العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :55
من الضيوف : 55
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31857099
عدد الزيارات اليوم : 16935
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


الروايـــــــــة وشذرات الفلاسفـــــــة

عبد الباقــي يوســــف
استطاعت  الروايـــة أن تستقطب أعمدة الفلسفة في العالم لتغتني بأفكار فلسفية بالغة  الأهمية، ذلك أن العمل الروائي يمكنه أن يكون أرضاً خصبة لغرس هذه  الأفكار.
لكن هذه المغامرة من قبل هؤلاء بدت شديدة الحساسية والدقة، إذ  يمكن لرواية متواضعة أن تأتي على تاريخ هذا الفيلسوف وتجعله مهزلة، ذلك أن  قارئ الرواية التي يخوض غمارها الفيلسوف الكبير الذي يتمتع بشعبية جيدة،  يأمل لديه أكثر ما يأمله لدى الروائي .


لذلك كانت محاولات نادرة بحيث يكتفي الفيلسوف بتجربة روائية واحدة، أو أكثر بقليل، بيد أن هذه التجارب الروائية  استطاعت في جوانب عديدة منها أن تضفي على التاريخ الروائي  شذرات فلسفية .
إضافة إلى ذلك فقد اكتفى بعض الفلاسفة ببعض القراءات الفلسفية لأعمال روائية ، والكتابة عنها من منظور فلسفي.
يقول د. هـ. لورانس عن مهمته الروائية:  (بما أنني روائي, فإنني أعد نفسي أسمى درجة من القديس والعالم والفيلسوف والشاعر، فالرواية هي كتاب الحياة المشع).
ويقول الناقد لايونل تريلنيج: (إن الرواية بحث مستمر وميدان بحثها هو العالم الاجتماعي, ومادة تحليلها هي عادات الناس التي تتخذ دليلا على الاتجاه الذي تسير فيه نفس الإنسان).
ثمة رواية وحيدة كتبها الفيلسوف برتراند راسل  أسماها /  الشيطان في الضواحي / يبين فيها أن الشياطين تسكن في تجمعات الناس إلى جانب الملائكة، ولذلك يفتح الطبيب عيادة في أحد الأحياء الشعبية ويطلب من المرضى أن يرتكبوا بعض الأخطاء حتى يتماثلوا للشفاء .
كما أن  ألبير كامو كتب رواية  / الغريب / التي حملت جانباً من فلسفته.
هذه الأعمال التي استطاعت أن تضيف غنى إلى الجنس الروائي.

جان بول سارتر   

كان سارتر من قرّاء الأعمال الروائية ، ويقرأ هذه الأعمال وفق تأويل فلسفي وجودي، وعندما يقرأ المرء مقالة له عن الرواية يدرك مدى قراءاته لهذا الجنس الأدبي، كما يدرك منهجه التأويلي في تلقي هذه النصوص الرواية، ولعل خير دليل على ذلك كتابته لمقدمة رواية / صورة لمجهول / لـ ناتالي ساروت حيث يقول فيها: يبدو أن ناتالي ساروت تميز ما بين ثلاثة أفلاك من العمومية: فلك الطبع، فلك المكان العام الأخلاقي، فلك الفن، وبالدقة فلك الرواية. فإذا جعلت من نفسي ذلك الشخص الخير الفظ، كما هو عليه الأب في"صورة لمجهول"أكون ضمن الفلك الأول؛ لكن إذا ما صرحت، حينما يرفض أب أعطاء بنته نقوداً، مثلاً:"أليس من التعاسة أن يرى المرء ذلك؛ ثم يأتيك أحدهم ليقول بأنه لا يملك شيئاً في العالم سواها... آه، ولا يأخذها معه"، فأني أضع نفسي في الفلك الثاني، فيما سأكون ضمن النطاق الثالث إذا ما قلت عن فتاة بأنها"تنغارا"Tanagra، وعن مشهد طبيعي بأن ذلك هو"كوروت"Corot، وعن قصة عائلية بأنها قصة بلزاكية. كذلك سيصدقني ويفهمني أولئك الذين يعرفون جيداً هذه الميادين، وحينما يتبنون موقفي، حكمي وطريقتي بالفهم، يكونون قد منحوها خاصية مقدسة. فلأني أصبحت موضع طمأنينة للآخرين، ولنفسي أيضاً، بلجوئي إلى تلك المنطقة المحايدة والعامة والتي هي ليست بالدقة الموضوعية، طالما أني دخلتها بمرسوم، ولا هي بالذاتية أيضاً، مادام بإمكان الجميع أن يصلني فيها ويتعرف على نفسه من خلالها، لذا قد يكون بمقدورنا تسميتها في آن معاً بذاتية الموضوعي وموضوعية الذاتي. فمادمت أتظاهر بأني لست سوى هذا، ولأني أرفض أن تكون لي مناطقي الخاصة، يُسمح لي، على هذا الصعيد، أن أثرثر، أتحرك، أسخط، أكشف عن"طبعي"وحتى في أن أكون"أصيلاً"، أي أني أضم الأماكن العامة بطريقة غريبة لنفسي: هناك، في الحقيقة،"تناقضات عامة". وعلى أية حال، سيتركون لي فرصة أن أكون ذاتياً ضمن حدود الموضوعية. وكلما أصبحت ذاتياً ضمن تلك الحدود الضيقة، كلما أولوني اهتماماً أكبر: أكشف عن هذا الطريق بأن الذاتي هو لا شيء، ومن ثم لا ينبغي التخوف منه.
في عملها الأول، "انتحاءات"Tropismes  كانت ناتالي ساروت قد أظهرت لنا سلفاً كيف أن النساء يمضين حياتهن في مشاركة العام ذاك: كن يتحدثن:"كانت بينهم مشاهد تثير الشفقة، عراك من أجل لا شيء. يجب عليَّ القول بأني أشفق عليه هو في نهاية المطاف. كم؟ لكن على الأقل مليونين. إذ لا شيء سوى ما ورثته العمة"جوزفين"... كلا... ما الذي تشاؤه؟ أنه لن يتزوجها. انه بحاجة إلى امرأة تظل في الداخل، لكنه لا ينتبه هو نفسه لهذا. لكن كلا، كما قلت لكم. أنه بحاجة إلى امرأة تبقى في الداخل... في الداخل... في الداخل..."لقد قالوا لهم ذلك دائماً من قبل. وهن قد سمعنا هذا يُقال لهن دائماً، وكن يعرفن ذلك: العواطف، الحب، الحياة، ذلك هو ميدانهن الخاصة. أنه ينتمي لهن".
هناك الهروب داخل المواد التي تعكس بهدوء الكوني والدائم، الهروب في الانشغالات اليومية، والهروب ضمن ما هو بائس. لا أعرف صفحات أكثر إثارة من تلك التي تُظهر"العجوز"الذي يهرب في اللحظة الأخيرة من قلقه حيال الموت، وذلك برمي نفسه، بقدميه العاريتين وقميصه، في المطبخ ليتحقق إذا ما كانت ابنته قد سرقت منه الصابون.

لقد ركّز سارتر على كيفية قيام المرأة بتقديم صورة عن سيكولوجية الأنثى بشكل عام، وبالتالي مفهومها للعديد من مقومات الحياة التي تختلف عن مفهوم الرجل، وبذلك تحقق المرأة خصوصيتها كأنثى، وتحقق كذلك غنى لمنظومة المعرفة البشرية.
يقول سارتر:
 تتمتع ناتالي ساروت برؤية جِبلُيةً لكوننا الداخلي: لترفعوا صخرة المكان العام، وستجدون تحتها السكب، الزبد، المخاط، الحركات المترددة، والأشياء المتمورة. كذلك فأن لغتها من الثراء الذي لا يمكن مقارنته لكي توحي لنا بذلك الدبيب الهارب من المركز للإكسيرات اللزجة والحية"وكأنها نوع من الزبد اللاصق، كانت أفكارهم قد أنسلت فيه، التصقت به، وملأته داخلياً""الانتحاءات ص 11". وإليكم المرأة-الفتاة الخالصة"صامتة تحت ضوء المصباح، وكأنها نبتة هشة وناعمة تحت بحرية مكتظة بالمحاجم المتحركة"(نفس المصدر ص 50). ما تتلمسه تلك الهروبات، المخجلة، التي لا تجرؤ على الكشف عن اسمها، هو أيضاً العلاقات بالآخرين. وهكذا فأن النقاش المقدس، التبادل الطقوسي للعموميات، يُخفي"نقاش تحتي"(sous-conversation) تتلامس فيه المحاجم، يلحس واحدها الآخر، ويمصه. ثمة أولاً الشعور بعدم الراحة: إذا ما شككت بأنك ليس ببساطة وكلية ذلك الشيء العام الذي تدعيه، فسوف تستفيق جميع أشباحي الرخوة؛ وسيتملكني الخوف:"كانت متكورة في زاوية من الكرسي، وهي تبرم رقبتها المشدودة، وعيناها ناتئتان:"نعم، نعم، نعم"، قالت، وهي تؤكد على كلمة من جملتها بهزة من رأسها. كانت مفزعةُ، رقيقة ومسطحة، ناعمة تماماً، وعيناها وحدهما كانتا بارزتين. كان فيها شيء مُقلق، محير وكانت رقتها مُهددةٌ. كانت تشعر بأنه ينبغي عليها بأي ثمن إعادتها إلى مكانها، تهدئتها، لكن لا يمكن لأحد القيام بذلك ما لم يكن يتمتع بقوة فوق طبيعية... كان خائفاً، كان على وشك الجنون، وما كان عليه تضييع أية لحظة لكي يفكر، حتى يتأمل. شرع بالكلام، بالكلام دون توقف، بقول أي شيء، كل ما يخطر بباله، ثم صار يتلوى (كما تتلوى الأفعى أمام الموسيقى؟ كالعصافير أما ثعبان صل؟ ما عاد يعرف)، بسرعة، بعجلة، دون أن يتوقف، دون تضييع لحظة، بسرعة، بعجل، قبل فوات الأوان، للسيطرة عليها، لتملقها"(نفس المصدر، ص 35). تزدحم كتب ناتالي ساروت بأشكال الرعب هذه: يتكلم أحدهم، ومن ثم سينفجر شيء ما، ليضيء فجأة العمق المُتعفن للروح وسيشعر كل واحد بوحل حركات روحه. لكن كلا: لقد تمّ أبعاد مصدر التهديد، وجرى تفادي الخطر، ومن ثم شرعوا بهدوء بتبادل احاديثهم العامة. ومع ذلك، تنهار أحياناً هذه الأخيرة ويظهر الرعب العاري الجبلي protoplasmique:"بدا لهم بأن محيطاتهم تنهد، وتتمدد في جميع الاتجاهات، وتتكسر الأقحاف والواقيات من كل جهة، أنهم الآن عراة، دون حماية، وها هم ينزلقون يلتصق الواحد منهم بالآخر، يهبطون وكأنهم ينزلون في بئر... هنا، حيث ينزل هو الآن، وكأنه ينزلق في ممر تحت بحري، كذلك تبدو جميع الأشياء مُهتزةً، تتـأرجح، وكأنها غير حقيقية ودقيقة، كالأشياء التي تظهر في كابوس، تتبخر، وتأخذ أحجاماً غريبة... كتلة ضخمة تضغط عليها، تسحقها... تحاول برعونة تخليص نفسها نوعاً ما، تسمع صوتها هي بالذات، صوت غريب ومحايد للغاية...". وبالرغم من ذلك لا شيء يحدث: لا يحدث أي شيء أبداً. فالمتحاورون ينزلون، باتفاق الكل، ستار العمومية على ذلك الخلل المُباغت.
وينتهي سارتر في مقدمته إلى القول:
أن أفضل ما في ناتالي ساروت هو أسلوبها المُتعثر، المُتلمس، والنزيه تماماً، المليء بالندم، والذي يقترب من موضوعه بكل المحاذير الورعة، لكنه لا يتراجع باسم عفة أو حياء ما أمام تعقيد الأشياء، فهو يُقدم لنا بغتة في النهاية المسخ المخاطي كما هو، ومن دون أن يلمسه تقريباً، وذلك بفضل الصورة السحرية. هل ينتمي للبسيكولوجيا؟ ربما كانت ناتالي ساروت، المعجبة الكبرى بديستويفسكي، ترغب في جعلنا نعتقد ذلك. بالنسبة لي، كنت أظن أثناء قراءتي له بأني أتشوف فيه صدقاً زائغاً، فبكشفها عن ذلك الذهاب والإياب الذي لا ينقطع ما بين الخاص والعام، ومحاولتها رسم عالم مطمئن ومُخيب، تكون قد وضعت تقنية تسمح، بذهابها إلى ما هو وراء البسيكولوجيا، بلوغ الواقع الإنساني، بوجوده ذاته.

أندريـــــه جيد

ترك أندريه جيد العديد من الأعمال الروائية المتميزة التي تركت بصمتها الواضحة في تاريخ الرواية، وهنا سأركز على جوهر فكرته الفلسفية من خلال قراءتي لروايته / السامفونيا الراعوية /. هذه الرواية التي يتغلغل السرد بين صفحاتها ويغري القارئ لمتابعة القراءة إلى نهاية السطر الأخير منها.

يطرح أندريه جيد في روايته الموجزة هذه فكرة بالغة الأهمية تركز على حساسية العلاقة بين الواقع والخيال، وتكمن جمالية وقيمة هذه الرواية في فكرة التصادم الحسي بين الخيال والواقع.
تبدأ الرواية على النحو التالي :  وفيما كنت عائدا من لاشودي فون وافتني ابنة صغيرة , لم يسبق لي أن عرفتها , تدعوني إلى الإسراع في الحضور لدى امرأة عجوز مسكينة , تحتضر على بعد سبعة كيلو مترات.. كانت الشمس تغيب , وكنا نسير وسط الظلام  , حين أشارت دليلتي الصغيرة إلى كوخ قش على سفح تل كأن لا بشر فيه لولا سحابة ضئيلة من الدخان تتصاعد منه.
ربطت جوادي إلى شجرة تفاح قريبة ثم انضممت إلى الابنة في الحجرة المظلمة حيث لفظت العجوز أنفاسها قبل لحظات. ص 7 - 8.

 بغتة يلمح الراوي جسما في زاوية مظلمة ,  يدنو ,  فيقع على شكل إنسان.
رفع الجسد وكان عبارة عن مجموعة من الأعضاء المتسخة.  في غمرة الدهشة استطاع أن يميز بأنها فتاة ,  وعرف من دليلته بأنها ابنة المرأة العجوز التي ماتت قبل قليل.
وهي امرأة كانت  صماء وخرساء،  وقد حكمت على ابنتها هذه عدم الخروج من البيت طوال عمرها الذي بلغ الآن الخامسة عشرة , وعليه فهي لا تعرف الكلام، ولا تفقه أي معنى لأي إشارة،كما لا تميز الألوان.
 لقد أمضت هذه الفتاة  عمرها في العتمة برفقة امرأة بها مس عقلي حكمت عليها قيود هذا النمط من الحياة.
يتقدم الطبيب - الراوي - ويقودها إلى جواده بعد أن يشعر بمشاعر إنسانية تجاهها.
يصل إلى فكرة أن يجلبها إلى البيت، ويعرفها بأسرتها علها تعينه على تقديم مساعدة إنسانية لهذه الفتاة التائهة.
 يأتي بها  إلى البيت , أمام هذا المنظر المخيف ترتعب زوجته (أميلي) يصرخ ابنه (جاك).
 المنظر مروع ،  ولا شك أنها لم تستحم منذ لحظة ولادتها.
 تبدو في اللحظات الأولى لدخولها البيت  بأنها قادمة من كوكب آخر "تخرمش"كل مَن يدنو منها , ثم تصدر نشيجا كمواء قطة  , لكن الأب يستفيض في الحديث عن الظروف التي جعلت منها على هذا النحو , وقد أتى بها من أجل إنقاذ حياتها.
استطاع الرجل أن يقنع زوجته بمحاولة تقديم خدمة إنسانية لهذه الفتاة التي هي بأمس الحاجة لمثل هذه الخدمة ,   فتقتنع الزوجة بالفكرة ولاتتردد من إدخالها  الحمام وقضاء وقت جيد لتنظيفها ،  وشيئا فشيئا تستجيب الفتاة  , فتقص الزوجة شعرها وأظافرها،  وتغسلها لمدة طويلة ثم تلبسها ثوبا جميلا.

بعد هذه العملية تخرج  فتاة رائعة الجمال،  وكأنها ليست الفتاة التي دخلت البيت منذ قليل , تمشي على مهل برفقة (أميلي) فيعجب الجميع لهذا التبدل الذي طرأ عليها.

يتدرج قارئ هذه الرواية بتلقي الأحداث والأفكار التي تجتذبه ليتفاعل معها، فيرى بعد ذلك أن  الطبيب ينتابه إحساس براحة ضمير لأنه أنقذ إنسانا .
 أمام هذا التغيير الذي رآه، والاستجابة من الفتاة خطر له  أن  يواصل  مهمته  الإنسانية ويسعى إلى انفتاحها على الحياة , وهي مهمة بالغة الصعوبة بالنسبة لفتاة في مثل هذا العمر , وهذه الظروف.
يقتنع الرجل بهذه الفكرة، ويخلص جهوده في سبيل مواصلة عمله،  فيعلمها الحروف الأولية:  ب.. با.. م.. ما..  حتى تحفظ هذه الحروف , ثم يعلمها الكلام  وتشخيص ألوان الطبيعة , وبعد أيام يأخذها إلى حفلة موسيقية في"نوشاتيل"يطلب إليها أن تركز على الفرق بين أصوات الآلات فتقارنها بألوان الطبيعة , كأن تشبّه الأحمر والبرتقالي بأصوات الأبواق والترمبون ,  وأن تتمثل الأصفر منها والأخضر برنانية الكمان والفلولونسيل والجهير ,  والبنفسجي والأزرق بالشبابة والكلادينات والمزمار.. فتقول جيرترود -  وهو الاسم الجديد الذي تختاره لها العائلة -  :"والأبيض ما عساه يعني لنا.."؟
يجيب :"الأبيض هو الحد الفاصل , تتلاشى عنده جميع الألوان الحادة وكذلك الأسود بعكسه..  تخيليه ياجيرترود جسما أثقلته الألوان الأخرى وأظلمته". ص 53.

يوصلها إلى درجات الرقة والرهافة والتذوق فتقول:"هل يمكن أن تكون الأشياء التي تبصرها بمثل هذا الجمال الذي أراه "؟
ويفضل جيد ألا يجيب على سؤالها بشكل مباشر، بل يقدم على تجربة بالغة الحساسية حتى تجيب التجربة ذاتها على السؤال. 
وهنا تكمن أهمية ما يرغب جيد في طرحه , أعني إشكالية العلاقة بين الواقع والخيال. 
أندريه جيد لا ينسى للحظة واحدة بأنه  يبحث عن أمور لم يكتشفها أحد غيره ,  وبالطبع لن يجيبها،  فيلجأ إلى الواقع يحاول أن يجري عملية لعينيها حتى تجيب على ذات السؤال  بنفسها.
هل الخيال جميل أم الواقع،  هل البصيرة ترى أشياء أجمل من البصر ؟
يلجأ إلى صديقه"مارتين"وهو طبيب عيون، فيتفق معه على إجراء عملية جراحية لعيني الفتاة.
يوافق الطبيب الجراح على ذلك،  ويجري عملية جراحية لعيني جيرترود.
 يبدو جيد نفسه مستعجلا على مشاهدة النتيجة (قوت الأرض - وقعت في 240 صفحة -  ومزيفو النقود وقعت في 528 صفحة.. بينما هذه وقعت في 108 فقط).

على نحو تقريري مباشر تأتي العبارة التالية مختصرة كل شيء:"رسالة من مارتين: نجحت العملية والحمد لله".

كانت جيرترود قد تعلقت بالراوي من خلال سماعها لصوته فقط وتعلقت بالحياة من خلال تصورها المسبق وعندما تفتح عينيها تصاب بصدمة الواقع،  فلا وجه الرجل يرتقي إلى مستوى التصور،  ولا الألوان بمستوى أصوات الآلات.
 لقد خانها كل شيء فقررت أن تعود إلى الظلام وتموت على الفور في فراشها.

نتعلم من هذه الرواية بأن  المعارف  التي يكتسبها الإنسان بجهوده وصبره يوما بعد يوم وسنة بعد سنة هي الأبقى، وهي التي تعينه على فهم الحياة والمحيط.
 لذلك يواصل الإنسان الجد والبحث من أجل أن يعيش حياة حافلة بالقيم ، ويسعى ما بجهده للوقوف والثبات على أرض واقعية صلبة  يكون دائم الحذر من شطحات الخيال التي تملك أن تحدث إهتزازاً فكرياً يزلزل الأرض تحت قدمية .
لذلك فإن هذه الرواية تطرح مسألة بالغة الأهمية تكمن في أن يدرك الإنسان أبعاد واقعية الواقع الذي يعيش فيه مستأنساً بشيء من الخيال الذي يعززه ويرسخه في واقعيته ويضفي عليها شيئاً من روح شاعرية وضفافية وعذوبةالإنسان والواقع أيضاً .

    سيكولوجية  المرأة الكوردية في إقليم كوردستان

أجل، هذا ما تبدّى لي وأنا أتناول رواية / نادحا /  لأندريه بريتون ، حيث لمست شيئاً من وجه المقاربة بين هاتين المرأتين، حيث خرجت الأولى من متون الحرب العالمية الثانية، وتشكلت شخصية الثانية يوماً بعد يوم على مشاهد الأسلحة الكيماوية، والنزوح الجماعي، وعمليات الإبادة، والإضطهاد القومي، مما جعلها تجنح إلى شيء من العدمية في معالم شخصيتها، ومن خلال وجودي في أربيل، وإحتكاكي مع مثقفات كورديات، وكذلك غير مثقفات، استطعت أن ألمس شيئاً من ثورة العدمية هذه التي بتقديري كانت الدافع الأقوى نحو إنتفاضة 1991، فقد أسهمت المرأة بفعالية في تفجير هذه الإنتفاضة، والتي أرى أن نزعة الإنتفاضة هذه ماتزال كبركان مؤقت لدى هذه المرأة يمكن له أن ينفجر في أية لحظة.
هنا كان علي أن أعيد النظر بقراءة هذه الرواية التي قرأتها سابقاً ، وقد تبدّى لي وجه المقارنة.

كتب بريتون هذه الرواية دون أن يلتزم بأي شكل أو قالب أو فنية أو حتى تقنيات روائية , جاءت موجزة ومختصرة في أقل من مئة صفحة، وقد تحدث في النصف الأول عن أصدقائه وعلاقاته ناسياً بأنه أمام كتابة رواية ,  ويبدو أن هذه المقدمة استغرقت نصف صفحات الكتاب ليفطن بريتون بأن عليه كتابة شيء ماعن / نادجا /  فتبدأ الرواية بهذا التحول الكبير الذي يطرأ على حياة بريتون وهو يلتقي  / نادجا /  المذهلة التي تمثل حال المرأة الفرنسية وهي خارجة للتو من حربين عالميتين - وعموماً إنها شبيهة بحال فئة لابأس بها من الفتيات في منطقتنا في هذا الوقت-  فنحن يمكن أن نقع على / نادجا /  في دمشق أو عمان أو القاهرة أو وهران أو بغداد أو هه ولير. ‏
 إنه حديث عن تأثر المرأة بشكل خاص بالواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيش فيه أو يُرغم عليها أن تعيش فيه.
إن مايجعل هذه الرواية تدفع بكل هذه المتعة لقارئها هو أن بريتون يكتبها على شكل دفقات شعرية غاية في القوة، ثم يأتي بهذه المقاطع المتراكمة في فترة زمنية ليضعها في نسق لتأخذ شكل رواية، وبريتون الذي ليست لديه خبرة كافية لكتابة رواية كخبرة فوكنر مثلاً، أو هسـة، لأنه يعمل في غير اختصاصه، كمحاولة فرويد مثلاً لكتابة قصة قصيرة، أو قصيدة، أو رواية قصيرة.

يسعى هذا الرجل  إلى شرح حالة الاضطراب التي تعانيها نادجا،  يكتب بطلاقة مستفيداً من كل تقنيات الفكر السوريالي، فتارة نرى / نادجا /  امرأة أسطورية، وتارة نراها امرأة غارقة في عمق الواقعية، يقول: / بكل تفصيل أفظع وقائع حياتها، وأن تقوم أحياناً بغنجات مستهجنة، وأن تقسرني وأنا في أشد تقطيب، على انتظار تحولها إلى تصرفات أخرى كان محالاً أن تصبح طبيعية. ‏
كم من مرة، وقد أبرمني حالها قنطت من إعادتها إلى إدراك سليم لقيمتها، فغادرتها شبه هارب /.
إنه يشعر بحب هائل نحو هذه المرأة التي هي العالم الذي يناشده بريتون ويناشده مؤسسو الحركة السوريالية معه / الحب الساحر الساجر الفريد الأكيد، الحب الصامد لكل طارئ أخيراً، هو الذي كان يسعه تحقيق المعجزة /.
 لكن من الطرف الآخر فإن / نادجا /  تحترق وتعاني وهي غير قادرة أن تكون في الصورة التي يريد الحبيب أن يضعها فيها، فتشعر باضطراب.
 يقول الحبيب: / قبل شهور جاء من أخبرني بأن نادجا جُنت،  فإثر تصرفات شاذة ارتكبتها على مايظهر في أبهة فندقها وجب حبسها في مصحة فوكلوز /.
 يعلق بريتون على هذه الحادثة:  / سوف يسهب غيري وإن عبثا، في التعقيب على هذا الأمر الذي سيرون فيه دون ريب الخاتمة الحتمية لما بينت قبلاً، وسيبادر الأدرى إلى تقدير ما ينبغي أن ينسب في هذه النتيجة إلى ما أوضحت سابقاً من أفكار نادجا الأولى /.
‏ ثم ينتهي بريتون إلى أن يرى:  / أن الازدراء الذي أكنه عموماً للطب النفساني ولفخفخاته ولمحصلاته عظيم حيث لم أجرؤ إلى الآن على استعلام ما جرى لنادجا، لقد بينت لماذا كنت متشائماً حول مصيرها كما حول مصير كثيرين  /. ‏
تحمل رواية نادجا  نفحات قرن مضى، نفحات أفكار وأناس كانوا ذات يوم في هذا العالم وتركوا لنا وللأجيال القادمة بصماتهم. ‏
شيريكو، دالي، بيكاسو، بول إيلوار، بريتون، آراغون، بنجامان بيريه، وعموماً فإن هذه الرواية طافحة بلوحات وقصائد وكتابات كل هؤلاء الذين أسسوا للسريالية وتركوها كما عاشوها أمام  الأجيال القادمة. ‏
أجل إن متعة قراءة هذه الرواية تكمن في مقدرتها على استيقاظ كل ذاك العالم في زمن شهد قمة الثورات الفكرية والفلسفية في فرنسا وسائر أنحاء العالم وكانت نادجا تمثل المرأة بكل إشراقاتها وطموحاتها وكذلك بكل ظلاميتها وعدميتها.

أمام ذلك كان لابد لي من العودة إلى قراءة أعمال سيمون دي بوفوار الروائية حيث تناولت بشيء من التأويل الفلسفي سيكولوجية المرأة في تلك المرحلة، هذا التأويل الذي أحدث هزّات فكرية في مراحل تكوين الفكر الثقافي الأوربي.
تقول بوفوار عن  رواية / المثقفون / :  / خلافا لما ادعاه البعض، من الخطأ اعتبار / المثقفون/  رواية مفاتيح، وأنا أحتقر روايات المفاتيح احتقاري لكتب / الحيوات المروية /،  وأنا لا أزعم أن / المثقفون/ رواية ذات فكرة.  إن رواية الفكرة تفرض حقيقة تمحو جميع الحقائق الأخرى وتوقف دائرة الاعتراضات والشكوك التي لا تنتهي، أما أنا فقد صورت بعض أشكال الحياة في فترة ما بعد الحرب من غير أن أقترح حلولاً للمشكلات التي تقلق أبطالي /. وعن روايتها   / دم الآخرين /  تكتب بوفوار: / كان موضوع  / دم الآخرين/  كما ذكرت تناقض هذه الحياة التي عشتها في ظل / حرية /  اعتبرها أولئك الذين يقربونني مجرد شيء، ولكن هذه المقاصد فاتت الجمهور، وصنفها الكتاب على أنها رواية عن المقاومة،  وصنفت أيضا كرواية وجودية،  وكانت هذه الكلمة قد أصبحت تلازم آلياً آثار سارتر وآثاري /.
وتقول عن رواية / المدعوة /: / كانت الأرض مزروعة بالأوهام المحطمة وهي الاخفاق الذي أزعج حياتي الخاصة هو الذي خلق  المدعوة،  ومنحني تقهقراً بالنسبة لتجربتي الحديثة والرغبة في انقاذها بالكلمات وأصبح ممكنا وضرورياً لي أن أضعها في كتاب /. ومن المفاهيم التي تطرحها في كتابها   / الجنس الآخر /   الكتاب أحدث سجالات ثقافية  في الأوساط العلمية والاجتماعية والثقافية في العالم: / ليس هناك قدر بيولوجي أونفسي أو اقتصادي يقرر الشكل الذي تمثله المرأة في المجتمع.  إنها الحضارة ككل هي التي تنتج ذلك المخلوق والذي نطلق عليه إسم الأنثى/ 
من المفاهيم التي تطرحها في هذا الكتاب:  / هوجمت خصوصاً بسبب فصل الأمومة، وصرح رجال كثيرون بأنه لم يكن يحق لي التحدث عن النساء لكوني لم أنجب أولاداً، ترى، هل أنجبوا هم.؟ إنهم يعارضونني بأفكار ليست حاسمة ولا قطعية، أتراني قد رفضت كل قيمة لشعور الأمومة والحب؟ كلا، لقد طلبت من المرأة أن تعايش هاتين القيمتين وبشكل حرّ، في حين أنهما غالباً مايخدمانها كحجة، وأنها تخضع لهما إلى درجة أن الخضوع يبقى إذ يكون القلب قد جف /.
وكذلك: /  كان من ألوان سوء التفاهم التي خلقها الكتاب الاعتقاد بأني كنت أنكر فيه أي فرق بين الرجال والنساء، والحقيقة أني بالعكس قست وأنا أكتب الكتاب ما يفصل الجنسين، ولكن ما ذهبت إليه هو أن تلك الاختلافات هي ثقافية وليست طبيعية، وأخذت على عاتقي أن أروي كيف كانت تنشأ هذه الاختلافات /.
رواية نادجا إذن، تتيح للقارئ فرصة ذهبية للتعرف على سيكولوجية المرأة العدمية في واقع عدمي، ومن هنا فإن هذه الرواية تصلح للقراءة في مختلف الأوقات، ويمكن أن تسري نفحاتها على غالبية بقاع العالم، وعلى الأخص تلك البقاع التي تشعر فيها المرأة بأنها كائنة عدمية لاحضور لها، فتسعى بطرق مختلفة للتعبير عن ذاك الحضور حتى لو أدى ذلك إلى مغامرة كبرى تودي بحياتها أو سمعتها كما قامت به الآنسة نادجا .
هنا أيضاً والآن، يمكنني أن أرى من الضفة الأخرى أن نادجا تقف دعامة أساسية لسيدات المجتمع الأوربي الجديد، كما أن المرأة الكوردية تقف دعامة أساسية لسيدات المجتمع الكوردي الجديد في إقليم كوردستان.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية