأحزاب الأربعة، لكننا سنمر على أبرز المحطات الرئيسة فيها حيث أشار الباحث إلى أن البذرة الأولى لهذه الأحزاب قد نشأت عن انقسام مجلس العموم في عهد الملك جارلس الأول (1625-1649) وتطوّر هذا الموقف إلى صراع بين الملك والبرلمان الأمر الذي أفضى إلى القبض على الملك ومحاكمته من قبل البرلمان والحكم عليه بالإعدام!
ذكرَ الباحث بأن النظام البرلماني في المملكة المتحدة قد مرّ بثلاث مراحل أساسية وهي ملَكية مُطلقة، وجود نوع من المجالس إلى جوار الملَكية، ثم وجود برلمان منتخب. ثم تابع حديثه عن الأحزاب البريطانية الرئيسة في المملكة المتحدة وعلى رأسها حزب المحافظين الذي أُشتُق من مصطلح"التوري"في منتصف القرن السابع عشر وأغلب أعضائه من الإقطاعيين والإرستقراطيين الزراعيين ورجال الدين. وقد أُستعملت هذه الكلمة أول مرة عام 1679م. لقد انبثق حزب المحافظين من حزب"التوري"في القرن التاسع، أي عام 1830 على وجه التحديد. ثم تتبّع القادة السياسيون الذين تسنموا سدة الحكم  منذ ونستون تشرشل حتى ديفيد كاميرون الذي فاز في انتخابات 2010 مشكِّلاً حكومته الإئتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار. كما تتبع الباحث حزب العمال منذ انتخاب"29"عضواً منه في البرلمان عام 1906 مروراً بأبرز قادته وصولاً إلى غوردون براون الذي خسر في انتخابات 2010 أمام منافِسه ديفيد كاميرون.
سلّط الباحث الضوء على حزب الديمقراطيين الأحرار الذي يتحدر من مجموعة الـ"ويك"والذي يتألف من البيوريتان والبرجوازيين والتجار ورجال الصناعة الذين أيدوا الثورة ضد جارلس الأول ودعوا إلى الإصلاح البرلماني وإلغاء الامتيازات الدينية والمدنية وإقامة التجارة الحرة. وفي عام 1830 أصبح اسم الحزب"الأحرار". توقف الطائي عند انتخابات عام 1997 لأن الديمقراطيين الأحرار استطاعوا إزاحة المحافظين إلى المرتبة الثالثة بعد أن حصلوا على"55"مقعدا في المجالس المحلية. وحينما عارضوا غزو العراق عام 2003 حصلوا على"52"مقعدا في البرلمان، ثم"62"مقعداً في انتخابات 2005 حيث تولى تشارلز كينيدي قيادة الحزب، لكنه أُجبر على الاستقالة فتولى نيك كليغ زعامة الحزب عام 2007، ثم بدأ يستقطب جمهوراً واسعاً في المناظرات التلفازية التي جمعته مع غوردون براون وديفيد كاميرون.
أما الحزب الرابع والأخير الذي حظي بعناية الباحث فهو الحزب الوطني البريطاني الذي أُسس عام 1982 من أجل"بريطانيا بيضاء". فهذا الحزب العنصري لا يؤمن بالتعددية، ويحرِّض ضد الأجانب، ويدعي بأن الملايين من البريطانيين بدون عمل، ويُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، بينما تُغدق امتيازات السكن والعمل والمنافع الأخرى على اللاجئين الأجانب. وقد طلبت محكمة لندن من الحزب الوطني البريطاني العنصري احترام القانون الذي لا يجيز التمييز بين الناس على أساس اللون والعرق والدين والجنسية بضرورة تغيير نظامه الداخلي وجعل العضوية مفتوحة لغير البيض أيضاً. وجدير ذكره أن هذا التطور لم يأتِ عن قناعة، وإنما خشية من دعوى قضائية قد ترفعها لجنة المساواة وحقوق الإنسان لأنه تمييز يقوم على أساس لون البشرة! ومعروف أن هذا الحزب العنصري قد اعتبر المسلمين"تنّيناً وشيطاناً على الأرض البريطانية".
 تشير الأبحات والدراسات الرسمية بأن قطاع المستشفيات قد صرف مبلغ"15"مليون جنيه إسترليني على الترجمة فقط لمختلف مرضى الجاليات الذين يتكلمون"140"لغة، بينما صرفت الشرطة"82"مليون جنيه إسترليني لأن هناك أكثر من"300"لغة يتداولها الناس بلندن تحديداً وفي عموم المدن البريطانية الأخرى.

التعددية الثقافية في بريطانيا
ذكرَ الطائي غير مرة في متن هذا البحث بأن بريطانيا هي دولة متعددة الأقوام تتكون من أربع أمم متحدة وهي"إنكلترا، آيرلندا الشمالية، أسكتلندا وويلز"، لكنه أوضح كعادته بأن بريطانيا قد عرفت"مزيجاً من السلتيين والنرويجيين والساكسونيين والنورمانديين والهولنديين والهوغونو واليهود والإيطاليين والبولونيين والأوكراينيين والمهاجرين من جزر الكاريبي والعرب والأتراك والباكستانيين والهنود والفيتناميين"الأمر الذي ساهم في تكريس التعددية الثقافية والدينية والاجتماعية، فلاغرابة أن يتحول عدد غير قليل من البريطانيين إلى الإسلام، فخلال العقد الماضي، تمثيلاً لا حصراً، بلغ عدد المتحولين إلى الإسلام"5200"مواطناً في السنة، بينما بلغ عدد المتحولين إلى الإسلام منذ 2001 وحتى الآن نحو"60,699"مواطن، وهو رقم كبير يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار.
أما مصادر التعددية فقد حصرها الطائي بتسع نقاط نوردها كالآتي:"الدراسة، السياحة، الاقتصاد، الرعاية الصحية، الحركات الفكرية والفنية، الاختلاف الفكري، الانفتاح، الرياضة والهجرة". ثم تطرق الباحث إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا وبريطانيا على حد سواء، وقد توصلت هذه الأحزاب المتطرفة إلى فشل التعددية الثقافية في ألمانيا وبريطانيا على حد سواء.

المسلمون في أوروبا
كدأب الطائي دائماً فقد تتبع بشيء من التفصيل المراحل الزمنية التي تواجد فيها المسلمون في أوروبا على وجه التحديد وحصرها بثلاث مراحل وهي: حقبة إسبانيا والحكم الإسلامي لصقلية وجنوب إيطاليا، ومرحلة انتشار جيش المغول خلال القرن الثالث عشر على ضفاف نهر الفولغا، شمالي البحر الأسود وجنوب قزوين نزولاً باتجاه القوقاز والقرم ثم في أرجاء الإمبراطورية الروسية حيث جاب الجنود والتجار تلك الأصقاع، ثم في فنلندا وبولندا وأكرايينا. أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي مرحلة الانتشار العثماني في البلقان وأوروبا الوسطى التي تتضمن بلغاريا ويوغسلافيا ورومانيا واليونان. أما في العقود الأخيرة من القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة فقد شهدت أوروبا مدّاً إسلامياً كبيراً برزت فيه بعض المظاهر التي لا تتلاءم مع قيم الثقافة الأوروبية من بينها ارتداء النقاب أو الحجاب الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية لإصدار قرار منع ارتداء النقاب والحجاب، وقد دخل هذا الحظر حيّز التنفيذ في 2 / 4 / 2011 حيث تغرّم بموجبه النساء مرتديات الحجاب في الشوارع والأماكن العامة والدوائر الرسمية مبلغ"150"يورو، فيما يُغرّم من يجبر امرأة على ارتداء النقاب مبلغ"30"ألف يورو ويسجن لمدة سنة. وقد اعتبر البعض هذا القرار تدخلاً سافراً في القناعات الدينية، لكن البعض الآخر رأى هذا القرار من منظار آخر حيث أعتبروا فيه المنقبّة كائناً محجوباً يراك ولا تراه وقد يرتكب"المنقَّب"بعض المخالفات القانونية متخفياً بزي امرأة منقبّة.

الجالية الإسلامية في بريطانيا
لم يفلح الطائي في الوصول إلى بعض المسائل الدقيقة، ليس لقصور فيه، وإنما لاختلاف البيانات والأرقام والإحصاءات الرسمية وغير الرسمية، ومن بين هذه المسائل نذكر عدد أفراد الجاليات العربية والإسلامية وعلى رأسها الجالية العراقية التي سيخصص لها الباحث باباً كاملاً، وعدد الملسمين في بريطانياً على وجه التحديد، إضافة إلى عدد الجوامع الإسلامية في عموم مدن المملكة المتحدة. ومع ذلك فقد توصل الباحث إلى ثلاثة أرقام تشير إلى عدد المسلمين في بريطانيا، فبحسب كتاب"الأديان "نقرأ الرقم "1.591.126" مسلم حسب إحصاء 2001. أما كتاب"الإسلام في أوروبا"فيشير إلى الرقم"533.000"ألف مسلم عام 1981، ومليون مسلم عام 1991، و"1.600.000"مسلم عام 2001، كما لم نعرف عدد أفراد الجاليات العالمية القادمة من مختلف بلدان العالم. ولابد أن يكون الرقم الأخير متوفراً لدى الجهات الرسمية المعنية بشؤون اللجوء والهجرة. ومع ذلك فقد قدر الباحث بأن عدد اللاجئين العراقيين يصل إلى"100.000"مواطن عراقي، سبعون ألف منهم يسكنون العاصمة لندن، فيما يتوزع البقية على مختلف المدن البريطانية الأخرى.
لا يقتصر الاختلاف على عدد نفوس الجاليات العربية والإسلامية وإنما يمتد إلى عدد المساجد، فقد ذكر الطائي بأن أول مسجد شيّد في عام 1761 في سري من قبل المعماري البريطاني سير وليام تشامبرز، ولكنه نسي تشيّيد المحراب! وفي سنة 1912 أفتُتح أول مسجد في كاردف.  ولم يصل عدد المساجد إلى تسعة في المملكة المتحدة حتى عام 1961، لكن هذا الرقم قفز منذ عام 1966 حتى عام 1974 إلى"81"مسجدا. ثم تضاعف هذا العدد عام 1981 ليصبح"203"مساجد. أما دراسة جامعة كيمبرج فتقول أن عدد المساجد يقدّر بعشرة عام 1945، لكن هذا العدد ازداد عام 1989 ليصبح"329"مسجدا، ثم ارتفع هذا العدد إلى"1493"مسجدا في عام 2003. أما عدد المسلمين فيصل إلى"1.600.000"مسلم وهذا يعني أن هناك مسجداً لكل"1.071"مسلم في بريطانيا. كما ناقش الباحث عدداً من المظاهر الإسلامية في بريطانيا دارساً فيها عزلة بعض المسلمين أو اندماج البعض الآخر منهم أو وقوع البعض الثالث في إشكالية الهُوية الموزعة بين الانتماء إلى الوطن الأم أو الولاء للبلد المانح لحق اللجوء.
لا شك في أن الباب الثاني من هذا الكتاب يحتاج إلى دراسة منفردة تغطي مجمل الفصول والمباحث التي وردت فيه، لكننا يجب أن نشير سلفاً إلى أن الباحث عبد الحسين صالح الطائي قد بذل جهداً علمياً كبيراً يستحق الثناء والتقدير لأنه فحص التعددية في المجتمع البريطاني بعين منهجية محايدة تهدف إلى الوصول للحقيقة أو ملامسة جانب منها في الأقل.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية