العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33461390
عدد الزيارات اليوم : 8939
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


آفاق:يوميات أناييس نن

 سعد محمد رحيم
(1)
  كتابة اليوميات هي  تدوين للتاريخ عن قرب شديد. هي حالة التصاق دافئ بالتاريخ في حاضر ينقضي  ويتبدد. هي فيوضات روح تصب في نهر التاريخ العظيم. هي التاريخ في طزاجته  وطراوته وحرارته، في جزيئة استثنائية منه تختلج بالحياة. كأنك تلمس جلداً  حيّاً وتستثيره، تخمشه، تجعل مساماته تتفتح وتتنفس، تشهق باللذة والألم،  بالمتعة والحزن، بالانشراح والخوف. إنها في نهاية المطاف محاولة للحكي عن  علاقة الذات بالعالم؛ صورة الذات وموقعها في العالم.. الذات بعدِّها جسداً  وعقلاً وروحاً. وأيضاً مشاعرَ وأفكاراً وأحلاماً ورغبات..


   قد تكون كتابة اليوميات هرباً من حالة اختناق وجودي، أو توسلاً بملاذ آمن في وقت عصيب، ومن داخل محيط معادٍ. أو سعياً للتطهر من أدران نفس خاطئة ومعذّبة، الخ.. لكن ثمة منْ يكتبون يومياتهم وهم مترعون بالشغف والأمل، ويبحثون عن خلود مستحيل. ديدنهم الإمساك بالزمن من تلابيبه. أما حال  الكاتبة أناييس نن فكانت بين هذا وذاك كما أزعم. واليوميات عند نن ليست التاريخ بمادته الخام، وليست الأدب النيئ العسير الهضم. فقد كانت تدوِّن يومياتها وتعرف أنها تؤلف شيئاً ليُقرأ، لا لكي تلتهمها النيران فيما بعد. لذا فإن ما كتبته ينتمي للأدب ذي النكهة الحلوة الشهيّة.. كانت تعرف أنها تلتقط شذرات من صور عالمها، ومما يحصل فيه، مدركة أن عليها أن تخبر عنها مَن سيأتون مِن بعدها.
   وأنت تمضي مع يوميّاتها (اليوميات/ مختارات.. ترجمة؛ لطفية الدليمي.. دار المدى/ بيروت 2013) تشعر وكأنك تقرأ قصائد نثر قصيرة.. جمل موجزة رشيقة طافحة بالدلالات الإنسانية. فنن حاذقة في اقتصاد اللغة، في اصطياد وتطويع أكثر الكلمات بساطة وإيحاءً، تلك التي تعطي لنصوصها عافية الجمال والمعنى.. أناقة أسلوبها وعذوبته ورهافته تعبير عن جوهر شخصيتها الموهوبة، المتحضرة، والفوّارة بطاقة الحياة. يقول هنري ميللر، في العام 1937 عن يومياتها:"سوف تحتل هذه اليوميات موقعها إلى جانب اعترافات القديس أوغسطين، وبترونيوس، وأبيلار، وجان جاك روسو، ومارسيل بروست".
   تعترف الكاتبة الروائية لطفية الدليمي بأنها أُصيبت بصدمة حين اطلاعها على يوميات نن للمرة الأولى، وكيف توقفت لبرهة"بما يشبه الممانعة الخجولة"، بسبب الجرأة العالية لتلك اليوميات، ولما تحتضنه من"فضاء لا يعرف مفردة التحريم وحدودها، ولا يتعامل مع التحايل الإبداعي". وفي خطوة لا تخلو من شجاعة وثقة بالنفس أقدمت على ترجمة مختارات منها، على الرغم من أنها تحاشت المشاهد المغرقة بالإيروتيكية، مؤثرة"اختيار مقاطع تخص نظرتها (أناييس نن) للإبداع وعلاقاتها بالمبدعين ووجهة نظرها إلى الحروب والحركات النسوية واعترافاتها ببعض مواقف من علاقات إنسانية يمتزج فيها الإبداعي والنفسي بالاجتماعي واليومي". وهذه المقاطع تعطينا صورة بانورامية واسعة وثرية عن الخلفية السياسية والاجتماعية العامة التي عاشت في كنفها.
   يوميات أناييس نن التي تركتها في عشرات الكراسات وبواقع خمسة عشر ألف صفحة تعد وثيقة تاريخية نادرة وغنية عن باريس الثلاثينيات والأربعينيات؛ بحياتها الثقافية وصراعاتها الفكرية، وظهور التيارات الفنية المختلفة فيها، وتحوّلاتها السياسية، وصخبها الاجتماعي، ناهيك عمّا تركه الاحتلال الألماني والحرب من ندوب في روح الكاتبة، وفي أرواح الناس.. وقد عمّقت الحرب الجانب السوداوي من تفكيرها.. تقول، إبان احتدام الصراع الأهلي في أسبانيا آب/ 1936:"المسرّات مخترقة بالميلانخوليا، أبدو مجهدة عصبية، أصارع من أجل الحب في عالم مليء بالخراب.. أين هي المسرّات، مسرّاتي؟". وقبل أن تندلع الحرب العالمية الثانية كانت تستشعر رائحة الموت والدمار الهابّة من كهوف السياسة، والتي كانت تدفعها إلى حواف اليأس.. تقول:"تبدو لي عذابات العالم ومعاناته ميؤوساً من شفائها باستثناء ما يمكننا القيام به منفردين".
   آمنت بالفن، وكرهت السياسة، وربما قادها هذا للابتعاد عن الواقع، فلم تفهم قوانين حركته وتناقضاته جيداً، ولم تشكل تصوّراً واضحاً عنه.. كانت الماركسية في ذلك الوقت في أوج صعودها، وكان من بين أصدقائها من استغرقته السياسة والنظريات تماماً غير أنها على الرغم من إحساسها بمعاناة المقربين منها، وما يحدق بأوروبا من أخطار لبثت في برجها العاجي، وكأن الشعر والفن والكتابة كافٍ لإنقاذ العالم.. ينصحها غونزالو وهو أحد أصدقائها المتحمسين للثورة:"أريد أن تمتلكي الوعي الطبقي". وعلى هذا تعلِّق:"لقد حاولت طوال حياتي أن امحو المراتب الطبقية ولا أعترف بغير الخصائص العقلية أو الصفات الشعورية والشجاعة والموهبة.. قلت له: إنني أؤمن بالشعر وحده، أريد أن أحيا فيما وراء (الزمني) والمؤقت.. خارج تنظيمات هذا العالم".



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية